/ صفحة 251 /
والارض، وذلك إن الانكار المتوهم في المقام أو الانكار الواقع من اليهود على ما نقل في شأن نزول الآية بالنسبة إلى معنى النسخ يتعلق به من وجهين: احدهما: من جهة أن الآية إذا كانت من عند الله تعالى كانت حافظة لمصلحة من المصالح الحقيقية لا تحفظها شئ دونها، فلو زالت الآية فاتت المصلحة ولن تقوم مقامها شئ تحفظ به تلك المصلحة، ويستدرك به ما فات منها من فائدة الخلقة ومصلحة العباد، وليس شأنه تعالى كشأن عباده ولا علمه كعلمهم بحيث يتغير بتغير العوامل الخارجية فيتعلق يوما علمه بمصلحة فيحكم بحكم ثم يتغير علمه غدا ويتعلق بمصلحة اخرى فاتت عنه بالامس، فيتغير الحكم، ويقضي ببطلان ما حكم سابقا، وإتيان آخر لاحقا، فيطلع كل يوم حكم، ويظهر لون بعد لون، كما هو شأن العباد غير المحيطين بجهات الصلاح في الاشياء، فكانت أحكامهم وأوضاعهم تتغير بتغير العلوم بالمصالح والمفاسد زيادة ونقيصة وحدوثا وبقاء، ومرجع هذا الوجه إلى نفي عموم القدرة وإطلاقها.
وثانيهما: أن القدرة وإن كانت مطلقة إلا أن تحقق الايجاد وفعلية الوجود يستحيل معه التغير، فان الشئ لا يتغير عما وقع عليه بالضرورة وهذا مثل الانسان في فعله الاختياري فان الفعل اختياري للانسان ما لم يصدر عنه فإذا صدر كان ضروري الثبوت غير اختياري له، ومرجع هذا الوجه إلى نفي اطلاق الملكية و عدم جواز بعض التصرفات بعد خروج الزمام ببعض آخر كما قالت اليهود: يد الله مغلولة: فاشار سبحانه إلى الجواب عن الاول بقوله: ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير أي فلا يعجز عن إقامة ما هو خير من الفائت أو إقامه ما هو مثل الفائت مقامه وأشار إلى الجواب عن الثاني بقوله: إلم تعلم أن الله له ملك السموات والارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير، أي إن ملك السموات والارض لله سبحانه فله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وليس لغيره شئ من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من ابواب تصرفه سبحانه، أو يكون مانعا دون تصرف من تصرفاته، فلا يملك شئ شيئا، لا ابتداء ولا بتمليكه تعالى، فان التمليك الذي يملكه غيره ليس كتمليك بعضنا بعضا شيئا بنحو يبطل ملك الاول ويحصل ملك الثاني، بل هو مالك
/ صفحة 252 /
في عين ما يملك غيره ما يملك، فإذا نظرنا إلى حقيقة الامر كان الملك المطلق والتصرف المطلق له وحده، وإذا نظرنا إلى ما ملكنا بملكه من دون استقلال كان هو الولي لنا وإذا نظرنا إلى ما تفضل علينا من ظاهر الاستقلال - وهو في الحقيقة فقر في صورة الغنى، وتبعية في صورة الاستقلال - لم يمكن لنا أيضا أن ندبر امورنا من دون إعانته ونصره، كان هو النصير لنا.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي يقتضيه الحصر الظاهر من قوله تعالى: (إن الله له ملك السموات والارض فقوله تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات والارض)، مرتب على ترتيب ما يتوهم من الاعتراضين، ومن الشاهد على كونهما اعتراضين إثنين الفصل بين الجملتين من غير وصل، وقوله تعالى: وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير، مشتمل على أمرين هما كالمتممين للجواب أي وإن لم تنظروا إلى ملكه المطلق بل نظرتم إلى ما عندكم من الملك الموهوب فحيث كان ملكا موهوبا من غير انفصال واستقلال فهو وحده وليكم، فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء من التصرف، وإن لم تنظروا إلى عدم إستقلالكم في الملك بل نظرتم إلى ظاهر ما عندكم من الملك والاستقلال وانجمدتم على ذلك فحسب، فإنكم ترون أن ما عندكم من القدرة والملك والاستقلال لا تتم وحدها، ولا تجعل مقاصدكم مطيعة لكم خاضعة لقصودكم وإرادتكم وحدها بل لا بد معها من إعانة الله ونصره فهو النصير لكم فله أن يتصرف من هذا الطريق فله سبحانه التصرف في أمركم من أي سبيل سلكتم هذا، وقوله: وما لكم من دون الله، جئ فيه بالظاهر موضع المضمر نظرا إلى كون الجملة بمنزلة المستقل من الكلام لتمامية الجواب دونه.
فقد ظهر مما مر: اولا، ان النسخ لا يختص بالاحكام الشرعية بل يعم التكوينيات أيضا.
وثانيا: ان النسخ لا يتحقق من غير طرفين ناسخ ومنسوخ.
وثالثا: ان الناسخ يشتمل على ما في المنسوخ من كمال أو مصلحة.
ورابعا: ان الناسخ ينافي المنسوخ بحسب صورته وإنما يرتفع التناقض بينهما من
/ صفحة 253 /
جهة إشتمال كليهما على المصلحة المشتركة فإذا توفى نبي وبعث نبى آخر وهما آيتان من آيات الله تعالى أحدهما ناسخ للآخر كان ذلك جريانا على ما يقتضيه ناموس الطبيعة من الحياة والموت والرزق والاجل وما يقتضيه اختلاف مصالح العباد بحسب إختلاف الاعصار وتكامل الافراد من الانسان، وإذا نسخ حكم ديني بحكم ديني كان الجميع مشتملا على مصلحة الدين وكل من الحكمين أطبق على مصلحت الوقت، أصلح لحال المؤمنين كحكم العفو في أول الدعوة وليس للمسلمين بعد عدة ولا عدة.
وحكم الجهاد بعد ذلك حينما قوي الاسلام وأعد فيهم ما استطاعوا من قوة وركز الرعب في قلوب الكفار والمشركين.
والآيات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إيماء وتلويح إلى النسخ كما في قوله تعالى: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) البقرة - 109، المنسوخ بأية القتال وقوله تعالى: (فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) النساء - 14، المنسوخ بأية الجلد فقوله: حتى يأتي الله بأمره وقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا) لا يخلو عن إشعار بأن الحكم موقت مؤجل سيلحقه نسخ.
وخامسا: أن النسبة التي بين الناسخ والمنسوخ غير النسبة التي بين العام والخاص وبين المطلق والمقيد وبين المجمل والمبين، فان الرافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ بعد استقراره بينهما بحسب الظهور اللفظي هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما، بخلاف الرافع للتنافي بين العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين فانه قوة الظهور اللفظي الموجود في الخاص والمقيد والمبين، المفسر للعام بالتخصيص، وللمطلق بالتقييد، وللمجمل بالتبيين على ما بين في فن أصول الفقة، وكذلك في المحكم والمتشابه على ما سيجئ في قوله: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران - 7.
قوله تعالى: أو ننسها، قرء بضم النون وكسر السين من الانساء بمعنى الا ذهاب عن العلم والذكر وقد مر توضيحه، وهو كلام مطلق أو عام غير مختص برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بل غير شامل له أصلا لقوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) الاعلى - 7، وهي آية مكية وآية النسخ مدنية فلا يجوز عليه النسيان بعد قوله تعالى:
/ صفحة 254 /
فلا تنسى وأما اشتماله على الاستثناء بقوله: إلا ما شاء الله فهو على حد الاستثناء الواقع في قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) هود - 109، جئ بها لاثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الامر، ولو كان الاستثناء مسوقا لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله: فلا تنسى معنى، إذ كل ذي ذكر وحفظ من الانسان وسائر الحيوان كذلك يذكر وينسى وذكره نسيانه كلاهما منه تعالى وبمشيته، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك قبل هذا الاقراء الامتناني الموعود بقوله: سنقرئك يذكر بمشية الله وينسى بمشية الله تعالى فليس معنى الاستثناء إلا إثبات إطلاق القدرة أي سنقرئك فلا تنسى ابدا والله مع ذلك قادر على إنسائك هذا.
وقرء قوله: ننسأها بفتح النون والهمزة من نسئ نسيئا إذا أخر تأخيرا فيكون المعنى على هذا: ما ننسخ من آية بأزالتها أو نؤخرها بتأخير إظهارها نأت بخير منها أو مثلها ولا يوجب التصرف الالهي بالتقديم والتأخير في آياته فوت كمال أو مصلحة والدليل على أن المراد بيان أن التصرف الالهة يكون دائما على الكمال والمصلحة هو قوله: بخير منها أو مثلها فأن الخيرية إنما يكون في كمال شئ موجود أو مصلحة حكم مجعول ففي ذلك يكون موجود مماثلا لآخر في الخيرية أو أزيد منه في ذلك فافهم.
(بحث روائي) قد تكاثرت روايات الفريقين عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعن أئمة أهل البيت (عليه السلام): ان في القرآن ناسخا ومنسوخا.
وفي تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام): بعد ذكر عدة آيات من الناسخ والمنسوخ قال (عليه السلام): ونسخ قوله تعالى: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون قوله: عز وجل ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم أي للرحمة خلقهم.
أقول: وفيها دلالة على أخذه (عليه السلام) النسخ في الآية أعم من النسخ الواقع في التشريع فالآية الثانية تثبت حقيقة توجب تحديد الحقيقة التي تثبتها الآية الاولى،
/ صفحة 255 /
وبعبارة واضحة: الآية الاولى تثبت للخلقة غاية وهي العبادة، والله سبحانه غير مغلوب في الغاية التي يريدها في فعل من أفعاله غير أنه سبحانه خلقهم على إمكان الاختلاف فلا يزالون مختلفين في الاهتداء والضلال فلا يزالون مختلفين إلا من أخذته العناية الالهية، وشملته رحمة الهداية ولذلك خلقهم أي ولهذه الرحمة خلقهم، فالآية الثانية تثبت للخلقة غاية، وهو الرحمة المقارنة للعبادة والاهتداء ولا يكون إلا في البعض دون الكل والآية الاولى كانت تثبت العبادة غاية للجميع فهذه العبادة جعلت غاية الجميع من جهة كون البعض مخلوقا لاجل البعض الاخر وهذا البعض أيضا لآخر حتى ينتهي إلى أهل العبادة وهم العابدون المخلوقون للعبادة فصح ان العبادة غاية للكل نظير بناء الحديقة وغرس الشجرة لثمرتها أو لمنافعها المالية فالآية الثانية تنسخ إطلاق الاية الاولى، وفي تفسير النعماني أيضا عنه (عليه السلام): قال: ونسخ قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) قوله: (الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها بعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما أشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الاكبر).
اقول: ليست الآيتان من قبيل العام والخاص لقوله تعالى: كان على ربك حتما مقضيا، والقضاء الحتم غير قابل الرفع ولا ممكن الابطال ويظهر معنى هذا النسخ مما سيجئ إنشاء الله في قوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون) الانبياء - 101.
وفي تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام): ان من النسخ البداء المشتمل عليه قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ونجاة قوم يونس.
اقول: والوجه فيه واضح.
وفي بعض الاخبار عن أئمة أهل البيت عد (عليه السلام) موت إمام وقيام إمام آخر مقامه من النسخ.
اقول: وقد مر بيانه، والاخبار في هذه المعاني كثيرة مستفيضة.
وفي الدر المنثورا خرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن
/ صفحة 256 /
قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة ثم ترفع فينسيها الله نبيه فقال الله: يقص على نبيه ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها، يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهى.
أقول: وروى فيه أيضا في معنى الانساء روايات عديدة وجميعها مطروحة بمخالفة الكتاب كما مر في بيان قوله: أو ننسها أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل - 108.
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير - 109.
وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير - 110.
وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - 111.
بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون - 112.
وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم
/ صفحة 257 /
يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون - 113.
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أؤلئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم - 114.
ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم - 115.
(بيان) قوله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم، سياق الآية يدل على أن بعض المسلمين - ممن آمن بالنبي - سئل النبي امورا على حد سؤال اليهود نبيهم موسى (عليه السلام) والله سبحانه وبخهم على ذلك في ضمن ما يوبخ اليهود بما فعلوا مع موسى والنبيين من بعده، والنقل يدل على ذلك.
قوله تعالى: سواء السبيل أي مستوى الطريق.
قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب، نقل أنه حي بن الاخطب وبعض من معه من متعصبي اليهود.
قوله تعالى: فاعفوا واصفحوا، قالوا: أنها آية منسوخة بآية القتال.
قوله تعالى: حتى يأتي الله بأمره، فيه كما مر إيماء إلى حكم سيشرعه الله تعالى في حقهم، ونظيره قوله تعالى: في الآية الآتية (أؤلئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، مع قوله تعالى: (إن المشركين نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) التوبة - 29، وسيأتي الكلام في معنى الامر في قوله تعالى: (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) أسرى - 85.
/ صفحة 258 /
قوله تعالى: وقالوا: لن يدخل الجنة، شروع في الحاق النصارى باليهود تصريحا وسوق الكلام في بيان جرائمهم معا.
قوله تعالى: بلى من أسلم وجهه لله، هذه كرة ثالثة عليهم في بيان أن السعادة
لا تدور مدار الاسم ولا كرامة لاحد على الله إلا بحقيقة الايمان والعبودية.
اوليها قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) البقرة - 62، وثانيتها، قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) البقرة - 81، وثالثتها، هذه الاية ويستفاد من تطبيق الآيات تفسير الايمان بإسلام الوجه إلى الله وتفسير الاحسان بالعمل الصالح.
قوله تعالى: وهم يتلون الكتاب، أي وهم يعملون بما أوتوا من كتاب الله لا ينبغي لهم أن يقولوا ذلك والكتاب يبين لهم الحق والدليل على ذلك قوله: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) فالمراد بالذين لا يعلمون غير أهل الكتاب من الكفار ومشركي العرب قالوا: إن المسلمين ليسوا على شئ أو أن اهل الكتاب ليسوا على شئ.
قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع، ظاهر السياق أن هؤلاء كفار مكة قبل الهجرة فإن هذه الايات نزلت في اوائل ورود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة.
قوله تعالى: أؤلئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، يدل على مضى الواقعة وإنقضائها لمكان قوله، كان، فينطبق على كفار قريش وفعالهم بمكة كما ورد به النقل أن المانعين كفار مكة، كانوا يمنعون المسلمين عن الصلوة في المسجد الحرام والمساجد التي اتخذوها بفناء الكعبة.
قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، المشرق والمغرب وكل جهة من الجهات حيث كانت فهي لله بحقيقة الملك التي لا تقبل التبدل والانتقال، لا كالملك الذي بيننا معاشر أهل الاجتماع، وحيث ان ملكه تعالى مستقر على ذات الشئ محيط بنفسه وأثره، لا كملكنا المستقر على أثر الاشياء ومنافعها، لا على ذاتها، والملك لا يقوم من جهة انه ملك إلا بمالكه فالله سبحانه قائم على هذه الجهات محيط
/ صفحة 259 /
بها وهو معها، فالمتوجه إلى شئ من الجهات متوجه إليه تعالى.
ولما كان المشرق والمغرب جهتين إضافيتين شملتا ساير الجهات تقريبا إذ لا يبقى خارجا منهما إلا نقطتا الجنوب والشمال الحقيقتان ولذلك لم يقيد إطلاق قوله فأينما، بهما بأن يقال: أينما تولوا منهما فكأن الانسان أينما ولى وجهه فهناك إما مشرق أو مغرب، فقوله: ولله المشرق والمغرب بمنزلة قولنا: ولله الجهات جميعا وإنما اخذ بهما لان الجهات التي يقصدها الانسان بوجهه إنما تتعين بشروق الشمس وغروبها وسائر الاجرام العلوية المنيرة.
قوله تعالى: فثم وجه الله، فيه وضع علة الحكم في الجزاء موضع الجزاء، والتقدير - والله أعلم - فأينما تولوا جاز لكم ذلك فإن وجه الله هناك ويدل على هذا التقدير تعليل الحكم بقوله تعالى: إن الله واسع عليم، أي إن الله واسع الملك والاحاطة عليم بقصودكم أينما توجهت، لا كالواحد من الانسان أو سائر الخلق الجسماني لا يتوجه إليه إلا إذا كان في جهة خاصة، ولا أنه يعلم توجه القاصد إليه إلا من جهة خاصة كقدامه فقط، فالتوجه إلى كل جهة توجه إلى الله، معلوم له سبحانه.
واعلم أن هذا توسعة في القبلة من حيث الجهة لا من حيث المكان، والدليل عليه قوله: ولله المشرق والمغرب.
(بحث روائي) في التهذيب عن محمد بن الحصين قال: كتب إلى عبد صالح الرجل يصلي في يوم غيم في فلات من الارض ولا يعرف القبلة فيصلى حتى فرغ من صلوته بدت له الشمس فإذا هو صلى لغير القبلة يعتد بصلوته أم يعيدها؟ فكتب يعيد ما لم يفت الوقت، أو لم يعلم أن الله يقول: - وقوله الحق - فأينما تولوا فثم وجه الله.
وفي تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب إلخ، قال (عليه السلام): أنزل الله هذه الآية في التطوع خاصة فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم، وصلى رسول الله إيمائا على راحلته أينما توجهت به حين خرج إلى خيبر،
/ صفحة 260 /
وحين رجع من مكة، وجعل الكعبة خلف ظهره.
اقول: وروى العياشي أيضا قريبا من ذلك عن زرارة عن الصادق (عليه السلام)، وكذا القمى والشيخ عن أبي الحسن (عليه السلام)، وكذا الصدوق عن الصادق (عليه السلام).
وأعلم إنك إذا تصفحت أخبار أئمة أهل البيت حق التصفح، في موارد العام والخاص والمطلق والمقيد من القرآن وجدتها كثيرا ما تستفيد من العام حكما، ومن الخاص أعني العام مع المخصص حكما آخر، فمن العام مثلا الاستحباب كما هو الغالب ومن الخاص الوجوب، وكذلك الحال في الكراهة والحرمة، وعلى هذا القياس.
وهذا أحد اصول مفاتيح التفسير في الاخبار المنقولة عنهم، وعليه مدار جم غفير من أحاديثهم.
ومن هنا يمكنك أن تستخرج منها في المعارف القرآنية قاعدتين: احديهما: أن كل جملة وحدها، وهي مع كل قيد من قيودها تحكي عن حقيقة ثابتة من الحقائق أو حكم ثابت من الاحكام كقوله تعالى: (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) الانعام - 91، ففيه معان أربع: الاول: قل الله، والثاني: قل الله ثم ذرهم، والثالث: قل الله ثم ذرهم في خوضهم، والرابع: قل الله ثم ذرهم في خوضهم
يلعبون.
واعتبر نظير ذلك في كل ما يمكن.
والثانية: ان القصتين أو المعنيين إذا اشتركا في جملة أو نحوها، فهما راجعان إلى مرجع واحد.
وهذان سران تحتهما أسرار والله الهادي.
وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والارض كل له قانتون - 116.
بديع السموات والارض وإذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون - 117.
/ صفحة 261 /
(بيان) قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا يعطي السياق، أن المراد بالقائلين بهذه المقالة هم اليهود والنصارى: اقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فإن وجه الكلام مع أهل الكتاب، وإنما قال أهل الكتاب هذه الكلمة أعني قولهم: اتخذ الله ولدا أول ما قالوها تشريفا لانبيائهم كما قالوا: نحن أبناء الله وأحبائه ثم تلبست بلباس الجد والحقيقة فرد الله سبحانه عليهم في هاتين الآيتين فأضرب عن قولهم بقوله: بل له ما في السموات إلخ، ويشتمل على برهانين ينفي كل منهما الولادة وتحقق الولد منه سبحانه، فإن اتخاذ الولد هو أن يجزي موجود طبيعي بعض أجزاء وجوده، ويفصله عن نفسه فيصيره بتربية تدريجية فردا من نوعه مماثلا لنفسه، وهو سبحانه منزه عن المثل، بل كل شئ مما في السموات والارض مملوك له، قائم الذات به، قانت ذليل عند ذلة وجودية، فكيف يكون شئ من الاشياء ولدا له مماثلا نوعيا بالنسبه إليه؟ وهو سبحانه بديع السموات والارض، إنما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق، فلا يشبه شئ من خلقه خلقا سابقا، ولا يشبه فعله فعل غيره في التقليد والتشبيه ولا في التدريج، والتوصل بالاسباب إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق ولا تدريج، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتخاذ الولد؟ وتحققه يحتاج إلى تربية وتدريج، فقوله: له ما في السموات والارض كل له قانتون برهان تام، وقوله: بديع السموات والارض إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون برهان آخر تام، هذا.
ويستفاد من الآيتين: اولا: شمول حكم ا لعبادة لجميع المخلوقات مما في السموات والارض.
وثانيا: ان فعله تعالى غير تدريجي، ويستدرج من هنا، ان كل موجود تدريجي فله وجه غير تدريجي، به يصدر عنه تعالى كما قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) يس - 82، وقال تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر - 50، وتفصيل القول في هذه الحقيقة القرآنية، سيأتي إنشاء الله في ذيل قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا) يس - 82، فانتظر.
/ صفحة 262 /
قوله تعالى: سبحانه مصدر بمعنى التسبيح وهو لا يستعمل إلا مضافا وهو مفعول مطلق لفعل محذوف أي سبحته تسبيحا، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى الضمير المفعول وأقيم مقامه، وفي الكلمة تأديب إلهي بالتنزيه فيما يذكر فيه ما لا يليق بساحة قدسة تعالى و تقدس.
قوله تعالى: كل له قانتون، القنوت العبادة والتذلل.
قوله تعالى: بديع السموات، بداعة الشئ كونه لا يماثل غيره مما يعرف ويؤنس به.
قوله تعالى: فيكون، تفريع على قول كن وليس في مورد الجزاء حتى يجزم.
(بحث روائي) في الكافي والبصائر، عن سدير الصيرفي، قال: سمعت عمران بن أعين يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: بديع السموات والارض، فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان الله عز وجل ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله، فابتدع السموات والارضين ولم يكن قبلهن سموات ولا أرضون أما تسمع لقوله: وكان عرشه على الماء؟.
اقول: وفي الرواية إستفادة اخرى لطيفة، وهي ان المراد ان لا مراد بالماء في قوله تعالى: وكان عرشه على الماء غير المصداق الذي عندنا من الماء بدليل ان الخلقة مستوية على البداعة وكانت السلطنة الالهية قبل خلق هذه السموات والارض مستقرة مستوية على الماء فهو غير الماء وسيجئ تتمة الكلام في قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) هود - 7.
(بحث علمي وفلسفي) دل التجارب على افتراق كل موجودين في الشخصيات وان كانت متحدة في
/ صفحة 263 /
الكليات حتى الموجودان اللذان لا يميز الحس جهة الفرقة بينهما فالحس المسلح يدرك ذلك منهما، والبرهان الفلسفي أيضا يوجب ذلك، فإن المفروضين من الموجودين لو لم يتميز أحدهما عن الآخر بشئ خارج عن ذاته، كان سبب الكثرة المفروضة غير خارج من ذاتهما فيكون الذات صرفة غير مخلوطة، وصرف الشئ لا يتثنى ولا يتكرر، فكان ما هو المفروض كثيرا واحدا غير كثير هف.
فكل موجود مغاير الذات لموجود آخر، فكل موجود فهو بديع الوجود على غير مثال سابق ولا معهود، والله سبحانه هو المبتدع بديع السموات والارض.
وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون - 118.
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم - 119.
(بيان)
قوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون هم المشركون غير أهل الكتاب ويدل عليه المقابلة السابقة في قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى ليست اليهود على شئ، وهم يتلون الكتاب كذلك، قال الذين لا يعلمون مثل قولهم الآية، ففي تلك الآية ألحق أهل الكتاب في قولهم بالمشركين والكفار من العرب، وفي هذه الآية ألحق المشركين والكفار بهم، فقال: وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين من قبلهم - وهم أهل الكتاب واليهود من بينهم - حيث اقترحوا بمثل هذه الاقاويل على نبي الله موسى (عليه السلام)، فهم والكفار متشابهون في أفكارهم وآرائهم، يقول هؤلاء ما قاله أولئك وبالعكس،
/ صفحة 264 /
تشابهت قلوبهم.
قوله تعالى: قد بينا الايات لقوم يوقنون جواب عن قول الذين لا يعلمون إلخ، والمراد ان الايات التي يطالبون بها مأتية مبينة، ولكن لا ينتفع بها إلا قوم يوقنون بآيات الله، وأما هؤلاء الذين لا يعلمون، فقلوبهم محجوبة بحجاب الجهل، مؤفة بآفات العصبية والعناد، وما تغني الايات عن قوم لا يعلمون.
ومن هنا يظهر وجه توصيفهم بعدم العلم، ثم أيد ذلك بتوجيه الخطاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والاشعار بأنه مرسل من عند الله بالحق بشيرا ونذيرا، فلتطب به نفسه، وليعلم ان هؤلاء أصحاب الجحيم، مكتوب عليهم ذلك، لا مطمع في هدايتهم ونجاتهم.
قوله تعالى: ولا تسئل عن أصحاب الجحيم، يجري مجرى قوله: (ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) البقرة - 6.
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن إتبعت أهوائهم بعد الذي جائك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير - 120.
الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أؤلئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون - 121.
يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين - 122.
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون - 123.
/ صفحة 265 /
(بيان) قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصاري، رجوع إلى الطائفتين بعد الالتفات إلى غيرهم، وهو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها وتشتتها، فكأنه بعد هذه الخطابات والتوبيخات هم يرجع إلى رسوله ويقول له: هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بأرائهم، ثم أمره بالرد عليهم بقوله: قل ان هدى الله هو الهدى أي ان الاتباع إنما هو لغرض الهدى ولا هدى إلا هدى الله والحق الذي يجب أن يتبع وغيره - وهو ملتكم - ليس بالهدى، فهي أهوائكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها بإسم الملة، ففي قوله: قل ان هدى الله إلخ، جعل الهدى كناية عن القرآن النازل، ثم اضيف إلى الله فأفاد صحة الحصر في قوله: ان هدى الله هو الهدى على طريق قصرالقلب، وأفاد ذلك خلو ملتهم عن الهدى، وأفاد ذلك كونها أهوائا لهم، واستلزم ذلك كون ما عند النبي علما، وكون ما عندهم جهلا، واتسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جائك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا نصير، فانظر إلى ما في هذا الكلام من اصول البرهان العريقة، ووجوه البلاغة على إيجازه، وسلاسة البيان وصفائه.
قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر المفهوم من قوله: أولئك يؤمنون به جوابا للسؤال المقدر الذي يسوق الذهن إليه قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى إلخ، وهو انهم إذا لم يكن مطمع في إيمانهم، فمن ذا الذي يؤمن منهم؟ وهل توجيه الدعوة إليهم باطل لغو؟ فأجيب بأن الذين آتيناهم الكتاب والحال أنهم يتلونه حق تلاوته، أؤلئك يؤمنون بكتابهم فيؤمنون بك، أو ان أؤلئك يؤمنون بالكتاب، كتاب الله المنزل أيا ما كان، أو ان أؤلئك يؤمنون بالكتاب الذي هو القرآن.
و عليهذا: فالقصر في قوله: أؤلئك يؤمنون به قصر افراد والضمير في قوله: به على بعض التقادير لا يخلو عن استخدام.
والمراد بالذين اوتوا الكتاب قوم من اليهود والنصارى ليسوا متبعين للهوى من أهل
/ صفحة 266 /
الحق منهم، وبالكتاب التوراة والانجيل، وان كان المراد بهم المؤمنين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالكتاب القرآن، فالمعنى: ان الذين آتيناهم القرآن، وهم يتلونه حق تلاوته أؤلئك يؤمنون بالقرآن، لا هؤلاء المتبعون لاهوائهم، فالقصر حينئذ قصر قلب.
قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا، إلى آخر الآيتين ارجاع ختم الكلام إلى بدئه، وآخره إلى اوله، وعنده يختتم شطر من خطابات بني اسرائيل.
(بحث روائي) في إرشاد الديلمي عن الصادق (عليه السلام): في قوله: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، قال: يرتلون آياته ويتفقهون به ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سورة، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته.
وفي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام): في قول الله عز وجل: يتلونه حق تلاوته قال (عليه السلام) الوقوف عند الجنة والنار.
اقول: والمراد به التدبر.
وفي الكافي عنه (عليه السلام): في الآية قال (عليه السلام) هم الائمة.
أقول: وهو من باب الجرى والانطباق على المصداق الكامل.
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك
/ صفحة 267 /
للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين - 124.
(بيان) شروع بجمل من قصص إبراهيم (عليه السلام) وهو كالمقدمة والتوطئة لآيات تغيير القبلة وآيات أحكام الحج، وما معها من بيان حقيقة الدين الحنيف الاسلامي بمراتبها: من اصول المعارف، والاخلاق، والاحكام الفرعية الفقهية جملا، والآيات مشتملة على قصة اختصاصه تعالى أياه بالامامة وبنائه الكعبة ودعوته بالبعثة.
فقوله تعالى: وإذ إبتلى ابراهيم ربه إلخ، اشارة إلى قصة اعطائه الامامة وحبائه بها، والقصة إنما وقعت في أواخر عهد إبراهيم (عليه السلام) بعد كبره وتولد إسماعيل، وإسحق له وإسكانه إسماعيل وأمه بمكة، كما تنبه به بعضهم أيضا، والدليل على ذلك قوله (عليه السلام) على ما حكاه الله سبحانه بعد قوله تعالى له: إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي، فإنه (عليه السلام) قبل مجئ الملائكة ببشارة إسماعيل وإسحق، ما كان يعلم ولا يظن أن سيكون له ذرية من بعده حتى أنه بعد ما بشرته الملائكة بالاولاد خاطبهم بما ظاهره اليأس والقنوط كما قال تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال: إنا منكم وجلون، قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال أبشر تموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون؟ قالوا، بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين)، الحجر - 55، وكذلك زوجته على ما حكاه الله تعالى في قصة بشارته أيضا إذ قال تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت، فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب، قالت، يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله) رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) هود - 73، وكلامهما كما ترى يلوح منه آثار اليأس والقنوط ولذلك قابلته الملائكة بنوع كلام فيه تسليتهما وتطييب أنفسهما فما كان هو ولا أهله يعلم أن سيرزق ذرية، وقوله (عليه السلام): ومن ذريتي، بعد
/ صفحة 268 /
قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماما، قول من يعتقد لنفسه ذرية، وكيف يسع من له ادنى دربة بأدب الكلام وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربه الجليل أن يتفوه بما لا علم له به؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول: ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدى هذا المعنى فالقصة واقعة كما ذكرنا في أواخر عهد إبراهيم بعد البشارة.
على أن قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما، يدل على أن هذه الامامة الموهوبة إنما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات وليست هذه الا أنواع البلاء التي ابتلى عليه السلابها في حيوته، وقد نص القرآن على أن من أوضحها بلاء قضية ذبح إسماعيل قال تعالى: (قال يا بني اني أرى في المنام أني اذبحك، إلى ان قال: ان هذا لهو البلاء المبين) الصافات - 106.
والقضية انما وقعت في كبر إبراهيم، كما حكى الله تعالى عنه من قوله: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل، واسحق، ان ربي لسميع الدعاء) ابراهيم - 41.
ولنرجع إلى الفاظ الآية فقوله: واذ ابتلى ابراهيم ربه، الابتلاء والبلاء بمعنى واحد تقول: ابتليته وبلوته بكذا أي امتحنته واختبرته، إذا قدمت إليه أمرا أو أوقعته في حدث فاختبرته بذلك واستظهرت ما عنده من الصفات النفسانية الكامنة عنده كالاطاعة والشجاعة والسخاء والعفة والعلم والوفاء أو مقابلاتها، ولذلك لا يكون الابتلاء إلا بعمل فإن الفعل هو الذى يظهر به الصفات الكامنة من الانسان دون القول الذي يحتمل الصدق والكذب قال تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) ن - 17، وقال تعالى: (ان الله مبتليكم بنهر) البقرة - 249.
فتعلق الابتلاء، في الاية بالكلمات ان كان المراد بها الاقوال إنما هو من جهة تعلقها با لعمل وحكايتها عن العهود والاوامر المتعلقة بالفعل كقوله تعالى (وقولوا للناس حسنا) البقرة - 83، أي عاشروهم معاشرة جميلة وقوله:
/ صفحة 269 /
بكلمات فأتمهن، الكلمات وهي جمع كلمة وإن أطلقت في القرآن على العين الخارجي دون اللفظ والقول، كقوله تعالى: (وكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم) آل عمران - 45، إلا أن ذلك بعناية إطلاق القول كما قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران - 59.
وجميع ما نسب إليه تعالى من الكلمة في القرآن اريد بها القول كقوله تعالى (ولا مبدل لكلمات الله) الانعام - 34، وقوله: (لا تبديل لكلمات الله) يونس - 64، وقوله: (يحق الحق بكلماته) الانفال - 7، وقوله: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) يونس - 96، وقوله: (ولكن حقت كلمة العذاب) الزمر - 71، وقوله: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا إنهم أصحاب النار) المؤمن - 6، وقوله: (ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم) الشورى - 14، وقوله: (وكلمة الله هي العليا) التوبة - 41، وقوله: (قال فالحق، والحق اقول) ص - 84، وقوله: (إنما قولنا لشئ إذا اردناه أن نقول له كن فيكون) النحل - 40، فهذه ونظائرها أريد بها القول بعناية أن القول توجيه ما يريد المتكلم إعلامه المخاطب ما عنده كما في الاخبار أو لغرض تحميله عليه كما في الانشاء ولذلك ربما تتصف في كلامه تعالى بالتمام كقوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته) الانعام - 115، وقوله تعالى: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل) الاعراف - 136 كأن الكلمة إذا صدرت عن قائلها فهي ناقصة بعد، لم تتم، حتى تلبس لباس العمل وتعود صدقا.
وهذا لا ينافي كون قوله تعالى فعله، فإن الحقائق الواقعية لها حكم، وللعنايات الكلامية اللفظية حكم آخر، فما يريد الله سبحانه إظهاره لواحد من أنبيائه، أو غيرهم بعد خفائه، أو يريد تحميله على أحد قول وكلام له لاشتماله على غرض القول والكلام وتضمنه غاية الخبر والنبأ، والامر والنهي، وإطلاق القول والكلمة على مثل ذلك شائع في الاستعمال إذا اشتمل على ما يؤديه القول والكلمة، تقول: لافعلن كذا وكذا، لقول قلته وكلمة قدمتها، ولم
/ صفحة 270 /
تقل قولا، ولا قدمت كلمة، وإنما عزمت عزيمة لا تنقضها شفاعة شفيع أو وهن إرادة، ومنه قول عنترة: وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدى أو تستريحي.
يريد بالقول توطين نفسه على الثبات والعزم، على لزومها مكانها لتفوز بالحمد إن قتل، وبالاستراحة إغلب.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أن المراد بقوله تعالى.
بكلمات، قضايا ابتلى بها وعهود إلهية اريدت منه، كابتلائه بالكواكب والاصنام، والنار والهجرة وتضحيته بابنه وغير ذلك ولم يبين في الكلام ما هي الكلمات لان الغرض غير متعلق بذلك، نعم قوله: قال إني جاعلك للناس إماما، من حيث ترتبه على الكلمات تدل على انها كانت أمورا تثبت بها لياقته، (عليه السلام) لمقام الامامة.
فهذه هي الكلمات وأما إتمامهن فإن كان الضمير في قوله تعالى: أتمهن راجعا إلى إبراهيم كان معنى إتمامهن إتيانه (عليه السلام) ما أريد منه، وامتثاله لما أمر به، وإن كان الضمير راجعا إليه تعالى كما هو الظاهر كان المراد توفيقه لما اريد منه، ومساعدته على ذلك، وأما ما ذكره بعضهم: أن المراد بالكلمات قوله تعالى: قال إني جاعلك للناس إماما، إلى آخر الآيات فمعنى لا ينبغي الركون إليه إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكلمات على جمل الكلام.
قوله تعالى: إني جاعلك للناس اماما، أي مقتدى يقتدى بك الناس، وتبعونك في أقوالك وأفعالك، فالامام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس، ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد به النبوة، لان النبي يقتدي به امته في دينهم، قال تعالى: (وما ارسلنا من رسول، الا ليطاع بإذن الله) النساء - 63، لكنه في غاية السقوط.
اما اولا: فلان قوله: إماما، مفعول ثان لعامله الذي هو قوله: جاعلك واسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، وانما يعمل إذا كان
/ صفحة 271 /
بمعنى الحال أو الاستقبال فقوله، إني جاعلك للناس إماما، وعدله (عليه السلام) بالامامة في ما سيأتي، مع أنه وحي لا يكون إلا مع نبوة، فقد كان (ع) نبيا قبل تقلده الامامة فليست الامامة في الآية بمعنى النبوة (ذكره بعض المفسرين).
واما ثانيا: فلانا بينا في صدر الكلام: أن قصة الامامة، إنما كانت في أواخر عهد إبراهيم (عليه السلام) بعد مجئ البشارة له بإسحق وإسماعيل، وإنما جائت الملائكة بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط وإهلاكهم، وقد كان إبراهيم حينئذ نبيا مرسلا، فقد كان نبيا قبل أن يكون إماما، فإمامته غير نبوته.
ومنشأ هذا التفسير وما يشابهه الابتذال الطاري على معاني الالفاظ الواقعة في القرآن الشريف في أنظار الناس من تكرر الاستعمال بمرور الزمن ومن جملة تلك الالفاظ لفظ الامامة، ففسره قوم: بالنبوة والتقدم والمطاعية مطلقا، وفسره آخرون بمعنى الخلافة أو الوصاية، أو الرئاسة في امور الدين والدنيا - وكل ذلك لم يكن – فإن النبوة معناها: تحمل النبأ من جانب الله، والرسالة معناها تحمل التبليغ، والمطاعية والاطاعة قبول الانسان ما يراه أو يأمره غيره وهو من لوازم النبوة والرسالة، والخلافة نحو من النيابة، وكذلك والوصاية، والرئاسة نحو من المطاعية وهو مصدرية الحكم في الاجتماع وكل هذه المعاني غير معنى الامامة التي هي كون الانسان بحيث يقتدى به غيره بأن يطبق أفعاله وأقواله على أفعاله وأقواله بنحو التبعية، ولا معنى لان يقال لنبي من الانبياء مفترض الطاعة إني جاعلك للناس نبيا، أو مطاعا فيما تبلغه بنبوتك، أو رئيسا تأمر وتنهى في الدين، أو وصيا، أو خليفة في الارض تقضي بين الناس في مرافعاتهم بحكم الله.
وليست الامامة تخالف الكلمات السابقة وتختص بموردها بمجرد العناية اللفظية فقط، إذ لا يصح أن يقال لنبي - من لوازم نبوته كونه مطاعا بعد نبوته - إني جاعلك مطاعا للناس بعد ما جعلتك كذلك، ولا يصح ان يقال له ما يؤل إليه معناه وان اختلف بمجرد عناية لفظية، فإن المحذور هو المحذور، وهذه المواهب الالهية ليست مقصورة على مجرد المفاهيم اللفظية، بل دونها حقائق من المعارف
/ صفحة 272 /
الحقيقية، فلمعنى الامامة حقيقة وراء هذه الحقائق.
والذي نجده في كلامه تعالى: إنه كلما تعرض لمعنى الامامة تعرض معها للهداية تعرض التفسير، قال تعالى في قصص إبراهيم (عليه السلام): (ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) الانبياء - 73، وقال سبحانه: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة - 24، فوصفها بالهداية وصف تعريف، ثم قيدها بالامر، فبين أن الامامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله، وهذا الامر هو الذي بين حقيقته في قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) يس - 83، وقوله: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر - 50، وسنبين في الايتين ان الامر الالهي وهو الذي تسميه الاية المذكورة بالملكوت وجه آخر للخلق، يواجهون به الله سبحانه، طاهر مطهر من قيود الزمان والمكان، خال من التغير والتبدل وهو المراد بكلمة - كن الذي ليس إلا وجود الشئ العيني، وهو قبال الخلق الذي هو وجه آخر من وجهي الاشياء فيه التغير والتدريج والانطباق على قوانين الحركة والزمان، وليكن هذا عندك على إجماله حتى يأتيك تفصيله إنشاء الله العزيز.
وبالجملة فالامام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالامامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إرائة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ابراهيم - 4، وقال تعالى: في مؤمن آل فرعون وقال الذي آمن يا قوم اتبعون اهدكم سبيل الرشاد) مؤمن - 38، وقال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة - 122، وسيتضح لك هذا المعنى مزيد اتضاح.
ثم انه تعالى بين سبب موهبة الامامة بقوله: (لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
/ صفحة 273 /
الاية) فبين ان الملاك في ذلك صبرهم في جنب الله - وقد أطلق الصبر - فهو في كل ما يبتلي ويمتحن به عبد في عبوديته، وكونهم قبل ذلك موقنين، وقد ذكر في جملة قصص إبراهيم (عليه السلام) قوله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين) الانعام - 75، والآية كما ترى تعطي بظاهرها: أن إرائة الملكوت لابراهيم كانت مقدمة لافاضة اليقين عليه، ويتبين به أن اليقين لا ينفك عن مشاهدة الملكوت كما هو ظاهر قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) التكاثر - 6 وقوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - إلى أن قال - كلا إن كتاب الابرار لفي عليين، وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون) المطففين - 21، وهذه الآيات تدل على ان المقربين هم الذين لا يحجبون عن ربهم بحجاب قلبي وهو المعصية والجهل والريب والشك، فهم أهل اليقين بالله، وهم يشهدون عليين كما يشهدون الجحيم.
وبالجملة فالامام يجب أن يكون إنسانا ذايقين مكشوفا له عالم الملكوت - متحققا بكلمات من الله سبحانه - وقد مر أن الملكوت هو الامر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم، فقوله تعالى: يهدون بأمرنا، يدل دلالة واضحة على أن كل ما يتعلق به أمر الهداية - وهو القلوب والاعمال - فللامام باطنه وحقيقتة، ووجهه الامري حاضر عنده غير غائب عنه، ومن المعلوم أن القلوب والاعمال كسائر الاشياء في كونها ذات وجهين، فالامام يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد، خيرها وشرها، وهو المهيمن على السبيلين جميعا، سبيل السعادة وسبيل الشقاوة.
وقال تعالى أيضا: (يوم ندعوا كل اناس بإمامهم) الاسراء - 71، وسيجئ تفسيره بالامام الحق دون كتاب الاعمال، على ما يظن من ظاهرها، فالامام هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما أنه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحيوة الدنيا وباطنها، والآية مع ذلك تفيد أن الامام لا يخلو عنه زمان من الازمنة، وعصر من الاعصار، لمكان قوله تعالى كل اناس، على ما سيجئ في تفسير الآية من تقريبه.
ثم إن هذا المعنى أعني الامامة، على شرافته وعظمته، لا يقوم إلا بمن كان سعيد الذات بنفسه، إذ الذي ربما تلبس ذاته بالظلم والشقاء، فإنما سعادته بهداية من غيره، وقد قال الله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي)
/ صفحة 274 /
يونس - 35.
وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره، أعني المهتدي بغيره، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحق مهتديا بنفسه، أن المهتدي بغيره لا يكون هاديا إلى الحق البتة.
ويستنتج من هنا أمران: أحدهما: أن الامام يجب أن يكون معصوما عن الضلال و المعصية، والا كان غير مهتد بنفسه، كما مر كما، يدل عليه أيضا قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة، وإيتاء الزكوة وكانوا لنا عابدين) الانبياء - 73 فأفعال الامام خيرات يهتدى إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي، وتسديد رباني والدليل عليه قوله تعالى: (فعل الخيرات) بناء على أن المصدر المضاف يدل على الوقوع، ففرق بين مثل قولنا: وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات فلا يدل على التحقق والوقوع، بخلاف قوله (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) فهو يدل على أن ما فعلوه من الخيرات إنما هو بوحى باطني وتأييد سماوي.
الثاني: عكس الامر الاول وهو أن من ليس بمعصوم فلا يكون اماما هاديا إلى الحق البتة.
وبهذا البيان يظهر: ان المراد بالظالمين في قوله تعالى، (قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) مطلق من صدر عنه ظلم ما، من شرك أو معصية، وان كان منه في برهة من عمره، ثم تاب وصلح.
وقد سئل بعض أساتيذنا رحمة الله عليه: عن تقريب دلالة على عصمة الامام.
فأجاب: أن الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: من كان ظالما في جميع عمره، ومن لم يكن ظالما في جميع عمره، ومن هو ظالم في أول عمره دون آخره، ومن هو بالعكس هذا.
وإبراهيم (عليه السلام) أجل شأنا من أن يسئل الامامة للقسم الاول والرابع من ذريته، فبقي قسمان وقد نفى الله أحدهما، وهو الذي يكون ظالما في أول عمره دون آخره، فبقي الآخر، وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره إنتهى وقد ظهر مما تقدم من البيان أمور: الاول: أن الامامة لمجعولة.
الثاني: أن الامام يجب أن يكون معصوما بعصمة إلهية.
/ صفحة 275 /
الثالث: أن الارض وفيه الناس، لا تخلو عن إمام حق.
الرابع: أن الامام يجب أن يكون مؤيدا من عند الله تعالى.
الخامس: أن أعمال العباد غير محجوبة عن علم الامام.
السادس: أنه يجب أن يكون عالما بجميع ما يحتاج إليه الناس في امور معاشهم ومعادهم.
السابع: أنه يستحيل أن يوجد فيهم من يفوقه في فضائل النفس.
فهذه سبعة مسائل هي امهات مسائل الامامة، تعطيها الآية الشريفة بما ينضم إليها من الآيات والله الهادي.
فان قلت: لو كانت الامامة هي الهداية بأمر الله تعالى، وهي الهداية إلى الحق الملازم مع الاهتداء بالذات كما استفيد من قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق إحق أن يتبع الآية) كان جميع الانبياء أئمة قطعا، لوضوح أن نبوة النبي لا يتم إلا باهتداء من جانب الله تعالى بالوحى، من غير أن يكون مكتسبا من الغير، بتعليم أو إرشاد ونحوهما، حينئذ فموهبة النبوة تستلزم موهبة الامامة، وعاد الاشكال إلى أنفسكم.
قلت: الذي يتحصل من البيان السابق المستفاد من الآية أن الهداية بالحق وهي الامامة تستلزم الاهتداء بالحق، وأما العكس وهو أن يكون كل من اهتدى بالحق هاديا لغيره بالحق، حتى يكون كل نبي لاهتدائه بالذات إماما، فلم يتبين بعد، وقد ذكر سبحانه هذا الاهتداء بالحق، من غير أن يقرنه بهداية الغير بالحق في قوله تعالى: (ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين.
وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين.
ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم.
ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون.
أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين.
اؤلئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده) الانعام - 90، وسياق الآيات كما ترى يعطي أن هذه الهداية أمر ليس من شأنه أن يتغير ويتخلف، وأن هذه الهداية لن ترتفع بعد رسول الله عن أمته، بل عن ذرية إبراهيم منهم خاصة، كما يدل
/ صفحة 276 /
عليه قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فانه سيهدين.
وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) الزخرف - 28، فأعلم قومه ببرائته في الحال وأخبرهم بهدايته في المستقبل، وهي الهداية بأمر الله حقا، لا الهداية التي يعطيها النظر والاعتبار، فإنها كانت حاصلة مدلولا عليها بقوله: إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني، ثم أخبر الله: أنه جعل هذه الهداية كلمة باقية في عقب إبراهيم، وهذا أحد الموارد التي أطلق القرآن الكلمة فيها على الامر الخارجي دون القول، كقوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها) الفتح - 26.
وقد تبين بما ذكر: أن الامامة في ولد إبراهيم بعده، وفي قوله تعالى: (قال ومن ذريتي.
قال لا ينال عهدي الظالمين) إشاره إلى ذلك، فإن إبراهيم (عليه السلام) إنما كان سئل الامامة لبعض ذريته لا لجميعهم، فاجيب: بنفيها عن الظالمين من ولده، وليس جميع ولده ظالمين بالضرورة حتى يكون نفيها عن الظالمين نفيا لها عن الجميع، ففيه إجابة لما سئله مع بيان أنها عهد، وعهده تعالى لا ينال الظالمين.
قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، في التعبير إشارة إلى غاية بعد الظالمين عن ساحة العهد الالهي، فهي من الاستعارة بالكناية.
(بحث روائي) في الكافي عن الصادق (عليه السلام): إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما، فلما جمع له الاشياء قال: (إني جاعلك للناس إماما) قال (عليه السلام): فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال: لا يكون السفيه إمام التقي.
أقول: وروي هذا المعنى أيضا عنه بطريق آخر وعن الباقر (عليه السلام) بطريق آخر، ورواه المفيد عن الصادق (عليه السلام).
/ صفحة 277 /
قوله: إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، يستفاد ذلك من قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين - إلى قوله - من الشاهدين) الانبياء - 56، وهو اتخاذ بالعبودية في أول أمر إبراهيم.
واعلم ان اتخاذه تعالى أحدا من الناس عبدا غير كونه في نفسه عبدا، فإن العبدية من الوازم الايجاد والخلقة، لا ينفك عن مخلوق ذي فهم وشعور، ولا يقبل الجعل والاتخاذ وهو كون الانسان مثلا مملوك الوجود لربه، مخلوقا مصنوعا له، سواء جرى في حيوته على ما يستدعيه مملوكيته الذاتية، واستسلم لربوبية ربه العزيز، أو لم يجر على ذلك، قال تعالى: (إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا) مريم - 94، وإن كان إذا لم يجر على رسوم العبودية وسنن الرقية استكبارا في الارض وعتوا كان من الحري أن لا يسمى عبدا بالنظر إلى الغايات، فإن العبد هو الذي أسلم وجه لربه، وأعطاه تدبير نفسه، فينبغي أن لا يسمى بالعبد إلا من كان عبدا في نفسه وعبدا في عمله، فهو العبد حقيقة، قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا) الفرقان - 63.
وعلي هذا فاتخاذه تعالى إنسانا عبدا - وهو قبول كونه عبدا والاقبال عليه بالربوبية - هو الولاية وهو تولي أمره كما يتولى الرب أمر عبده، والعبودية مفتاح للولاية، كما يدل عليه قوله تعالى: (قل إن وليي الله الذي نزل الكتاب بالحق، وهو يتولى الصالحين) الاعراف - 196، أي اللائقين للولاية، فأنه تعالى سمى النبي في آيات من كتابه بالعبد، قال تعالى: (الذي أنزل على عبده الكتاب) الكهف - 1، وقال تعالى: (ينزل على عبده آيات بينات) الحديد - 9، وقال تعالى: (قام عبد الله يدعوه) الجن - 19، فقد ظهر أن الاتخاذ للعبودية هو الولاية.
وقوله (عليه السلام): وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، الفرق بين النبي الرسول على ما يظهر من الروايات المروية عن أئمة أهل البيت: أن النبي هو الذي يرى في المنام ما يوحي به إليه، والرسول هو الذي يشاهد الملك فيكلمة، والذي يظهر من قصص إبراهيم هو هذا الترتيب، قال تعالى: (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا، إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا) مريم - 42، فظاهر الآية أنه (عليه السلام) كان صديقا نبيا حين يخاطب أباه بذلك، فيكون هذا تصديقا لما أخبر به ابراهيم (عليه السلام) في أول وروده على قومه: (انني
/ صفحة 278 /
براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فانه سيهدين) الزخرف - 27، وقال تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام) هود - 69، والقصة - وهي تتضمن مشاهدة الملك وتكليمه - واقعة في حال كبر إبراهيم (عليه السلام) بعد مفارق أباه وقومه.
وقوله (عليه السلام): إن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، يستفاد ذلك من قوله تعالى: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا) النساء - 125، فإن ظاهره انه إنما اتخذه خليلا لهذه الملة الحنيفية التي شرعها بأمر ربه إذ المقام مقام بيان شرف ملة إبراهيم الحنيف التي تشرف بسببها إبراهيم (عليه السلام) بالخلة والخليل أخص من الصديق فإن أحد المتحابين يسمى صديقا إذا صدق في معاشرته ومصاحبته ثم يصير خليلا إذا قصر حوائجه على صديقه، والخلة الفقر والحاجة.
وقوله (عليه السلام): وان الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه اماما، الخ يظهر معناه مما تقدم من البيان.
وقوله: قال لا يكون السفيه امام التقى اشارة إلى قوله تعالى، (ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) البقره - 131، فقد سمى الله سبحانه الرغبة عن ملة ابراهيم وهو الظلم سفها، وقابلها بالاصطفاء، وفصر الاصطفاء بالاسلام، كما يظهر بالتدبر في قوله: (إذ قال له ربه أسلم) ثم جعل الاسلام والتقوى واحدا أو في مجرى واحد في قوله: (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون) آل عمران - 102، فافهم ذلك.
وعن المفيد عن درست وهشام عنهم (ع) قال: قد كان ابراهيم نبيا وليس بإمام، حتى قال الله تبارك وتعالى: (اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي) فقال الله تبارك وتعالى: لا ينهال عهدي الظالمين، من عببد صنما أو وثنا أو مثالا، لا يكون اماما.
أقول: وقد ظهر معناه مما مر.
وفي أمالي الشيخ مسندا، وعن مناقب ابن المغازلي مرغوعا عن ابن مسعود عن
/ صفحة 279 /
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية عن قول الله لابراهيم: من سجد لصنم دوني لا أجعله اماما.
قال (ع) وانتهت الدعوة إلى والى أخي علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط.
وفي الدر المنثور: أخرج وكيع وابن مردويه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن الني في قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا طاعة الا في المعروف.
وفي الدر اللمنثور أيضا: أخرج عبد بن حميد عن عمران بن حصين سمعت النبي يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
أقول: معانيها ظاهرة مما مر.
وفي تفسير العياشي، بأسانيد عن صفوان الجمال قال: كنا بمكة فجرى الحديث في قول الله: (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال: فأتمهن بمحمد وعلي والائمة من ولد علي في قول الله: (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).
اقول: والرواية مبنية على كون المراد بالكلمة الامامة كما فسرت بها في قوله تعالى: (فإنه سيهدين فجعلها كلمة باقية في عقبه الآية) فيكون معنى الاية: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات، هن امامته، وامامة اسحق وذريته، واتمهن بإمامة محمد، والائمة من أهل بيته من ولد اسمعيل ثم بين الامر بقوله: قال إني جاعلك للناس اماما إلى آخر الآية.
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود - 125.
وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن
/ صفحة 280 /
منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير - 126.
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم - 127.
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم - 128.
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم - 129.
(بيان) قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، إشارة إلى تشريع الحج والامن في البيت، والمثابة هي المرجع، من ثاب يثوب إذا رجع.
قوله تعالى: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى كإنه عطف على قوله: جعلنا البيت مثابة، بحسب المعنى، فأن قوله: جعلنا البيت مثابة، لما كان إشارة إلى التشريع كان المعنى وإذ قلنا للناس ثوبوا إلى البيت وحجوا إليه، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي وربما قيل إن الكلام على تقدير القول، والتقدير: وقلنا اتخذوا من مقام ابراهيم مصلى، والمصلى اسم مكان من الصلوة بمعنى الدعاء أي اتخذوا من مقامه (عليه السلام) مكانا للدعاء والظاهر ان قوله: جعلنا البيت مثابة إلخ بمنزلة التوطئة اشير به إلى مناط تشريع الصلوة ولذا لم يقل: وصلوا، في مقام ابراهيم، بل قال: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى، فلم يعلق الامر بالصلوة في المقام، بل علق على اتخاذ المصلى منه.
/ صفحة 281 /
قوله تعالى: وعهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا، العهد هو الامر والتطهير إما تخليص البيت لعبادة الطائفين، والعاكفين، والمصلين، ونسكهم فيكون من الاستعارة بالكناية، وأصل المعنى: أن خلصا بيتي لعبادة العباد، وذلك تطهير وإما تنظيفه من الاقذار والكثافات الطارئة من عدم مبالات الناس، والركع السجود جمعا راكع وساجد وكان المراد به المصلون.
قوله تعالى: وإذ قال ابراهيم رب اجعل، هذا دعاء دعا به ابراهيم يسئل به الامن على أهل مكة والرزق وقد اجيبت دعوته، وحاشا لله سبحانه أن ينقل في كلامه دعاء لا يستجيبه ولا يرده في كلامه الحق فيشتمل كلامه على هجاء لغو لغى به لاغ جاهل، وقد قال تعالى: (والحق أقول) ص - 84، وقال تعالى: (إنه لقول فصل وما هو بالهزل) الطارق - 14.
وقد نقل القرآن العظيم عن هذا النبي الكريم دعوات كثيرة دعابها، وسئلها ربه كدعائه لنفسه في بادئ أمره، ودعائه عند مهاجرته إلى سورية ودعائه ومسئلته بقاء الذكر الخير، ودعائه لنفسه وذريته ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، ودعائه لاهل مكة بعد بناء البيت، ودعائه ومسئلته بعثة النبي من ذريته، ومن دعواته ومسائله التي تجسم آماله وتشخص مجاهداته ومساعيه في جنب الله وفضائل نفسه المقدسة، وبالجملة تعرف موقعه وزلفاه من الله عز اسمه، وسائر قصصه وما مدحه به ربه، يستنبط شرح حيوته الشريفة وسنتعرض للميسور من ذلك في سورة الانعام.
قوله تعالى: من آمن منهم، لما سئل (عليه السلام) لبلد مكة الامن، ثم سئل لاهلة أن يرزقوا من الثمرات، استشعر: أن الاهل سيكون منهم مؤمنون، وكافرون ودعائه للاهل بالرزق يعم الكافر والمؤمن، وقد تبرا من الكافرين وما يعبدونه، قال تعالى (فلما تبين أنه عدو لله تبرء منه) التوبة - 114، فشهد تعالى له: بالبرائة والتبري عن كل عدو لله، حتى أبيه، ولذلك لما استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أن رزقهم من الثمرات لا يتم من دون شركة الكافرين، على ما يحكم به ناموس الحيوة الدنيوية الاجتماعية - غير أنه خص مسئلته - والله أعلم - بما يحكم لسائر عباده، ويريد في حقهم، فاجيب (ع) بما يشمل المؤمن والكافر، وفيه
/ صفحة 282 /
بيان أن المستجاب من دعوته ما يجري على حكم العادة وقانون الطبيعة من غير خرق للعادة، وإبطال لظاهر حكم الطبيعة، ولم يقل: وارزق من آمن من أهلة من الثمرات لان المطلوب استيهاب الكرامة للبلد لكرامة البيت المحرم، ولا ثمرة تحصل في واد غير ذي زرع، وقع فيه البيت، ولو لا ذلك لم يعمر البلد، ولا وجد أهلا يسكنونه.
قوله تعالى: ومن كفر فامتعه قليلا، قرء فامتعه من باب الافعال والتفعيل والامتاع والتمتيع بمعنى واحد.
قوله تعالى: ثم اضطره إلى عذاب النار الخ، فيه إشارة إلى مزيد اكرام البيت وتطييب لنفس ابراهيم (ع)، كأنه قيل: ما سئلته من اكرام البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد استجبته وزيادة، ولا يغتر الكافر بذلك أن له كرامة على الله، وانما ذلك اكرام لهذا البلد، واجابة لدعوتك بأزيد مما سئلته، فسوف يضطر إلى عذاب النار، وبئس المصير.
قوله تعالى: واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسمعيل، القواعد جمع قاعدة وهي ما قعد من البناء على الارض، واستقر عليه الباقي، ورفع القواعد من المجاز بعد ما يوضع عليها منها، ونسبة الرفع المتعلق بالمجموع إلى القواعد وحدها.
وفي قوله تعالى: من البيت تلميح إلى هذه العناية المجازية.
قوله تعالى: ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم، دعاء لابراهيم واسمعيل، وليس على تقدير القول، أو ما يشبهه، والمعنى يقولان: ربنا تقبل منا الخ، بل هو في الحقيقة حكاية المقول نفسه، فإن قوله: يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسمعيل حكاية الحال الماضية، فهما يمثلان بذلك تمثيلا كأنهما يشاهدان وهما مشتغلان بالرفع، والسامع يراهما على حالهما ذلك ثم يسمع دعائهما بألفاظهما من غير وساطة المتكلم المشير إلى موقفهما وعملهما، وهذا كثير في القرآن، وهو من أجمل السياقات القرآنية - وكلها جميل - وفيه من تمثيل القصة وتقريبه إلى الحس ما لا يوجد ولا شئ من نوع بداعته في التقبل بمثل القول ونحوه.
وفي عدم ذكر متعلق التقبل - وهو بناء البيت - تواضع في مقام العبودية،
/ صفحة 283 /
واستحقار لما عملا به و المعنى ربنا تقبل منا هذا العمل اليسير انك أنت السميع لدعوتنا، العليم بما نويناه في قلوبنا.
قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، من البديهي أن الاسلام على ما تداول بيننا من لفظه، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أول مراتب العبودية، وبه يمتاز المنتحل من غيره، وهو الاخذ بظاهر الاعتقادات والاعمال الدينية أعم من الايمان والنفاق، وابراهيم (عليه السلام) - وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم، صاحب الملة الحنيفية - أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين، وكذا ابنه اسمعيل رسول الله وذبيحه، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى، والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم، وهما أعلم بمن يسالانه، وأنه من هو، وما شأنه، على أن هذا الاسلام من الامور الاختيارية التي يتعلق بها الامر والنهى كما قال تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) البقرة - 131، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياري للانسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك.
فهذا الاسلام المسئول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه، فإن الاسلام مراتب والدليل على أنه ذو مراتب قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت الآية) حيث يأمرهم إبراهيم بالاسلام وقد كان مسلما، فالمراد بهذا الاسلام المطلوب غير ما كان عنده من الاسلام الموجود، ولهذا نظائر في القرآن.
فهذا الاسلام هو الذي سنفسره من معناه، وهو تمام العبودية وتسليم العبد كل ما له إلى ربه، وهو إن كان معنى اختياريا للانسان من طريق مقدماته إلا أنه إذا اضيف إلى الانسان العادي وحاله القلبي المتعارف كان غير اختياري بمعنى كونه غير ممكن النيل له - وحاله حاله - كساير مقامات الولاية ومراحله العالية، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الانسان المتعارف المتوسط الحال بواسطة مقدماته الشاقة، ولهذا يمكن إن يعد أمرا إلهيا خارجا عن اختيار الانسان، ويسئل من الله سبحانه أن يفيض به، وأن يجعل الانسان متصفا به.
/ صفحة 284 /
على أن هنا نظرا أدق من ذلك، وهو ان الذي ينسب إلى الانسان ويعد اختياريا له، هو الافعال، وأما الصفات والملكات الحاصلة من تكرر صدورها فليست اختيارية بحسب الحقيقة، فمن الجائز أو الواجب ان ينسب إليه تعالى، وخاصة إذا كانت من الحسنات والخيرات التي نسبتها إليه تعالى، أولى من نسبتها إلى الانسان، وعلى ذلك جرى ديدن القرآن، كما في قوله تعالى: (رب اجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي) إبراهيم - 40، وقوله تعالى: (وألحقني بالصالحين) الشعراء - 83، وقوله تعالى: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضيه) النمل - 19، وقوله تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك) الآية، فقد ظهر ان المراد بالاسلام غير المعنى الذي يشير إليه قوله تعالى: (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم) الحجرات - 14، بل معنى أرقي وأعلى منه سيجئ بيانه.
قوله تعالى: وأرنا مناسكنا وتب علينا.
انك أنت التواب الرحيم، يدل على ما مر من معنى الاسلام أيضا، فأن المناسك جمع منسك بمعنى العبادة، كما في قوله تعالى: (ولكل امة جعلنا منسكا) الحج - 34، أو بمعنى المتعبد، أعني الفعل المأتي به عبادة وإضافة المصدر يفيد التحقق، فالمراد بمناسكنا هي الافعال العبادية الصادرة منهما والاعمال التي يعملانها دون الافعال، والاعمال التي يراد صدورها منهما، فليس قوله: أرنا بمعنى علمنا أو وفقنا، بل التسديد بارائة حقيقة الفعل الصادر منهما، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة) الانبياء - 73، وسنبينه في محله: ان هذا الوحي تسديد في الفعل، لاتعليم للتكليف المطلوب، وكأنه إليه الاشارة بقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، أولي الايدي والابصار.
انا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) ص - 46.
فقد تبين ان المراد بالاسلام والبصيرة في العبادة، غير المعنى الشائع المتعارف، وكذلك المراد بقوله تعالى: وتب علينا، لان إبراهيم وإسماعيل كانا نبيين معصومين بعصمة الله تعالى، لا يصدر عنهما ذنب حتى يصح توبتهما منه، كتوبتنا من المعاصي
/ صفحة 285 /
اصادرة عنا.
فان قلت: كل ما ذكر من معنى الاسلام وإرائة المناسك والتوبة مما يليق بشأن إبراهيم واسمعيل (عليه السلام)، لا يلزم ان يكون هو مراده في حق ذريته فانه لم يشرك ذريته معه ومع ابنه اسمعيل إلا في دعوة الاسلام وقد سال لهم الاسلام بلفظ آخر في جملة اخرى، فقال: ومن ذريتنا امة مسلمة لك ولم يقل: واجعلنا ومن ذريتنا مسلمين، أو ما يؤدي معناه فما المانع أن يكون مراده من الاسلام ما يعم جميع مراتبه حتى ظاهر الاسلام، فان الظاهر من الاسلام أيضا له آثار جميلة، وغايات نفيسة في المجتمع الانساني، يصح أن يكون بذلك بغية لابراهيم (عليه السلام) يطلبها من ربه كما كان كذلك عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث اكتفى (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاسلام بظاهر الشهادتين الذي به يحقن الدماء، ويجوز التزويج، ويملك الميراث، وعلى هذا يكون المراد بالاسلام في قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ما يليق بشأن ابراهيم واسمعيل، وفي قوله: ومن ذريتنا امة مسلمة لك ما هو اللائق بشأن الامة التي فيها المنافق، وضعيف الايمان وقويه، والجميع مسلمون.
قلت: مقام التشريع ومقام السؤال من الله مقامان مختلفان، لهما حكمان متغايران لا ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر، فما اكتفى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من امته بظاهر الشهادتين من الاسلام، انما هو لحكمة توسعة الشوكة والحفظ لظاهر النظام الصالح، ليكون ذلك كالقشر يحفظ به اللب الذي هو حقيقة الاسلام، ويصان به عن مصادمة الآفات الطارئة.
وأما مقام الدعاء والسؤال من الله سبحانه فالسلطة فيها للحقائق والغرض متعلق هناك بحق الامر، وصريح القرب والزلفى ولا هوى للانبياء في الظاهر من جهة ما هو ظاهر ولا هوى لابراهيم (عليه السلام) في ذريته ولو كان له هوى لبدء فيه لابيه قبل ذريته ولم يتبرا منه لما تبين أنه عدو لله، ولم يقل في ما حكى الله من دعائه (ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتي الله بقلب سليم) الشعراء - 89، ولم يقل (واجعل لي لسان صدق في الاخرين) الشعراء، - 84، بل اكتفى بلسان ذكر في الآخرين إلى غير ذلك.
/ صفحة 286 /
فليس الاسلام الذي ساله لذريته الا حقيقة الاسلام، وفي قوله تعالى: امة مسلمة لك، اشارة إلى ذلك فلو كان المراد مجرد صدق اسم الاسلام على الذرية لقيل: امة مسلمة، وحذف قوله: لك هذا.
قوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الخ دعوة للني (عليه السلام) وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أنا دعوة ابراهيم).
(بحث روائي) في الكافي عن الكتاني،: قال سئالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلي الركعتين عند مقام ابراهيم في طواف الحج والعمرة، فقال (عليه السلام): إن كان بالبلد صلى الركعتين عند مقام ابراهيم، فإن الله عز وجل يقول: واتخذوا من مقام ابراهيم: مصلى وان كان قد ارتحل، فلا آمره أن يرجع.
أقول: وروى قريبا منه، الشيخ في التهذيب، والعياشي في تفسيره بعدة أسانيد وخصوصيات الحكم - وهو الصلوة عند المقام أو خلفه، كما في بعض الروايات ليس لاحد أن يصلي ركعتي الطواف إلا خلف المقام، الحديث - مستفادة من لفظة من، ومصلى من قوله تعالى: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى الآية.
وفي تفسير القمي عن الصادق (ع) في قوله تعالى: أن طهرا بيتي للطائفين الآية يعني (نح عنه المشركين).
وفي الكافي عن الصادق (ع) قال إن الله عز وجل يقول في كتابه: طهرا بيتى للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فينبغي للعبد أن لا يدخل مكة إلا وهو طاهر قد غسل عرقه، والاذى، وتطهر.
أقول: وهذا المعنى مروي في روايات اخر، واستفادة طهارة الوارد من طهارة المورد، ربما تمت من آيات أخر، كقوله تعالى (الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات)