/ صفحة 351 /

فهذه معان تعطيها هذه الآيات الشريفة، وواضح أنها أحكام تغاير الاحكام الجسمانية، وتتنافى الخواص المادية الدنيوية من جميع جهاتها، فالنفس الانسانية غير البدن.

ومما يدل عليه من الايات قوله تعالى: (الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى) الزمر - 42، والتوفي والاستيفاء هو أخذ الحق بتمامه وكماله، وما تشتمل عليه الاية: من الاخذ والامساك والارسال ظاهر في المغايرة بين النفس والبدن.

ومن الآيات قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الارض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) السجدة - 11، ذكر سبحانه شبهة من شبهات الكفار المنكرين للمعاد، وهو انا بعد الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرق أعضاؤنا، وتبدد أجزاؤنا، وتتبدل صورنا فنضل في الارض، ويفقدنا حواس المدركين، فكيف يمكن أن نقع ثانيا في خلق جديد؟ وهذا استبعاد محض، وقد لقن تعالى على رسوله الجواب عنه، بقوله: قل: يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم الاية، وحاصل الجواب أن هناك ملكا موكلا بكم هو يتوفيكم ويأخذكم، ولا يدعكم تضلوا وأنتم في قبضته وحفاظته، وما تضل في الارض إنما هو أبدانكم لا نفوسكم التي هي المدلول عليها بلفظ، كم، فإنه يتوفيكم.

ومن الآيات قوله تعالى: (ونفخ فيه من روحه الاية) السجدة - 9، ذكره في خلق الانسان ثم قال تعالى: (يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى) الاسراء - 85، فأفاد أن الروح من سنخ أمره، ثم عرف الامر في قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) يس - 83، فأفاد أن الروح من الملكوت، وأنها كلمة، كن، ثم عرف الامر بتوصيفه بوصف آخر بقوله: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر - 50، والتعبير بقوله: كلمح بالبصر يعطي أن الامر الذي هو كلمة، كن، موجود دفعي الوجود غير تدريجية، فهو يوجد من غير اشتراط وجوده وتقييده بزمان أو مكان، ومن هنا يتبين أن الامر - ومنه الروح شئ غير جسماني ولا مادي، فإن الموجودات المادية الجسمانية من

 

/ صفحة 352 /

أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود، مقيدة بالزمان والمكان، فالروح التي للانسان ليست بمادية جسمانية، وإن كان لها تعلق بها.

وهناك آيات تكشف عن كيفية هذا التعلق، فقد قال تعالى: (منها خلقناكم) طه - 55، وقال تعالى: خلق الانسان من صلصال كالفخار) الرحمن - 14، وقال تعالى (وبدا خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) السجدة - 8، ثم قال: سبحانه وتعالى (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) المؤمنون - 14، فأفاد أن الانسان لم يكن إلا جسما طبيعيا يتوارد عليه صور مختلفة متبدلة، ثم أنشأ الله هذا الذي هو جسم جامد خامد خلقا آخر ذا شعور وإرادة، يفعل أفعالا: من الشعور والاردة والفكر والتصرف في الاكوان، والتدبير في امور العالم بالنقل والتبديل والتحويل إلى غير ذلك مما لا يصدر عن الاجسام والجسمانيات، فلا هي جسمانية، ولا موضوعها الفاعل لها.

فالنفس بالنسبة إلى الجسم الذي ينتهي أمره إلى إنشائها - وهو البدن الذي تنشأ منه النفس - بمنزلة الثمرة من الشجرة والضوء من الدهن بوجه بعيد، وبهذا يتضح كيفية تعلقها بالبدن ابتداعا، ثم بالموت تنقطع العلقة، وتبطل المسكة، فهي في أول وجودها عين البدن، ثم تمتاز بالانشاء منه، ثم تستقل عنه بالكلية فهذا ما تفيده الايات الشريفة المذكورة بظهورها: وهناك آيات كثيرة تفيد هذه الحقيقة بالايماء والتلويح، يعثر عليها المتدبر البصير، والله الهادي.

قوله تعالى: ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات، لما أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلوة ونهاهم عن القول بموت من يقتل منهم في سبيل الله بل هم أحياء بين لهم السبب الذي من أجله خاطبهم بما خاطب، وهو أنهم سيبتلون بما لا يتمهد لهم المعالي ولا يصفو لهم الامر في الحيوة الشريفة والدين الحنيف إلا به، وهو الحرب والقتال، لا يدور رحى النصر والظفر على مرادهم إلا أن يتحصنوا بهذين الحصنين ويتأيدوا بهاتين القوتين، وهما الصبر والظفر، ويضيفوا إلى ذلك ثالثا وهو خصلة ما حفظها قوم إلا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية

 

/ صفحة 353 /

القصوى من كمالهم، واشتد بأسهم وطابت نفسهم، وهو الايمان بأن القتيل منهم غير ميت ولا فقيد، وأن سعيهم بالمال والنفس غير ضائع ولا باطل، فإن قتلوا عدوهم فهم على الحيوة، وقد أبادوا عدوهم وما كان يريده من حكومة الجور والباطل عليهم - وإن قتلهم عدوهم فهم على الحيوة - ولم يتحكم الجور والباطل عليهم، فلهم إحدى الحسنيين على أي حال.

وعامة الشدائد التي يأتي بها هو الخوف والجوع ونقص الاموال والانفس فذكرها الله تعالى، وأما الثمرات فالظاهر أنها الاولاد فإن تأثير الحرب في قلة النسل بموت لرجال والشبان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الاشجار، وربما قيل: إن المراد ثمرات النخيل، وهي التمر والمراد بالاموال غيرها وهي الدواب من الابل والغنم.

قوله تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون، اعاد ذكر الصابرين ليبشرهم اولا، ويبين كيفية الصبر بتعليم ما هو الصبر الجميل ثانيا، ويظهر به حق الامر الذي يقضي بوجوب الصبر وهو ملكه تعالى للانسان - ثالثا، ويبين جزائه العام - وهو الصلوة والرحمة والاهتداء - رابعا، فأمر تعالى نبيه اولا بتبشيرهم، ولم يذكر متعلق البشارة لتفخيم امره فانها من الله سبحانه فلا تكون الا خيرا وجميلا، وقد ضمنها رب العزة، ثم بين ان الصابرين هم الذين يقولون: كذا وكذا عند إصابة المصيبة وهي الواقعة التي تصيب الانسان، ولا يستعمل لفظ المصيبة الا في النازلة المكروهة، ومن المعلوم ان ليس المراد بالقول مجرد التلفظ بالجملة من غير حضور معناها بالبال، ولا مجرد الاخطار من غير تحقق بحقيقة معناها، وهي أن الانسان مملوك لله بحقيقة الملك، وان مرجعه إلى الله سبحانه وبه يتحقق أحسن الصبر الذي يقطع منابت الجزع والاسف، ويغسل رين الغفلة.

بيانه أن وجود الانسان وجميع ما يتبع وجودة، من قواه وأفعاله قائم الذات بالله الذي هو فاطره وموجده فهو قائم به مفتقر ومستند إليه في جميع أحواله من حدوث وبقاء غير مستقل دونه، فلربه التصرف فيه كيف شاء وليس للانسان من

 

/ صفحة 354 /

الامر شئ إذ لا استقلال له بوجه أصلا فله الملك في وجوده وقواه وأفعاله حقيقة.

ثم إنه تعالى ملكه بالاذن نسبة ذاته، ومن هناك يقال: للانسان وجود، وكذا نسبة قواه وأفعاله ومن هناك يقال: للانسان قوى كالسمع والبصر، ويقال: للانسان أفعال كالمشى والنطق، والاكل والشرب، ولو لا الاذن الالهي لم يملك الانسان ولا غيره من المخلوقات نسبة من هذه النسب الظاهرة، لعدم استقلال في وجودها من دون الله أصلا.

وقد أخبر سبحانه: أن الاشياء سيعود إلى حالها قبل الاذن ولا يبقي ملك إلا لله وحده، قال تعالى: (لمن الملك اليوم.

لله الواحد القهار) المؤمن - 16، وفيه رجوع الانسان بجميع ما له ومعه إلى الله سبحانه.

فهناك ملك حقيقي هو لله سبحانه لا شريك له فيه، لا الانسان ولا غيره، وملك ظاهري صوري كملك الانسان نفسه وولده وماله وغير ذلك، وهو لله سبحانه حقيقة، وللانسان بتمليكه تعالى في الظاهر مجازا، فإذا تذكر الانسان حقيقة ملكه تعالى، ونسبه إلى نفسه فوجد نفسه ملكا طلقا لربه، وتذكر أيضا ان الملك الظاهري فيما بين الانسان ومن جملتها ملك نفسه لنفسه وماله وولده سيبطل فيعود راجعا إلى ربه وجد أنه بالاخرة لا يملك شيئا أصلا لا حقيقة ولا مجازا، وإذا كان كذلك لم يكن معنى للتأثر عن المصائب الموجبة للتأثر عند إصابتها فإن التأثر إنما يكون من جهة فقد الانسان شيئا مما يملكه، حتى يفرح بوجدانه، ويحزن بفقدانه، وأما إذا أذعن واعتقد أنه لا يملك شيئا لم يتأثر ولم يحزن، وكيف يتأثر من يؤمن بأن الله له الملك وحده يتصرف في ملكه كيف يشاء؟ (الاخلاق) إعلم أن إصلاح أخلاق النفس وملكاتها في جانبي العلم والعمل، واكتساب الاخلاق الفاضلة، وإزالة الاخلاق الرذيلة انما هو بتكرار الاعمال الصالحة المناسبة لها ومزاولتها، والمداومة عليها، حتى تثبت في النفس من الموارد الجزئية علوم جزئية، وتتراكم وتنتقش في النفس انتقاشا متعذر الزوال أو متعسرها، مثلا إذا أراد الانسان

 

/ صفحة 355 /

إزالة صفة الجبن واقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرر الورود في الشدائد والمهاول التي تزلزل القلوب وتقلقل الاحشاء، وكلما ورد في مورد منها وشاهد أنه كان يمكنه الورود فيه وأدرك لذة الاقدام وشناعة الفرار والتحذر انتقشت نفسه بذلك انتقاشا بعد انتقاش حتى تثبت فيها ملكة الشجاعة، وحصول هذه الملكة العلمية وإن لم يكن في نفسه بالاختيار لكنه بالمقدمات الموصلة إليه كما عرفت اختياري كسبي.

إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق إلى تهذيب الاخلاق واكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين: المسلك الاول: تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيوية، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس كما يقال: إن العفة وقناعة الانسان بما عنده والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في أعين الناس والجاه عند العامة، وإن الشره يوجب الخصاصة والفقر، وإن الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والانس عند الخاصة، وإن العلم بصر يتقى به الانسان كل مكروه، ويدرك كل محبوب وإن الجهل عمى، وإن العلم يحفظك وانت تحفظ المال، وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب الانسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور، وإن العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية، وهي الحيوة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب.

وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الاخلاق، والمأثور من بحث الاقدمين من يونان وغيرهم فيه.

لم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بنائه على انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم عندهم، والاخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب أخروي كقوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة) البقرة - 150، دعا سبحانه إلى العزم والثبات، وعلله بقوله: لئلا يكون، وكقوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا) الانفال - 46، دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرئة العدو، وقوله تعالى (ولمن

 

/ صفحة 356 /

صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور) الشورى - 43، دعا إلى الصبر العفو، وعلله بالعزم و الاعظام.

المسلك الثاني: الغايات الاخروية، وقد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة - 111، وقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر - 10، وقوله تعالى: (إن الظالمين لهم عذاب أليم) إبراهيم - 22، وقوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) البقرة - 257، وأمثالها كثيرة على اختلاف فنونها.

ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) فإن الآية دعت إلى ترك الاسى والفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم وما أخطاكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضى وقدر مقدر، فالاسى والفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمة الامور كما يشير إليه قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم السابق الذي يتسبب فيه إلى إصلاح الاخلاق بالغايات الشريفة الاخروية، وهي كمالات حقيقية غير ظنية يتسبب فيه إلى إصلاح الاخلاق بالمبادئ السابقة الحقيقية من القدر والقضاء والتخلق بأخلاق الله والتذكر بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك.

فان قلت: التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية وفي ذلك بطلان الاخلاق الفاضلة واختلال نظام هذه النشأة الطبيعية، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح والاسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، ومقضية بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، وكسب كل كمال مطلوب، والاتقاء عن كل رذيلة خلقية وغير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق، والدفاع عن الحق، ونحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب، وكذا يجوز أن نترك السعي

 

/ صفحة 357 /

في كسب كل كمال، وترك كل نقص بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب، وفي ذلك بطلان كل كمال.

قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء، ما يتضح به الجواب عن هذا الاشكال، فقد ذكرنا ثم أن الافعال الانسانية من أجزاء علل الحوادث، ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها، فقول القائل: إن الشبع إما مقضي الوجود، وإما مقضي العدم، وعلى كل حال فلا تأثير للاكل غلط فاحش، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الاكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطآ أن يفرض الانسان معلولا من المعاليل، ثم يحكم بإلغاء علله أو شئ من أجزاء علله.

فغير جايز أن يبطل الانسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حيوته الدنيوية وإليه تنتسب سعادته وشقائة، وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الاحوال والملكات الحاصلة من إفعاله، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل، وإبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا، وعلة تامة إليه تستند الحواد، من غير أن يشاركه شئ آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الارادة الالهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل، والفرح والاسى، والغم ونحو ذلك.

يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله - وهو جاهل بأن بقية الاسباب الخارجة عن اختياره الناقص، وهي ألوف والوف لو لم يمهد له الامر لم يسد اختياره شيئا، ولا أغني عن شئ - يقول الجاهل: لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا، أو لما فات عني كذا، وهو جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية، أو الحيوة - إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها، وإن كان اختياره موجودا، على أن نفس اختيار الانسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الانسان فالاختيار لا يكون بالاختيار.

 

/ صفحة 358 /

فإذا عرفت ما ذكرنا وهو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الالهي كما مر، ثم تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الاخلاق دون بعض.

فما كان من الافعال أو الاحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كل الدفع كقوله تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آبائنا والله أمرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون) الاعراف - 28.

وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الانسان في التأثير، وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير، ومستغنيا عن غيره، فإنه يثبت إستناده إلى القضاء ويهدي الانسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الانسان بما وجده جهلا، ولا يحزن بما فقده جهلا كما في قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) النور - 33، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى، وكما في قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) البقرة - 3، فإنه يندب إلى الانفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى، وكما في قوله تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) الكهف - 7، نهى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن والغم استنادا إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه بل ما على الارض من شئ أمور مجعولة عليها للابتلاء والامتحان إلى غير ذلك.

وهذا المسلك أعنى الطريقة الثانية في إصلاح الاخلاق طريقة الانبياء، ومنه شئ كثير في القرآن، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماوية.

وهيهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم لا يوجد في شئ مما نقل إلينا من الكتب السماوية، وتعاليم الانبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين، ولا في المعارف المأثورة من الحكماء الالهيين، وهو تربية الانسان وصفا وعلما باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، وبعبارة أخرى إزالة الاوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع.

 

/ صفحة 359 /

وذلك كما أن كل فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إما عزة في المطلوب يطمع فيها، أو قوة يخاف منها ويحذر عنها، لكن الله سبحانه يقول: (إن العزة لله جميعا) يونس - 65، ويقول: (أن القوة لله جميعا) البقرة - 165، والتحقق بهذا العلم الحق لا يبقى موضوعا لرياء، ولا سمعة، ولا خوف من غير الله، ولا رجاء لغيره، ولا ركون إلى غيره، فهاتان القضيتان إذا صارتا معلومتين للانسان تغسلان كل ذميمة وصفا أو فعلا عن الانسان وتحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الالهية من التقوى بالله، والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية ربانية.

وأيضا قد تكرر في كلامه تعالى: أن الملك لله، وأن له ملك السموات والارض وأن له ما في السموات والارض وقد مر بيانه مرارا، وحقيقة هذا الملك كما هو ظاهر لا تبقى لشئ من الموجودات استقلالا دونه، واستغناء عنه بوجه من الوجوه، فلا شئ إلا وهو سبحانه المالك لذاته ولكل ما لذاته، وإيمان الانسان بهذا الملك وتحققه به يوجب سقوط جميع الاشياء ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن درجة الاستقلال، فهذا الانسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى، ولا أن يخضع لشئ، أو يخاف أو يرجو شيئا، أو يلتذ أو يبتهج بشئ، أو يركن إلى شئ أو يتوكل على شئ أو يسلم لشئ أو يفوض إلى شئ، غير وجهه تعالى، وبالجملة لا يريد ولا يطلب شيئا الا وجهه الحق الباقي بعد فناء كل شئ، ولا يعرض إعراضا ولا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعا ولا يعبأ به قبال الحق الذي هو وجود باريه جل شأنه.

وكذلك قوله تعالى: الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى) طه - 8، وقوله: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ) الانعام - 102، وقوله: (الذي أحسن كل شئ خلقه) السجدة - 7، وقوله: (وعنت الوجوه للحي القيوم) طه - 111، وقوله: (كل له قانتون) البقرة - 116، وقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الاسراء - 23، وقوله: (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) فصلت - 53، وقوله: (إلا إنه بكل شئ محيط) فصلت - 54، وقوله: (وان إلى ربك المنتهى) النجم - 42.

ومن هذا الباب الآيات التي نحن فيها وهي قوله تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) إلى آخرها فإن هذه الآيات وأمثالها

 

/ صفحة 360 /

مشتملة على معارف خاصة إلهية ذات نتائج خاصة حقيقية لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنه، ولا نوع التربية التي سنها الانبياء في شرائعهم، فإن المسلك الاول كما عرفت مبني على العقائد العامة الاجتماعية في الحسن والقبح والمسلك الثاني مبني على العقائد العامة الدينية في التكاليف العبودية ومجازاتها، وهذا المسلك الثالث مبني على التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الاسلام على مشرعه وآله أفضل الصلوة هذا.

فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدن الاسلام وحاصله: أن الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤن المدنية التي بسطتها الدعوة الدينية الاسلامية بين الناس من متبعيها، والمزايا والخصائص التي خلفها وورثها فيهم من تقدم الحضارة وتعالي المدنية، وأما المعارف الدينية التي يشتمل عليها الاسلام فهي مواد أخلاقية يشترك فيها جميع النبوات، ويدعو إليها جميع الانبياء هذا.

وأنت بالاحاطة بما قدمناه من البيان تعرف سقوط نظره، وخبط رأيه فإن النتيجة فرع لمقدمتها، والآثار الخارجية المترتبة على التربية إنما هي مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف التي تلقاها المتعلم المتربي، وليسا سواء قول يدعو إلى حق نازل وكمال متوسط وقول يدعو إلى محض الحق وأقصى الكمال، وهذا حال هذا المسلك الثالث، فأول المسالك يدعو إلى الحق الاجتماعي، وثانيها يدعو إلى الحق الواقعي والكمال الحقيقي الذي فيه سعادة الانسان في حيوتة لآخرة، وثالثها يدعو إلى الحق الذي هو الله، ويبني تربيته على أن الله سبحانه واحد لا شريك له، وينتج العبودية المحضة، وكم بين المسالك من فرق ! وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الانساني جما غفيرا من العباد الصالحين، والعلماء الربانيين، والاولياء المقربين رجالا ونساء، وكفى بذلك شرفا للدين.

على أن هذا المسلك ربما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج، فإن بنائه على الحب العبودي، وايثار جانب الرب على جانب العبد، ومن المعلوم أن الحب والوله والتيم ربما يدل الانسان المحب على امور لا يستصوبه العقل الاجتماعي الذي هو ملاك

 

/ صفحة 361 /

خلاق الاجتماعية، أو الفهم العام العادي الذي هو إساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل أحكام، وللحب إحكام، وسيجئ توضيح هذا المعنى في بعض الابحاث الآتية إنشاء الله تعالى.

قوله تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون الآية.

التدبر في الآية يعطي أن الصلوة غير الرحمة بوجه، ويشهد به جمع الصلوة وإفراد الرحمة وقد قال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما) الاحزاب - 43، والآية تفيد كون قوله: (وكان بالمؤمنين رحيما، في موقع العلة لقوله: هو الذي يصلي عليكم، والمعنى انه انما يصلي عليكم، وكان من اللازم المترقب ذلك، لان عادته جرت على الرحمة بالمؤمنين، وأنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلي عليكم حتى يرحمكم، فنسبة الصلوة إلى الرحمة نسبة المقدمة إلى ذيها وكالنسبة التي بين الالتفات والنظر، والتى بين الالقاء في النار والاحراق مثلا، وهذا يناسب ما قيل في معنى الصلوة: أنها الانعطاف والميل، فالصلوة من الله سبحانه إنعطاف إلى العبد بالرحمة ومن الملائكة إنعطاف إلى الانسان بالتوسط في إيصال الرحمة، ومن المؤمنين رجوع ودعاء بالعبودية وهذا لا ينافي كون الصلوة بنفسها رحمة ومن مصاديقها، فإن الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبرفي مواردها هي العطية المطلقة الالهية، والموهبة العامة الربانية، كما قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شئ) الاعراف - 156، وقال تعالى: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشا يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشاكم من ذرية قوم آخرين) الانعام - 133، فالاذهاب لغناه والاستخلاف والانشاء لرحمتة، وهما جميعا يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكل خلق وأمر رحمة، كما أن كل خلق وأمر عطية تحتاج إلى غني، قال تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا) الاسراء - 20، وإن عطيته الصلوة فهي أيضا من الرحمة غير أنها رحمة خاصة، ومن هنا يمكن أن يوجه جمع الصلوة وإفراد الرحمة في الآية.

قوله تعالى: وأولئك هم المهتدون كأنه بمنزلة النتيجة لقوله: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، ولذلك جدد اهتدائهم جملة ثانية مفصولة عن الاولى، ولم يقل: صلوات من ربهم ورحمة وهداية، ولم يقل: واولئك هم المهديون بل ذكر قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الذي هو فرع مترتب على الهداية، فقد تبين

 

/ صفحة 362 /

أن الرحمة هدايتهم إليه تعالى، والصلوات كالمقدمات لهذه الهداية واهتدائهم نتيجة هذه الهداية، فكل من الصلوة والرحمة والاهتداء غير الآخر وإن كان الجميع رحمة بنظر آخر.

 

فمثل هؤلاء المؤمنين في ما يخبره الله من كرامته عليهم مثل صديقك تلقاه وهو يريد دارك، ويسئل عنها يريد النزول بك فتلقاه بالبشر والكرامة، فتورده مستقيم الطريق وأنت معه تسيره، ولا تدعه يضل في مسيره حتى تورده نزله من دارك وتعاهده في الطريق بمأكله ومشربه، وركوبه وسيره، وحفظه من كل مكروه يصيبه فجميع هذه الامور إكرام واحد لانك إنما تريد إكرامه، وكل تعاهد تعاهد وإكرام خاص والهداية غير الاكرام، وغير التعاهد، وهو مع ذلك إكرام فكل منها تعاهد وكل منها هداية وكل منها إكرام خاص، والجميع إكرام، فالاكرام الواحد العام بمنزلة الرحمة والتعاهدات في كل حين بمنزلة الصلوات، والنزول في الدار بمنزلة الاهتداء.

والاتيان بالجملة الاسمية في قوله: واولئك هم المهتدون، والابتداء باسم الاشاره الدال على البعيد، وضمير الفصل ثانيا وتعريف الخبر بلام الموصول في قوله: المهتدون كل ذلك لتعظيم أمرهم وتفخيمه - والله أعلم -.

(بحث روائي) في البرزخ وحيوة الروح بعد الموت في تفسير القمي عن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة مثل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إني كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، ثم يلتفت إلى ولده فيقول: والله إني كنت لكم لمحبا، وإني كنت عليكم لحاميا، فما ذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها، ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله إني كنت فيك لزاهدا، وإنك كنت علي لثقيلا، فما ذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم حشرك، حتى أعرض أنا وأنت على ربك، فإن

 

/ صفحة 363 /

كان لله وليا أتاه أطيب الناس ريحا وأحسنهم منظرا، وأزينهم رياشا، فيقول: بشر بروح من الله وريحان وجنة نعيم، قد قدمت خير مقدم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنة، وإنه ليعرف غاسلة، ويناشد حامله أن يعجله.

فإذا دخل قبره أتاه ملكان، وهما فتانا القبر، يحبران أشعارهما، ويحبران الارض بأنيابهما، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربك، ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والاسلام ديني، فيقولان: ثبتك الله فيما تحب وترضى، وهو قول الله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا الآية، فيفسحان له في قبره مد بصره، ويفتحان له بابا إلى الجنة، ويقولان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم، وهو قوله: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا.

وإذا كان لربه عدوا فإنه يأتيه أقبح خلق الله رياشا، وأنتنه ريحا، فيقول له أبشر بنزل من حميم، وتصميه جحيم، وإنه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يحبسه، فإذا أدخل قبره أتيا ممتحنا القبر، فألفيا عنه أكفانه ثم قالا له، من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري فيقولان له: ما دريت ولا هديت، فيضربانه بمرزبه ضربة، ما خلق الله دابة إلا وتذعر لها ما خلا الثقلان، ثم يفتحان له بابا إلى النار، ثم يقولان له: نم بشر حال، فيبوء من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج، حتى أن دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه، ويسلط الله عليه حيات الارض وعقاربها وهوامها تنهشه حتى يبعثه الله من قبره، وأنه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر.

وفي منتخب البصائرعن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يسئل في القبر إلا من محض الايمان محضا، أو محض الكفر محضا فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم.

وفي أمالي الشيخ عن ابن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين بعد موتهم؟ قلت: يقولون في حواصل طيور خضر؟ فقال: سبحان الله، المؤمن أكرم على الله من ذلك ! إذا كان ذلك أتاه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليه السلام)، ومعهم ملائكة الله عز وجل المقربون، فان

 

/ صفحة 364 /

أنطق الله لسانه بالشهادة له بالتوحيد، وللنبي بالنبوة، والولاية لاهل البيت، شهد على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) والملائكة المقربون معهم وإن اعتقل لسانه خص الله نبيه بعلم ما في قلبمن ذلك، فشهد به، وشهد على شهادة النبي: علي وفاطمة والحسن والحسين - على جماعتهم من الله أفضل السلام - ومن حضر معهم من الملائكة فإذا قبضه الله إليه صير تلك الروح إلى الجنة، في صورة كصورته، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا.

وفي المحاسن عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر الارواح، أرواح المؤمنين فقال يلتقون، قلت: يلتقون؟ قال: نعم يتسائلون و يتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان.

 

وفي الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب، ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله، فيرى ما يكره، ويستر عنه ما يحب، قال: منهم من يزور كل جمعه، ومنهم من يزور على قدر عمله.

وفي الكافي عن الاصادق (عليه السلام): أن الارواح في صفة الاجساد في شجر من الجنة، تعارف وتسائل، فإذا قدمت الروح على الارواح تقول: دعوها، فإنها قد أقبلت من هول عظيم ثم يسئلونها ما فعل فلان، وما فعل فلان، فإن قالت لهم: تركته حيا ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى اقول: والروايات في باب البرزخ كثيرة، وإنما نقلنا ما فيه جوامع معنى البرزخ، وفي المعاني المنقولة روايات مستفيضة كثيرة، وفيها دلالة على نشأة مجردة عن المادة (بحث فلسفي) هل النفس مجردة عن الماده؟ (ونعني بالنفس ما يحكى عنه كل واحد منا بقوله، أنا، وبتجردها عدم كونها أمرا ماديا ذا انقسام وزمان ومكان.

 

/ صفحة 365 /

إنا لا نشك في أنا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: بأنا، ولا نشك أن كل إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حيوتنا وشعورنا، وليس هو شيئا من أعضائنا، وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحس أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك، وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس والتجربة، فإنا ربما نغفل عن كل واحد منها وعن كل مجموع منها حتى عن مجموعها التام الذي نسميه بالبدن، ولا نغفل قط عن المشهود الذي نعبر عنه: بأنا، فهو غير البدن وغير أجزائه.

وأيضا لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه: أو خاصة من الخواص الموجودة فيها - وهى جميعا مادية، ومن حكم المادة التغير التدريجي وقبول الانقسام والتجزي - لكان ماديا متغيرا وقابلا للانقسام وليس كذلك فإن كل أحد أذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه، وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أول شعوره بنفسه وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تعدد وتغير، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه، والخواص الموجودة معها متغيرة متبدلة من كل جهة، في مادتها وشكلها، وسائر أحوالها وصورها، وكذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام والتجزي، كما يجد البدن، وأجزائه وخواصه - وكل مادة وأمر مادي كذلك - فليست النفس هي البدن، ولا جزءا من أجزائه، ولا خاصة من خواصه، سواء أدركناه بشئ من الحواس أو بنحو من الاستدلال، أو لم ندرك، فإنها جميعا مادية كيفما فرضت، ومن حكم المادة التغير، وقبول الانقسام، والمفروض أن ليس في مشهودنا المسمى بالنفس شئ من هذه الاحكام فليست النفس بمادية بوجه.

وأيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الاجزاء ولا خليط من خارج بل هو واحد صرف فكل إنسان يشاهد ذلك من نفسه ويرى أنه هو وليس بغيره فهذا المشهود أمر مستقل في نفسه، لا ينطبق عليه حد المادة ولا يوجد فيه شئ من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرد عن المادة، متعلق بالبدن نحو تعلق يوجب اتحادا ما له بالبدن وهو التعلق التدبيري وهو المطلوب.

وقد أنكر تجرد النفس جميع الماديين، وجمع من الالهيين من المتكلمين، والظاهريين

 

/ صفحة 366 /

من المحدثين، واستدلوا على ذلك، وردوا ما ذكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلف من غير طائل.

قال الماديون: إن الابحاث العلمية على تقدمها وبلوغها اليوم إلى غاية الدقة في فحصها وتجسسها لم تجد خاصة من الخواص البدنية إلا وجدت علتها الماديه، ولم تجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتى تحكم بسببها بوجود روح مجردة.

قالوا: وسلسلة الاعصاب تؤدي الادراكات إلى العضو المركزي وهو الجزء الدماغي على التوالي وفي نهاية السرعة، ففيه مجموعة متحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزائها ولا يدرك بطلان بعضها، وقيام الآخر مقامه، وهذا الواحد المتحصل هو نفسنا التي نشاهدها، ونحكي عنها بأنا، فالذي نرى أنه غير جميع أعضائنا صحيح إلا أنه لا يثبت أنه غير البدن وغير خواصه، بل هو مجموعة متحدة من جهة التوالي والتوارد لا نغفل عنه، فإن لازم الغفلة عنه على ما تبين بطلان الاعصاب ووقوفها عن أفعالها وهو الموت، والذي نرى أنه ثابت، صحيح لكنه لا من جهة ثباته وعدم تغيره في نفسه بل الامر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الادراكية وسرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحس واحدا ثابتا، وهو بحسب الواقع لا واحد ولا ثابت، وكذا يجد عكس الانسان أو الشجر أو غيرهما فيه واحدا ثابتا وليس واحدا ثابتا بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذي لاجزاء الماء فيه، وعلى هذا النحو وجود الثبات والوحدة والشخصية التي نرى في النفس.

 

قالوا: فالنفس التي يقام البرهان على تجردها من طريق المشاهدة الباطنية هي في الحقيقة مجموعة من خواص طبيعية، وهي الادراكات العصبية التي هي نتائج حاصلة من التأثير والتأثر المتقابلين بين جزء المادة الخارجية، وجزء المركب العصبي، ووحدتها وحدة اجتماعية لا وحدة واقعية حقيقية.

أقول: أما قولهم: إن الابحاث العلمية المبتنية على الحس والتجربة لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح، ولا وجدت حكما من الاحكام غير قابل التعليل إلا بها فهو كلام

 

/ صفحة 367 /

حق لا ريب فيه لكنه لا ينتج انتفاء النفس المجردة التي اقيم البرهان على وجودها، فإن العلوم الطبيعية الباحثة عن أحكام الطبيعة وخواص المادة إنما تقدر على تحصيل خواص موضوعها الذي هو المادة، وإثبات ما هو من سنخها، وكذا الخواص والادوات المادية التي نستعملها لتتميم التجارب المادي إنما لها أن تحكم في الامور المادية، وأما ما وراء المادة والطبيعة، فليس لها أن تحكم فيها نفيا ولا إثباتا، وغاية ما يشعر البحث المادي به هو عدم الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود، وليس من شأنه كما عرفت أن يجد ما بين المادة التي هي موضوعها، ولا بين أحكام المادة وخواصها التي هي نتائج بحثها أمر أمجردا خارجا عن سنخ المادة وحكم الطبيعة.

والذي جرأهم على هذا النفي زعمهم أن المثبتين لهذه النفس المجردة إنما أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيوية من وظائف الاعضاء ولم يقدروا على تعليلها العلمي، فأثبتوا النفس المجردة لتكون موضوعا مبدئا لهذه الافاعيل، فلما حصل العلم اليوم على عللها الطبيعية لم يبق وجه للقول بها، نظير هذا الزعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.

وهو اشتباه فاسد فإن المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك ولم يسندوا بعض الافاعيل البدنية إلى البدن فيما علله ظاهرة، وبعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنية بلا واسطة وإلى النفس بواسطتها، وإنما اسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن ألبتة وهو علم الانسان بنفسه ومشاهدته ذاته كما مر.

وأما قولهم: إن الانية المشهودة للانسان على صفة الوحدة هي عدة من الادراكات العصبية الواردة على المركز على التوالي وفي نهاية السرعة - ولها وحدة اجتماعية - فكلام لا محصل له ولا ينطبق عليه الشهود النفساني البتة، وكأنهم ذهلوا عن شهودهم النفساني فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسية إلى الدماغ واشتغلوا بالبحث عما يلزم ذلك من الآثار التالية وليت شعري إذا فرض أن هناك امورا كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها ألبتة، وهذه الامور الكثيرة التي هي الادراكات امور مادية ليس ورائها شئ آخر إلا نفسها، وإن الامر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه

 

/ صفحة 368 /

الادراكات الكثيرة، فمن أين حصل هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره؟ ومن أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عيانا؟ والذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجد فإن الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة وإنما وحدتها في الحس أو الخيال كالدار الواحدة والخط الواحد مثلا، لا في نفسه، والمفروض في محل كلامنا أن الادراكات والشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها فلازم قولهم إن هذه الادراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلا، وهي بعينها شعور واحد نفساني واقعا، وليس هناك أمر آخر له هذه الادراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة كما يدرك الحاسة أو الخيال المحسوسات أو المتخيلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإن المفروض أن مجموع الادراكات الكثيرة في نفسها نفس الادراك النفساني الواحد في نفسه، ولو قيل: إن المدرك هيهنا الجزء الدماغي يدرك الادراكات الكثيرة على نعت الوحدة كان الاشكال بحاله، فإن المفروض ان إدراك الجزء الدماغي نفس هذه الدراكات الكثيرة المتعاقبة بعينها، لا أن للجزء الدماغي قوة إدراك تتعلق بهذه الادراكات كتعلق القوى الحسية بمعلوماتها الخارجية وانتزاعها منها صورا حسية، فافهم ذلك.

والكلام في كيفية حصول الثبات والبساطة في هذا المشهود الذي هو متغير متجز في نفسه كالكلام في حصول وحدته.

مع أن هذا الفرض أيضا - أعني أن يكون الادراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة مشعورة بشعور دماغي على نعت الوحدة - نفسه فرض غير صحيح، فما شأن الدماغ والقوة التي فيه، والشعور الذي لها، والمعلوم الذي عندها، وهي جميعا امور مادية، ومن شأن المادة والمادي الكثرة، والتغير، وقبول الانقسام، وليس في هذه الصورة العلمية شئ من هذه الاوصاف والنعوت، وليس غير المادة والمادي هناك شئ.

وقولهم: أن الامر يشتبه على الحس أو القوة المدركة، فيدرك الكثير المتجزي المتغير واحدا بسيطا ثابتا غلط واضح، فإن الغلط والاشتباه من الامور النسبية التي تحصل بالمقايسة والنسبة، لا من الامور النفسية، مثال ذلك أنا نشاهد الاجرام العظيمة السماوية صغيرة كالنقاط البيض، ونغلط في مشاهدتنا هذه، على ما تبينه البراهين

 

/ صفحة 369 /

العلمية، وكثير من مشاهدات حواسنا إلا أن هذه الاغلاط إنما تحصل وتوجد إذا قايسنا ما عند الحس مما في الخارج من واقع هذه المشهودات، وأما ما عند الحس في نفسه فهو أمر واقعي كنقطة بيضاء لا معنى لكونه غلطا ألبتة.

والامر فيما نحن فيه من هذا القبيل فإن حواسنا وقوانا المدركة إذا وجدت الامور الكثيرة المتغيرة المتجزية على صفة الوحدة والثبات والبساطة كانت القوى المدركة غالطة في إدراكها مشتبهة في معلومها بالقياس إلى المعلوم الذي في الخارج وأما هذه الصورة العلمية الموجودة عند القوة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها ألبتة، ولا يمكن أن يقال للامر الذي هذا شأنه: إنه مادي لفقده أوصاف المادة العامة.

فقد تحصل من جميع ما ذكرنا أن الحجة التي أوردها الماديون من طريق الحس والتجربة إنما ينتج عدم الوجدان، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود (وهو مدعاهم) مكان عدم الوجدان، وما صوروه لتقرير الشهود النفساني المثبت لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصوير فاسد لا يوافق، لا الاصول المادية المسلمة بالحس والتجربة، ولا واقع الامر الذي هو عليه في نفسه.

وأما ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس وهو أنه الحالة المتحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحية، من الادراك والارادة والرضا والحب وغيرها المنتجة لحالة متحدة مؤلفة فلا كلام لنا فيه، فإن لكل باحث أن يفترض موضوعا ويضعه موضوعا لبحثه، وإنما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في الخارج والواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه، وهو البحث الفلسفي كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.

وقال قوم آخرون من نفاة تجرد النفس من المليين: إن الذي يتحصل من الامور المربوطة بحيوة الانسان كالتشريح والفيزيولوجي أن هذه الخواص الروحية الحيوية تستند إلى جراثيم الحيوة والسلولات التي هي الاصول في حيوة الانسان وسائر الحيوان وتتعلق بها، فالروح خاصة وأثر مخصوص فيها لكل واحد منها أرواح متعددة فالذي

 

/ صفحة 370 /

يسميه الانسان روحا لنفسه ويحكي عنه بأنا مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد والاجتماع، ومن المعلوم أن هذه الكيفيات الحيوية والخواص الروحية تبطل بموت الجراثيم والسلولات وتفسد بفسادها فلا معنى للروح الواحدة المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني غاية الامر أن الاصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي لما لم تف بكشف رموز الحيوة كان لنا أن نقول: أن العلل الطبيعية لا تفي بإيجاد الروح فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة، وأما الاستدلال على تجرد النفس من جهة العقل محضا فشئ لا يقبله ولا يصغي إليه العلوم اليوم لعدم اعتمادها على غير الحس والتجربة، هذا.

اقول: وأنت خبير بأن جميع ما أوردناه على حجة الماديين وارد على هذه الحجة المختلقة من غير فرق ونزيدها أنها مخدوشة اولا: بأن عدم وفاء الاصول العلمية المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحيوة لا ينتج عدم وفائها أبدا ولا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادية في نفس الامر على جهل منا، فهل هذا إمغالطة وضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم؟ وثانيا: بأن استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادية - إلى المادة، وبعضها الاخر وهي الحوادث الحيوية إلى أمر وراء المادة - وهو الصانع - قول بأصلين في الايجاد، ولا يرتضيه المادي ولا الالهي، وجميع أدلة التوحيد يبطله.

وهنا إشكالات أخر أوردوها على تجرد النفس مذكورة في الكتب الفلسفية والكلامية غير أن جميعها ناشئة عن عدم التأمل والامعان فيما مر من البرهان، وعدم التثبت في تعقل الغرض منه، ولذلك أضربنا عن إيرادها، والكلام عليها، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانها، والله الهادي (بحث اخلاقي) علم الاخلاق (وهو الفن الباحث عن الملكات الانسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والانسانية، وتميز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الانسان التحلي

 

/ صفحة 371 /

والاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الافعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الانساني) يظفر ببحثه أن الاخلاق الانسانية تنتهي إلى قوى عامه ثلاثة فيه هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم العملية التي تستند وتنتهي إليها افعال النوع وتهيئتها وتعبيتها عنده، وهي القوى الثلاث: الشهوية والغضبية والنطقية الفكرية، فإن جميع الاعمال والافعال الصادرة عن الانسان إمامن قبيل الافعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالاكل والشرب واللبس وغيرها، وإما من الافعال المنسوبة إلى دفع المضرة كدفاع الانسان عن نفسه وعرضه وماله ونحو ذلك، وهذه الافعال هي الصادرة عن المبدا الغضبي كما أن القسم السابق عليها صادر عن المبدا الشهوي، وإما من الاعمال المنسوبة إلى التصور والتصديق الفكري، كتأليف القياس وإقامة الحجة وغير ذلك وهذه الافعال صادرة عن القوة النطقية الفكرية، ولما كانت ذات الانسان كالمؤلفة، المركبة من هذه القوى الثلاث التي باتحادها وحصول الوحدة التركيبية منها يصدر أفعال خاصة نوعية، ويبلغ الانسان سعادتة التي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع إن لا يدع قوة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الافراط أو التفريط، وتميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة والنقيصة، فإن في ذلك خروج جزء المركب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب وفي ذلك خروج المركب عن كونه ذاك المركب ولازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع.

وحد الاعتدال في القوة الشهوية - وهي استعمالها على ما ينبغي كما وكيفا - يسمي عفة، والجانبان في الافراط والتفريط الشره والخمود، وحد الاعتدال في القوة الغضبية هي الشجاعة والجانبان التهور والجبن، وحد الاعتدال في القوة الفكرية تسمي حكمة والجانبان الجربزة والبلادة، وتحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، وهي التي تسمى عدالة، وهي إعطاء كل ذي حق من القوي حقة، ووضعه في موضعه الذي ينبغي له، والجانبان فيها الظلم والانظلام.

فهذه أصول الاخلاق الفاضلة أعني: العفة والشجاعة والحكمة والعدالة، ولكل منها فروغ ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الاصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود والسخاء، والقناعة والشكر، والصبر والشهامة،

 

/ صفحة 372 /

اصول الاخلاق الفاضلة (الشجرة)

 

/ صفحة 373 /

والجرئة والحياء، والغيرة والنصيحة، والكرامة والتواضع، وغيرها، هي فروع الاخلاق الفاضلة المضبوطة في كتب الاخلاق (وهاك شجرة تبين أصوللا وتفرع فروعها) وعلم الاخلاق يبين حد كل واحد منها ويميزها من جانبيها في الافراط والتفريط، ثم يبين أنها حسنة جميلة ثم يشير إلى كيفية اتخاذها ملكة في النفس من طريقي العلم والعمل أعنى الاذعان بنأها حسنة جميلة، وتكرار العمل بها حتى تصير هيئة راسخة في النفس.

مثاله أن يقال إن الجبن إنما يحصل من تمكن الخوف من النفس، والخوف إنما يكون من أمر ممكن الوقوع وعدم الوقوع، والمساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد طرفيه على الآخر من غير مرجح والانسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي للانسان أن يخاف.

فإذا لقن الانسان نفسه هذا القول ثم كرر الاقدام والورود في المخاوف والمهاول زالت عنه رذيلة الخوف، وهكذا الامر في غيره من الرذائل والفضائل.

فهذا ما يقتضيه المسلك الاول على ما تقدم في البيان وخلاصته إصلاح النفس وتعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة والثناء الجميل.

ونظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، وهو مسلك الانبياء وأرباب الشرائع، وإنما التفاوت من حيث الغرض والغاية، فإن غاية الاستكمال الخلقي في المسلك الاول الفضيلة المحمودة عند الناس والثناء الجميل منهم، وغايته في المسلك الثاني السعادة الحقيقية للانسان وهو استكمال الايمان بالله وآياته، والخبر الاخروي وهي سعادة وكمال في الواقع لا عند الناس فقط، ومع ذلك فالمسلكان يشتركان في أن الغاية القصوى والغرض فيها الفضيلة الانسانية من حيث العمل.

وأما المسلك الثالث المتقدم بيانه فيفارق الاولين بأن الغرض فيه ابتغاء وجه الله لا اقتناء الفضيلة الانسانية ولذلك ربما اختلف المقاصد التي فيه مع ما في المسلكين الاولين فربما كان الاعتدال الخلقي فيه غير الاعتدال الذي فيهما وعلى هذا القياس، بيان ذلك أن العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد والازدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية

 

/ صفحة 374 /

ربه، واستحضار أسمائه الحسنى، وصفاتة الجميلة المنزهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذابا، وتترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنه يراه وأن ربه يراه، ويتجلي له في مجالي الجذبة والمراقبة والحب فيأخذ الحب في الاشتداد لان الانسان مفطور على حب الجميل، وقد قال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله) البقرة - 165، وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته لان حب الشئ يوجب حب آثاره، والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضا آثاره وآياته تعالى، ولا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شئ، ولا يحب إلا ربه، ولا يخضع قلبه إلا لوجهه فان هذا العبد لا يعثر بشئ، ولا يقف على شئ وعنده شئ من الجمال والحسن إلا وجد أن ما عنده انموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكل ما كان لغيره فهو له، لان كل ما سواه آية له ليس له إلا ذلك، والآية لا نفسية لها، وإنما هي حكاية تحكي صاحبها، وهذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه، ولا يزال يستولي، ولا ينظر إلى شئ إلا لانه آية من آيات ربه، وبالجملة فينقطع حبه عن كل شئ إلى ربه، فلا يحب شيئا إلا لله سبحانه وفي الله سبحانه.

وحينئذ يتبدل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئا إلا ويرى الله سبحانه قبله ومعه، وتسقط الاشياء عنده من حيز الاستقلال فما عنده من صور العلم والادراك غير ما عند الناس لانهم إنما ينظرون إلى كل شئ من وراء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة العلم، وكذلك الامر من جهة العمل فانه إذا كان لا يحب إلا لله فلا يريد شيئا إلا لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف، ولا يختار، ولا يترك، ولا ييأس ولا يستوحش، ولا يرضى، ولا يسخط إلا لله وفي الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الاغراض وتتبدل غاية أفعاله فانه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لانه فضيلة انسانية، ويحذر الفعل أو الخلق لانه رذيلة إنسانيه.

وأما الآن وأما الآن يريد وجه ربه، ولا هم له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل له بثناء جميل، وذكر محمود، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار، وإنما همه ربه، وزاده ذل عبوديته، ودليله حبه.

روت لي أحاديث الغرام صبابه.

بإسنادها عن جيرة العلم الفرد.

وحدثني مر النسيم عن الصبا.

عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد.

 

/ صفحة 375 /

عن الدمع عن عينى القريح عن الجوى.

عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد.

بأن غرامي والهوى قد تحالفا.

على تلفي حتى أوسد في لحدي.

وهذا البيان الذي أوردناه وإن آثرنا فيه الاجمال والاختصار لكنك إن أجدت فيه التأمل وجدته كافيا في المطلوب وتبين أن هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة والرذيلة، ويتبدل فيه الغاية والغرض أعني الفضيلة الانسانية إلى غرض واحد، وهو وجه الله، وربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه وبالعكس.

بقي هنا شئ وهو أن هيهنا نظرية اخرى في الاخلاق تغاير ما تقدم، وربما عد مسلكا آخر، وهي أن الاخلاق تختلف اصولا وفروعا باختلاف الاجتماعات المدنية لاختلاف الحسن والقبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، وقد ادعى أنها نتيجة النظرية المعروفة بنظرية التحول والتكامل في المادة.

قالوا: إن الاجتماع الانساني مولود جميع الاحتياجات الوجودية التي يريد الانسان أن يرفعها بالاجتماع، ويتوسل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الذي يراه بقاء وجود شخصه، وحيث أن الطبيعة محكومة لقانون التحول والتكامل كان الاجتماع أيضا متغيرا في نفسه، ومتوجها في كل حين إلى ما هو أكمل وأرقى، والحسن والقبح - وهما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال وعدم موافقته له - لا معنى لبقائهما على حال واحد، وجمودهما على نهج فارد، فلا حسن مطلقا، ولا قبح مطلقا، بل هما دائما نسبيان مختلفان باختلاف الاجتماعات بحسب الامكنة والازمنة، وإذا كان الحسن والقبح نسبيين متحولين وجب التغير في الاخلاق، والتبدل في الفضائل والرذائل، ومن هنا يستنتج أن الاخلاق تابعة للمرام القومي الذي هو وسيله إلى نيل الكمال المدني والغاية الاجتماعية، لتبعية الحسن والقبح لذلك، فما كان به التقدم والوصول إلى الغاية والغرض كان هو الفضيلة وفيه الحسن، وما كان يدعو إلى الوقوف والارتجاع كان هو الرذيلة، وعلى هذا فربما كان الكذب و الافتراء والفحشاء والشقاوة والقساوة والسرقة و الوقاحة حسنة وفضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، والصدق والعفة والرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان عن المطلوب، هذه خلاصة هذه النظرية العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيون من الماديين، والنظرية غير حديثة، على ما زعموا،

 

/ صفحة 376 /

فقد كان الكلبيون من قدماء اليونان - على ما ينقل - على هذه المسلك، وكذا المزدكيون (وهم أتباع مزدك الذي ظهر بايران على عهد كسرى ودعا إلى الاشتراك) كان عملهم على ذلك، ويعهد من بعض القبائل الوحشية بإفريقية وغيرهم.

وكيف كان فهو مسلك فاسد والحجة التي اقيمت على هذه النظرية فاسدة من حيث البناء والمبنى معا.

توضيح ذلك: أنا نجد كل موجود من هذه الموجودات العينية الخارجية يصحب شخصية تلازمه، ويلزمها أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر ويفارقه في الوجود، كما أن وجود زيد يصحب شخصية ونوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين عمرو، فزيد شخص واحد، وعمرو شخص آخر، وهما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه حقيقة لا شك فيها (وهذا غير ما نقول: إن عالم المادة موجود ذو حقيقة واحدة شخصية فلا ينبغي أن يشتبه الامر.

وينتج ذلك: أن الوجود الخارجي عين الشخصية، لكن المفاهيم الذهنية يخالف الموجود الخارجي في هذا الحكم فان المعنى كيف ما كان يجوز العقل أن يصدق على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الانسان ومفهوم الانسان الطويل، ومفهوم هذا الانسان القائم أمامنا، وأما تقسيم المنطقيين المفهوم إلى الكلي والجزئي، وكذا تقسيمهم الجزئي إلى الاضافي والحقيقي فإنما هو تقسيم بالاضافة والنسبة، إما نسبه أحد المفهومين إلى الآخر وإما نسبته إلى الخارج، وهذا الوصف الذي في المفاهيم - وهو جواز الانطباق على أكثر من واحد - ربما نسميه بالاطلاق كما نسمي مقابلة بالشخصية أو الوحدة.

ثم الموجود الخارجي (ونعني به الموجود المادي خاصة) لما كان واقعا تحت قانون التغير والحركة العمومية كان لا محالة ذا امتداد منقسما إلى حدود وقطعات، كل قطعة منها تغاير القطعة الاخرى مما تقدم عليها أو تأخر عنها، ومع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغير والتبدل لان أحد شيئين إذا عدم من أصله، والآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدل هذا من ذاك، بل التبدل الذي يلازم كل حركة إنما يتحقق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعا.

ومن هنا يظهر أن الحركة أمر واحد بشخصه يتكثر بحسب الاضافة إلى الحدود،

 

/ صفحة 377 /

فيتعين بكل نسبة قطعة تغاير القطعه الاخرى، وأما نفس الحركة فسيلان وجريان واحد شخصي، ونحن ربما سمينا هذا الوصف في الحركة إطلاقا في مقابل النسب التي لها إلى كل حد حد، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود.

ومن هنا يظهر أن المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعي موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الاول فإن الاطلاق بهذا المعنى وصف ذهني لموجود ذهني، هذا.

ثم إنا لا نشك ان الانسان موجود طبيعي ذو افراد واحكام وخواص وان الذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الانسان دون مجموع الافراد أعني الاجتماع الانساني إلا ان الخلقة لما أحست بنقص وجوده، واحتياجه إلى استكمالات لا تتم له وحده، جهزه بأدوات وقوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع وضمن الافراد المجتمعين، فطبيعة الانسان الفرد مقصود للخلقه اولا وبالذات والاجتماع مقصود لها ثانيا وبالتبع.

وأما حقيقة أمر الانسان مع هذا الاجتماع الذي تقتضية وتتحرك إليه الطبيعة الانسانية (إن صح إطلاق الاقتضاء والعلية والتحرك في مورد الاجتماع حقيقة فإن الفرد من الانسان موجود شخصي واحد بالمعنى الذي تقدم من شخصيته ووحدته، وهو مع ذلك واقع في الحركة، متبدل متحول إلى الكمال، ومن هنا كان كل قطعة من قطعات وجوده المتبدل مغايرة لغيرها من القطعات، وهو مع ذلك ذو طبيعة سيالة مطلقة حفوظة في مراحل التغيرات واحدة شخصية، وهذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد والتناسل واشتقاق الفرد من الفرد - وهي التي نعبر عنها بالطبيعة النوعية - فإنها محفوظة بالافراد وإن تبدلت وعرض لها الفساد والكون، بمثل البيان الذي مر في خصوص الطبيعة الفردية، فالطبيعة الشخصية موجوده متوجهة إلى الكمال الفردي، والطبيعة النوعية موجودة مطلقة متوجهة إلى الكمال.

وهذا الاستكمال النوعي لا شك في وجوده وتحققه في نظام الطبيعة، وهو الذي نعتمد عليه في قولنا: إن النوع الانساني مثلا متوجه إلى الكمال، وإن الانسان اليوم أكمل وجودا من الانسان الاولي، وكذا ما تحكم به فرضية تحول الانواع، فلو لا أن هناك طبيعة نوعية خارجية محفوظة في الافراد أو الانواع مثلا لم يكن هذا الكلام إلا كلاما شعريا.

 

/ صفحة 378 /

والكلام في الاجتماع الشخصي القائم بين أفراد قوم أو في عصر أو في محيط، ونوع الاجتماع القائم بنوع الانسان المستمر باستمراره والمتحول بتحوله (لو صح أن الاجتماع كالانسان المجتمع حال خارجي لطبيعة خارجية !) نظير القول في طبيعة الانسان الشخصية والنوعية في التقييد والاطلاق.

فالاجتماع متحرك متبدل بحركة الانسان وتبدله وله وحدة من بادئ الحركة إلى أين توجه بوجود مطلق - وهذا الواحد المتغير بواسطة نسبته وإضافته إلى كل حد حد تصير قطعة قطعة، وكل قطعة شخص واحد من أشخاص الاجتماع، وأشخاص الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الانسان كما، أن مطلق الاجتماع بالمعنى الذي تقدم مستند إلى مطلق الطبيعة الانسانية، فإن حكم الشخص شخص الحكم وفرده، وحكم المطلق مطلق الحكم (لا كلي الحكم، فلسنا نعني الاطلاق المفهومي فلا تغفل) ونحن لا نشك أن الفرد من الانسان وهو واحد له حكم واحد باق ببقائه، إلا إنه متبدل بتبدلات جزئية بتبع التبدلات الطارئة على موضوعه الذي هو الانسان فمن أحكام الانسان الطبيعي أنه يتغذى ويفعل بالارادة ويحس ويتفكر - وهو موجود مع الانسان وباق ببقائه - وإن تبدل طبق تبدله في نفسه، وكذلك الكلام في أحكام مطلق الانسان الموجود بوجود أفراده.

ولما كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الانسانية وخواصها فمطلق الاجتماع (نعني به الاجتماع المستمر الذي أوجدته الطبيعة الانسانية المستمرة من حين وجد الانسان الفرد إلى يومنا هذا) من خواص النوع الانساني المطلق موجود معه باق ببقائه، وأحكام الاجتماع التي أوجدها واقتضاها هي مع الاجتماع موجودة بوجوده، باقية ببقائه، وإن تبدلت بتبدلات جزئية مع انحفاظ الاصل مثل نوعها، وحينئذ صح لنا أن نقول: إن هناك أحكاما اجتماعية باقية غير متغيرة، كوجود مطلق الحسن والقبح، كما أن نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أن الاجتماع لا ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد وإن تبدل اجتماع خاص إلى آخر خاص، والحسن المطلق والخاص كالاجتماع المطلق والخاص بعينه.

ثم إنا نرى أن الفرد من الانسان يحتاج في وجوده وبقائه إلى كمالات ومنافع يجب

 

/ صفحة 379 /

له أن يجتلبها ويضمها إلى نفسه، والدليل على هذا الوجوب احتياجه في جهات وجوده وتجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذي وجهاز التناسل مثلا، فعلى الانسان أن يقدم عليه، وليس له أن لا يقدم قطعا بالتفريط فإنه يناقض دليل الوجوب الذي ذكرناه، وليس له أن يقدم في باب من أبواب الحاجة بما يزيد على اللازم بالافراط، مثل أن يأكل حتى يموت، أو يمرض، أو يتعطل عن سائر قواة الفعالة، بل عليه أن يتوسط في جلب كل كمال أو منفعة، وهذا التوسط هي العفة، وطرفاه الشره والخمود، وكذلك نرى الفرد في وجوده وبقائه متوسطا بين نواقص وأضداد ومضار لوجوده يجب عليه أن يدفعها، والدليل عليه الاحتياج والتجهيز في نفسه فيجب عليه المقاومة والدفاع على ما ينبغي من التوسط، من غير إفراط يضاد سائر تجهيزاته أو تفريط يضاد الاحتياج والتجهيز المربوطين، وهذا التوسط هي الشجاعة، وطرفاها التهور والجبن ونظير الكلام جار في العلم ومقابليه أعني الجربزة والبلادة، وفي العدالة ومقابليها وهما الظلم والانظلام.

فهذه أربع ملكات وفضائل يستدعيه الطبيعة الفردية المجهزة، بأدواتها: العفة والشجاعة، والحكمة، والعدالة - وهي كلها حسنة - لان معنى الحسن الملائمة لغاية الشئ وكماله وسعادته، وهي جميعا ملائمة مناسبة لسعادة الفرد بالدليل الذي تقدم ذكره، ومقابلاتها رذائل قبيحة، وإذا كان الفرد من الانسان بطبيعته وفي نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضا على هذا الوصف، وكيف يمكن أن يبطل الاجتماع - وهو من أحكام هذه الطبيعة - سائر أحكامها الوجودية؟ وهل هو إلا تناقض الطبيعة الواحدة، وليس حقيقة الاجتماع إلا تعاون الافراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم وبلوغها إلى غاية أمنيتها؟ وإذا كان الفرد من الانسان في نفسه وفي ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع الانسان في اجتماعه النوعي أيضا كذلك، فنوع الانسان في اجتماعه يستكمل بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع وباجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعدالة الاجتماعية - وهي إعطاء كل ذي حق حقه، وبلوغه حظه الذي يليق به دون الظلم والانظلام - وكل هذه الخصال الاربع فضائل بحكم

 

/ صفحة 380 /

الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الانساني بحسنها المطلق ويعد مقابلاتها رذائل ويقضي بقبحها.

فقد تبين بهذا البيان: أن في الاجتماع المستمر الانساني حسنا وقبحا لا يخلو عنهما قط وأن أصول الاخلاق الاربعة فضائل حسنة دائما، ومقابلاتها رذائل قبيحة دائما، والطبيعة الانسانية الاجتماعية تقضي بذلك، وإذا كان الامر في الاصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك، وإن كان ربما يقع اختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه.

إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الاخلاق وهاك بيانه.

أما قولهم: إن الحسن والقبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما النسبي من الحسن والقبح وهو متغير مختلف باختلاف المناطق والازمنه والاجتماعات، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الاطلاق المفهومي بمعنى الكلية والاطلاق الوجودي بمعنى إستمرار الوجود، فالحسن والقبح المطلقان الكليان غير موجودين في الخارج لوصف الكلية والاطلاق، لكنهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة، وإما الحسن والقبح المطلقان المستمران بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرا باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإن غاية الاجتماع سعادة النوع، ولا يمكن موافقة جميع الافعال الممكنة والمفروضة للاجتماع كيف ما فرض، فهناك أفعال موافقة ومخالفة دائما فهناك حسن وقبح دائما.

وعلى هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيف ما فرض ولا يعتقد أهله أن من الواجب أن يعطي كل ذي حق حقه أو أن جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أن الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم أو أن العلم الذي يتميز به منافع الانسان من غيرها فضيلة حسنة؟ وهذه هي العدالة والعفة، والشجاعة، والحكمة التي ذكرنا أن الاجتماع الانساني كيف ما فرض لا يحكم إلا بحسنها وكونها فضائل إنسانية، وكذا كيف يتيسر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض والانفعال عن التظاهر بالقبيح

 

/ صفحة 381 /

الشنيع، وهو الحياء من شعب العفة أو لا يحكم بوجوب السخط وتغير النفس في هتك المقدسات وهضم الحقوق، وهو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للانسان من الحقوق الاجتماعية، وهو القناعة أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض الناس وتحقيرهم بالاستكبار والبغي بغير الحق، وهو التواضع؟ وهكذا الامر في كل واحد واحد من فروع الفضائل.

وأما ما يزعمونه من اختلاف الانظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل وصيرورة الخلق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة جزئية فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعي بأن يعتقد قوم بوجوب اتباع الفضيلة الحسنة وآخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق الحكم على المصداق وعدم انطباقه.

مثل إن الاجتماعات التي كانت تديرها الحكومات المستبدة كانت تري لعرش الملك الاختيار التام في أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس ذلك لسوء ظنهم بالعدالة بل لاعتقادهم بأنه من حقوق السلطنة والملك فلم يكن ذلك ظلما من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقة بزعمهم.

ومثل أن العلم كان يعير به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملة فرنسا في القرون الوسطى، ولم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أن العلم بالسياسة وفنون إدارة الحكومة يضاد المشاغل السلطانية.

ومثل أن عفة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، وكذا الحياء من النساء وكذا الغيرة من رجالهن، وكذا عدة من الفضائل كالقناعة والتواضع أخلاق لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكن ذلك منهم لان اجتماعهم الخاص لا يعدها مصاديق للعفة والحياء والغيرة والقناعة والتواضع، لا لان هذه الفضائل ليست فضائل عندهم.

والدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفة الحاكم في (زكمه والقاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، ويمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال والحضارة وعن جميع مقدساتهم، ويمدحون القناعة بما عينه القانون من الحقوق لهم، ويمدحون التواضع لائمتهم وهداتهم في الاجتماع.

 

/ صفحة 382 /

وأما قولهم: بدوران الاخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعي واستنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع ففيه مغالطة واضحة فإن المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين التي قررتها الطبيعة بين الافراد المجتمعين ولا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لو لا الاخلال بانتظامها وجريها، ولا محالة لها أحكام: من الحسن والقبح والفضيلة والرذيلة، والمراد بالمرام مجموع الفرضيات التي وضعت لايجاد اجتماع على هيئت جديدة بتحميلها على الافراد المجتمعين، أعنى أن الاجتماع والمرام متغايران بالفعلية والقوة، والتحقق وفرض التحقق، فكيف يصير حكم أحد هما عين حكم الاخر، وكيف يكون الحسن والقبح، والفضيلة والرذيله التى عينها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الانسانية متبدلة إلى ما حكم به المرام الذى ليس الا فرضا من فارض؟ ولو قيل: أن لا حكم الا جتماع العام الطبيعي من نفسه، بل الحكم للمرام، وخاصة إذا كانت فرضية متلائمة لسعادة الافراد عاد الكلام السابق في الحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة، وأنها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمر من الطبيعة.

على ان هيهنا محذورا آخر وهو أن الحسن والقبح وسائر الاحكام الاجتماعية - وهى التى تعتمد عليها الحجة الاجتماعية وتتألف منها الاستدلالات - لو كانت تابعة للمرام، ومن الممكن بل الواقع تحقق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدى ذلك إلى إرتفاع الحجة المشتركة المقبولة عند عامة الاجتماعات، ولم يكن التقدم والنجاح حينئذ إلا للقدرة والتحكم، وكيف يمكن أن يقال ان الطبيعة الانسانية ساقت افرادها إلى حيوة اجتماعية لا تفاهم بين أجزائها ولا حكم يجمعها إلا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ وهل هذا إلا تناقض شنيع في حكم الطبيعة واقتضائها الوجودى؟ (بحث روائي آخر) في متفرقات متعلقة بما تقدم عن الباقر (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنى راغب نشيط في الجهاد.

قال: فجاهد في سبيل الله فإنك إن تقتل كنت حيا عند الله مرزوقا وإن

 

/ صفحة 383 /

مت فقد وقع أجرك على الله الحديث.

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): وإن مت إلخ إشارة إلى قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) النساء - 100، وفيه دلالة على أن الخروج إلى الجهاد مهاجرة إلى الله ورسوله.

وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام): في إسمعيل النبي الذي سماه الله سبحانه صادق الوعد، قال (عليه السلام) إنما سمي صادق الوعد، لانه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسماه الله عز وجل صادق الوعد، ثم إن الرجل أتاه بعد ذلك الوقت فقال له إسمعيل ما زلت منتظرا لك الحديث.

اقول: وهذا أمر ربما يحكم العقل العادي بكونه منحرفا عن جادة الاعتدال مع أن الله سبحانه جعله منقبة له (عليه السلام) حتى عظم قدره ورفع ذكره بقوله: (واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا) مريم - 55، فليس ذلك إلا أن الميزان الذي وزن به هذا العمل غير الميزان الذي بيد العقل العادي، فللعقل العادي تربية بتدبيره ولله سبحانه تربية لاوليائه بتأييده، وكلمة الله هي العليا، ونظائر هذه القضية كثيرة مروية منقولة عن النبي والائمة والاولياء.

فان قلت: كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل.

قلت: أما حكم العقل فيما له إليه سبيل ففي محله، لكنه يحتاج إلى موضوع يقع عليه حكمه، وقد عرفت في ما تقدم أن أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث الذي ذكرناه لا تبقى للعقل موضوعا يحكم فيه وعليه، وهذا سبيل المعارف اللاهية والظاهر أن إسمعيل النبي (عليه السلام) كان أطلق القول بوعد بأن قال: أنتظرك ههنا حتى تعود إلى ثم التزم على إطلاق قوله صونا لنفسه عن نقض العهد والكذب في الوعد وحفظا لما القى الله في روعه وأجراه على لسانه، وقد روي نظيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنه كان عند المسجد الحرام فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه ووعدة النبي بانتظاره حتى يرجع فذهب في شأنه ولم يرجع، فانتظره النبي ثلثة أيام في مكانه الذي وعده حتى مر به الرجل بعد الثلثة، وهو جالس ينتظر والرجل قد نسي الوعد، الحديث.

 

/ صفحة 384 /

وفي الخصائص للسيد الرضي، عن إمير المؤمنين (عليه السلام) قال: - وقد سمع رجلا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون - يا هذا إن قولنا: إنا لله إقرار منا بالملك، وإنا إليه راجعون اقرار منا بالهلاك.

اقول: وقد اتضح معناه بما تقدم ورواه في الكافي مفصلا.

وفي الكافي: عن إسحق بن عمار وعبد الله بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال الله عز وجل: إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا فمن أقرضني فيها قرضا أعطيته بكل واحدة عشرا إلى سبعمأه ضعف، ومن لم يقرضني قرضا وأخذت منه شيئا قسرا أعطيته ثلث خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها عني، ثم قال أبو عبد الله: قول الله: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم، فهذه واحدة من ثلاث خصال، ورحمة اثنتان، وأولئك هم المهتدون ثلث، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا.

اقول: والرواية مروية لطرق أخرى متقاربة.

وفي المعاني عن الصادق (عليه السلام): الصلوة من الله رحمة، ومن الملائكة التزكية، ومن الناس دعاء.

اقول: وفي معناه عدة روايات أخر، وبين هذه الرواية وما تقدمها تناف ظاهرا حيث أن الرواية السابقة تعد الصلوة غير الرحمة، ويساعد عليه ظاهر قوله عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وهذه الرواية تعدها رحمة ويرتفع التنافى بالرجوع إلى ما تقدم من البيان.

إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم - 158.

 

/ صفحة 385 /

(بيان) الصفا والمروة موضعان بمكة يأتي الحجاج بينهما بعمل السعي، وهما جبلان مسافة بينهما سبعمأه وستون ذراعا ونصف ذراع على ما قيل، وأصل الصفا في اللغة الحجر الصلب الاملس، وأصل المروة الحجر الصلب، والشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة، ومنه المشعر، ومنه قولنا: أشعر الهدى، أي أعلمه، والحج هو القصد بعد القصد، أي القصد المكرر وهو في اصطلاح الشرع العمل المعهود بين المسلمين، والاعتمار الزيارة وأصله العمارة لان الديار تعمر بالزيارة، وهو في اصطلاح الشرع زيارة، البيت بالطريق المعهود، والجناح الميل عن الحق والعدل، ويراد به الاثم، فيؤل نفي الجناح إلى التجويز، والتطوف من الطواف، وهو الدوران حول الشئ، وهو السير الذي ينتهي آخره إلى أوله، ومنه يعلم أن ليس من اللازم كونه حول شئ وإنما ذلك من مصاديقه الظاهرة وعلى هذا المعنى أطلق التطوف في الآية فإن المراد به السعي وهو قطع ما بين الصفا والمروة من المسافة سبع مرات متوالية، والتطوع من الطوع بمعنى الطاعه، وقيل: إن التطوع يفارق الاطاعة في أنه يستعمل في المندوب خاصة، بخلاف الاطاعة ولعل ذلك - لو صح هذا القول - بعناية أن العمل الواجب لكونه إلزاميا كأنه ليس بمأتي به طوعا، بخلاف المأتي من المندوب فإنه على الطوع من غير شائبة، وهذا تلطف عنائي وإلا فأصل الطوع يقابل الكره ولا ينافي الامر الالزامي.

قال تعالى: (قال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها) فصلت - 11، وأصل باب التفعل الاخذ لنفسه، كقولنا: تميز أي أخذ، يميز وتعلم الشئ أي أخذ يعلمه، وتطوع خيرا أي أخذ يأتي بالخير بطوعه، فلا دليل من جهة اللغة على اختصاص التطوع بالامتثال الندبي إلا أن توجبه العناية العرفية المذكورة.

فقوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى قوله: يطوف بهما يشير إلى كون المكانين معلمين بعلامة الله سبحانه، يدلان بذلك عليه، ويذكر انه تعالى واختصاصهما بكونهما من الشعائر دون بقية الاشياء جميعا يدل على أن المراد بالشعائر ليست الشعائر التكوينية بل هما شعيرتان بجعله تعالى إياهما معبدين يعبد فيهما، فهما يذكر ان الله سبحانه، فكونهما شعيرتين يدل على أنه تعالى قد شرع فيهما عبادة

 

/ صفحة 386 /

متعلقة بهما، وتفريع قوله: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) إنما هو للايذان بأصل تشريع السعي بين الصفا والمروة، لا لافادة الندب، ولو كان المراد إفادة الندب كان الانسب بسياق الكلام أن يمدح التطوف لا أن ينفي ذمه، فإن حاصل المعنى أنه لما كان الصفا والمروة معبدين ومنسكين من معابد الله فلا يضركم أن تعبدوه فيهما، وهذا لسان التشريع، ولو كان المراد إفادة الندب كان الانسب أن يفاد أن الصفا والمروة، لما كانا من شعائر الله فإن الله يحب السعي بينهما - وهو ظاهر - والتعبير بأمثال هذا القول الذي لا يفيد وحده الالزام في مقام التشريع شائع في القرآن، وكقوله تعالى في الجهاد: (ذلكم خير لكم) الصف - 11، وفي الصوم (وأن تصوموا خير لكم) البقرة - 184، وفي القصر (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة) النساء - 101.

قوله تعالى: ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم، إن كان معطوفا على مدخول فاء التفريع في قوله تعالى: فمن حج البيت أو اعتمر، كان كالتعليل لتشريع التطوف بمعنى آخر أعم من العلة الخاصة التي تبين بقوله: إن الصفا والمروة، وكان المراد بالتطوع مطلق الاطاعة لا الاطاعة المندوبة، وإن كان استينافا بالعطف إلى اول الآية كان مسوقا لافادة محبوبية التطوف في نفسه ان كان المراد بتطوع الخير هو التطوف أو مسوقا لافادة محبوبية الحج والعمرة ان كان هما المراد بتطوع الخير هذا.

والشاكر والعليم اسمان من اسماء الله الحسنى، والشكر هو مقابلة من احسن إليه إحسان المحسن بإظهاره لسانا أو عملا كمن ينعم إليه المنعم بالمال فيجازيه بالثناء الجميل الدال على نعمته أو باستعمال المال في ما يرتضيه، ويكشف عن إنعامه، والله سبحانه وإن كان محسنا قديم الاحسان ومنه كل الاحسان لا يد لاحد عنده حتى يستوجبه الشكر إلا أنه جل ثنائه عد الاعمال الصالحة التي هي في الحقيقة إحسانه إلى عباده إحسانا من العبد إليه، فجازاه بالشكر والاحسان وهو إحسان على إحسان قال تعالى: (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) الرحمن - 60، وقال تعالى: (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) الدهر - 22، فإطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز.

(بحث روائي) في تفسير العياشي: عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام): سالتة: عن السعي

 

/ صفحة 387 /

بين صفا والمروة فريضة هي أم سنة؟ قال: فريضة، قلت: إليس الله يقول: فلا جناح عليه أن يطوف بهما؟ قال كان ذلك في عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله كان شرط عليهم أن يرفعوا الاصنام فتشاغل رجل من أصحابه حتى أعيدت الاصنام.

قال: فأنزل الله، إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، أي والاصنام عليها.

أقول: وعن الكافي ما يقرب منه.

وفي الكافي أيضا عن الصادق (عليه السلام): في حديث حج النبي (عليه السلام): بعد ما طاف بالبيت وصلى ركعتية قال: (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدا بما بدا الله عز وجل، وإن المسلمين كانويظنون أن السعي بين الصفا والمروة شئ صنعه المشركون فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما.

أقول: ولا تنافي بين الروايتين في شأن النزول، وهو ظاهر، وقوله (عليه السلام) في الرواية فأبدا بما بدا الله ملاك التشريع، وقد مضى في حديث هاجر وسعيها سبع مرات بين الصفا والمروة أن السنة جرت بذلك.

وفي الدر المنثور: عن عامر الشعبي قال: كان وثن بالصفا يدعى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ويمسحون الوثنين فلما قدم رسول الله (عليه السلام) قالوا: يا رسول الله إن الصفا والمروة انما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله: إن الصفا والمروة الآية فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأثبت المروة من جهة الصنم الذي كان عليه موثبا.

أقول: وقد روى الفريقان في المعاني السابقة روايات كثيرة.

ومقتضى جميع هذه الروايات أن الاية نزلت في تشريع السعي في سنة حج فيها المسلمون، وسورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة، ومن هنا يستنتج أن الآية غير متحدة السياق مع ما قبلها من آيات القبلة فانها نزلت في السنة الثانية من الهجرة

 

/ صفحة 388 /

كما تقدم، ومع الآيات التى في مفتتح السورة، فانها نزلت في السنة الاولى من الهجرة فللايات سياقات متعددة كثيرة، لا سياق واحد.

إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - 159.

إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم - 160.

إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - 161.

خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون - 162.

(بيان) قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، الظاهر - والله أعلم - أن المراد بالهدى ما تضمنه الدين الالهي من المعارف والاحكام الذي يهدي تابعيه إلى السعادة، وبالبينات الآيات والحجج التي هي بينات وأدلة وشواهد على الحق الذي هو الهدى، فالبينات في كلامه تعالى وصف خاص بالآيات النازلة، وعلى هذا يكون المراد بالكتمان - وهو الاخفاء - أعم من كتمان أصل الآية، وعدم إظهاره للناس، أو كتمان دلالته بألتاويل أو صرف الدلالة بالتوجيه، كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوة ذلك فما يجهله الناس لا يظهرونه لهم، وما يعلم به الناس يؤولونه بصرفه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

قوله تعالى: من بعد ما بيناه للناس، أفاد أن كتمانهم إنما هو بعد البيان والتبين للناس، لا لهم فقط، وذلك أن التبين لكل شخص شخص من أشخاص الناس أمر

 

/ صفحة 389 /

لا يحتمله النظام الموجود المعهود في هذا العالم، لا في الوحي فقط، بل في كل إعلام عمومي وتبيين مطلق، بل إنما يكون باتصال الخبر إلى بعض الناس من غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم، بتبليغ الحاضر الغائب والعالم الجاهل، فالعالم يعد من وسائط البلوغ وأدواته، كاللسان والكلام: فإذا بين الخبر للعالم المأخوذ عليه الميثاق بعلمه مع غيره من المشافهين فقد بين الناس، فكتمان العالم علمه هذا كتمان العلم عن الناس بعد البيان لهم وهو السبب الوحيد الذي عده الله سبحانه سببا لاختلاف الناس في الدين وتفرقهم في سبل الهداية والضلالة، وإلا فالدين فطري تقبله الفطرة وتخضع له القوة المميزة بعد ما بين لها، قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم - 30، فالدين فطري على الخلقة لا يدفعه الفطرة أبدا لو ظهر لها ظهورا ما بالصفاء من القلب، كما في الانبياء، أو ببيان قولي، ولا محالة ينتهي هذا الثاني إلى ذلك الاول فافهم ذلك.

ولذلك جمع في الآية بين كون الدين فطريا على الخلقة وبين عدم العلم به فقال: فطرة الله التي فطر الناس عليها، وقال: لكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال تعالى: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) البقرة - 213، فأفاد أن الاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب إنما هو ناش عن بغي العلماء الحاملين له، فالاختلافات الدينية والانحراف عن جادة الصواب معلول بغى العلماء بالاخفاء والتأويل والتحريف، وظلمهم، حتى أن الله عرف الظلم بذلك يوم القيمة كما قال: (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) الاعراف - 44، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

فقد تبين أن الآية مبتنية على الآية أعني، أن قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب الآية، مبتنية على قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغيا بينهم الآية، ومشيرة إلى جزاء هذا البغي بذيلها وهو قوله: أولئك يلعنهم الله إلخ.

 

/ صفحة 390 /

قوله تعالى: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، بيان لجزاء بغي الكاتمين لما أنزله الله من الآيات والهدى، وهو اللعن من الله، واللعن من كل لاعن، وقد كرر اللعن لان اللعن مختلف فإنه من الله التبعيد من الرحمة والسعادة ومن اللاعنين سؤاله من الله، وقد أطلق اللعن منه ومن اللاعنين وأطلق اللاعنين، وهو يدل على توجيه كل اللعن من كل لاعن إليهم والاعتبار يساعد عليه فإن الذي يقصده لاعن بلعنه هو البعد عن السعادة، ولا سعادة بحسب الحقيقة، إلا السعادة الحقيقية الدينية وهذه السعادة لما كانت مبينة من جانب الله، مقبولة عند الفطرة، فلا يحرم عنها محروم إلا بالرد والجحود، وكل هذا الحرمان إنما هو لمن علم بها وجحدها عن علم دون من لا يعلم بها ولم تبين له، وقد أخذ الميثاق على العلماء أن يبثوا علمهم وينشروا ما عندهم من الآيات والهدى، فإذا كتموه وكفوا عن بثه فقد جحدوه فأولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، ويشهد لما ذكرنا الآية الآتية: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار إلى قوله أجمعين الآية فإن الظاهر أن قوله: ان للتعليل أو لتأكيد مضمون هذه الآية، بتكرار ما هو في مضمونها ومعناها وهو قوله: الذين كفروا وماتوا وهم كفار.

قوله تعالى: إلا الذين تابوا وبينوا الآية، استثناء من الآية السابقة، والمراد بتقييد توبتهم بالتبين أن يتبين أمرهم ويتظاهروا بالتوبة، ولازم ذلك أن يبينوا ما كتموه للناس وأنهم كانوا كاتمين والا فلم يتوبوا بعد لانهم كاتمون بعد بكتمان أنهم كانوا كاتمين.

قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، كناية عن إصرارهم على كفرهم وعنادهم وتعنتهم في قبول الحق فإن من لا يدين بدين الحق لا لعناد واستكبار بل لعدم تبينه له ليس بكافر بحسب الحقيقة، بل مستضعف، أمره إلى الله، ويشهد بذلك تقييد كفر الكافرين في غالب الآيات والتكذيب وخاصة في آيات هبوط آدم المشتملة على أول تشريع شرع لنوع الانسان، قال تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى) - إلى قوله - (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة - 39، فالمراد بالذين كفروا في الآية هم المكذبون المعاندون - وهم الكاتمون لما أنزل الله - وجازاهم الله تعالى بقوله: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وهذا حكم من الله سبحانه أن يلحق بهم كل لعن لعن به ملك من الملائكة أو أحد من الناس جميعا من غير استثناء، فهؤلاء سبيلهم سبيل الشيطان،