/ صفحة 201 /

فصل لقصة، بل القصة مبينة على نحو الاجمال في الخطاب الذي في قوله: وإذ قتلتم نفسا الخ

 وشطر من القصة مأتية بها ببيان تفصيلي في صورة قصة اخرى لنكتة دعت إليه.

فقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو كلام في صورة قصة وانما هي مقدمة توضيحية للخطاب التالي لم يذكرمعها السبب الباعث على هذا الامر والغاية المقصودة منها بل اطلقت إطلاقا ليتنبه بذلك نفس السامع وتقف موقف التجسس، وتنتشط إذا سمعت أصل القصة، ونالت الارتباط بين الكلامين، ولذلك لما سمعت بنو اسرائيل قوله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تعجبوا من ذلك ولم يحملوه إلا على أن نبي الله موسى يستهزء بهم لعدم وجود رابطة عندهم بين ذبح البقرة وما يسألونه من فصل الخصومة والحصول على القاتل قالوا أتتخذنا هزوا وسخرية.

وانما قالوا ذلك لفقدهم روح الاطاعة والسمع وإستقرار ملكة الاستكبار والعتو فيهم، وقولهم: إنا لا نحوم حول التقليد المذموم، وانما نؤمن بما نشاهده ونراه كما قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وانما وقعوا فيما وقعوا من جهة استقلالهم في الحكم والقضاء فيما لهم ذلك، وفيما ليس لهم ذلك فحكموا بالمحسوس على المعقول فطالبوا معاينة الرب بالحس الباصر وقالوا: (يا موسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) الاعراف - 138، وزعموا أن نبيهم موسى مثلهم يتهوس كتهوسهم، ويلعب كلعبهم، فرموه بالاستهزاء والسفه والجهالة حتى رد عليهم، وقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وانما استعاذ بالله ولم يخبر عن نفسه بأنه ليس يجاهل لان ذلك منه (عليه السلام) أخذ بالعصمة الالهية التي لا تتخلف لا الحكمة الخلقية التي ربما تتخلف.

وزعموا أن ليس للانسان أن يقبل قولا إلا عن دليل، وهذا حق لكنهم غلطوا في زعمهم أن كل حكم يجب العثور على دليله تفصيلا ولا يكفي في ذلك الاجمال ومن أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة لحكمهم أن نوع البقر ليس فيه خاصة الاحياء، فإن كان ولا بد فهو في فرد خاص منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة البيان ولذلك قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، وهذا تشديد منهم على أنفسهم من غير جهة فشدد الله عليهم، وقال موسى إنه يقول إنها بقرة لا فارض، إي ليست بمسنة إنقطعت

 

/ صفحة 202 /

ولادتها ولا بكر أي لم تلد عوان بين ذلك، والعوان من النساء والبهائم ما هو في منتصف

السن أي واقعة في السن بين ما ذكر من الفارض والبكر، ثم ترحم عليهم ربهم فوعظهم أن لا يلحوا في السؤال، ولا يشددوا على أنفسهم ويقنعوا بما بين لهم فقال: فافعلوا ما تؤمرون، لكنهم لم يرتدعوا بذلك بل قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول انها بقرة صفراء فاقع شديد الصفرة في صفاء لونها تسر الناظرين وتم بذلك وصف البقرة بيانا، واتضح أنها ما هي وما لونها وهم مع ذلك لم يرضوا به، وأعادوا كلامهم الاول، من غير تحجب وانقباض وقالواأدع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا انشاء الله لمهتدون، فأجابهم ثانيا بتوضيح في ماهيتها ولونها وقال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول أي غير مذللة بالحرث والسقي تثير الارض بالشيار ولا تسقي الحرث فلما تم عليهم البيان ولم يجدوا ما يسألونه قالوا الآن جئت بالحق قول من يعترف بالحقيقة بالالزام والحجة من غير أن يجد إلى الرد سبيلا، فيعترف بالحق إضطرارا، ويعتذر عن المبادرة إلى الانكار بأن القول لم يكن مبينا من قبل، ولا بينا تاما.

والدليل على ذلك قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون.

قوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، شروع في أصل القصة والتدارء هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا نفسا - وكل طائفة منهم يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها - واراد الله سبحانه إظهار ما كتموه.

قوله تعالى: فقلنا إضربوه ببعضها، أول الضميرين راجع إلى النفس باعتبار أنه قتيل، وثانيهما إلى البقرة وقد قيل: إن المراد بالقصة بيان أصل تشريع الحكم حتى ينطبق على الحكم المذكور في التورية الذي نقلناه، والمراد بإحياء الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول، نظير ما ذكره تعالى بقوله: (ولكم في القصاص حيوة) البقرة - 179، من دون أن يكون هناك إحياء بنحو الاعجاز هذا، وأنت خبير بأن سياق الكلام وخاصة قوله تعالى: فقلنا إضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتي يأبى ذلك.

قوله تعالى: ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة القسوة، في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر وكلمة أو بمعنى بل، والمراد بكونها بمعنى بل إنطباق معناه على موردها،

 

/ صفحة 203 /

وقد بين شده قسوة قلوبهم بقوله: وإن من الحجرة لما يتفجر منه الانهار وقوبل فيه بين الحجارة والماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجر منها الانهار على لين مائها وتشقق فيخرج منها الماء على لينه وصلابتها، ولا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحق، ولا قول حق يلائم الكمال الواقع، قوله تعالى: وإن منها لما يهبط من خشية الله، وهبوط الحجارة ما نشاهد من إنشقاق الصخور على قلل الجبال، وهبوط قطعات منها بواسطة الزلازل، وصيرورة الجمد الذي يتخللها في فصل الشتاء مائا في فصل الربيع إلى غير ذلك، وعد هذا الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعية هبوطا من خشية الله تعالى لان جميع الاسباب منتهية إلى الله سبحانه فإنفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاص بها إنفعال عن أمر الله سبحانه إياها بالهبوط، وهي شاعرة لامر ربها شعورا تكوينيا، كما قال تعالى: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم) اسرى - 44، وقال تعالى: (كل له قانتون) البقرة - 116، والانفعال الشعوري هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى، فالآية جارية مجرى قوله تعالى: (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفتة) الرعد - 13: وقوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) الرعد - 15، حيث عد صوت الرعد تسبيحا بالحمد وعد الظلال ساجدة لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات التي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى.

وبالجملة فقوله: وإن منها لما يهبط، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة فإن الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيتة، وقلوبهم لا تخشى الله تعالى ولا تهابه.

(بحث روائي) في محاسن: عن الصادق (عليه السلام): في قول الله خذوا ما آتيناكم بقوة، أقوة

 

/ صفحة 204 /

لابدان أو قوة القلب؟ قال (عليه السلام): فيهما جميعا.

أقول: ورواه العياشي أيضا في تفسيره.

وفي تفسير العياشي.

عن الحلبي في قوله تعالى: وأذكروا ما فيه، قال: قال أذكروا ما فيه وأذكروا ما في تركه من العقوبة.

أقول: وقد استفيد ذلك من المقام من قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور خذوا.

وفي الدر المنثور: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا أن بني إسرائيل قالوا وإنا إنشاء الله لمتهدون ما أعطوا أبدا ولو أنهم إعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لاجزات عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

وفي تفسير القمي: عن إبن فضال قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم.

وفي المعاني وتفسير العياشي: عن البزنطي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى ان سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبر من قتله قال: إئتوني ببقرة قالوا: أتتخذنا هزوا؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر يعني لا صغيرة ولا كبيرة عوان بين ذلك ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا وإنا إنشاء الله لمهتدون.

قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها.

قالوا الآن جئت بالحق فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال لا أبيعها إلا

 

/ صفحة 205 /

بملؤ مسك ذهبا، فجاءوا إلى موسى وقالوا له ذلك قال إشتروها فاشتروها وجاؤا بها فأمر بذبحها ثم أمر إن يضربوا الميت بذنبها فلما فعلوا ذلك حيي المقتول وقال يا رسول الله إن إبن عمي قتلني، دون من إدعى عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه إن هذه البقرة لها نبأ فقال وما هو؟ قال إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بابيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه والاقاليد تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره فقال أحسنت، هذه البقرة فهي لك عوضا مما فاتك فقال له رسول الله موسى أنظر إلى البر ما بلغ بأهله.

اقول: والروايات كما ترى منطبقة على إجمال ما استفدناه من الآيات الشريفة.

(بحث فلسفي) السورة كما ترى مشتملة على عدة من الآيات المعجزة، في قصص بني إسرائيل وغيرهم، كفرق البحر وإغراق آل فرعون في قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر أغرقنا آل فرعون الآية، وأخذ الصاعقة بني إسرائيل وإحيائهم بعد الموت في قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك الآية، وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى عليهم في قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام الآية، وإنفجار العيون من الحجر في قوله تعالى: وإذ إستسقى موسى لقومه الآية، ورفع الطور فوقهم في قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور الآية، ومسخ قوم منهم في قوله تعالى: فقلنا لهم كونوا قردة الآية، وإحياء القتيل ببعض البقرة المذبوحة في قوله: فقلنا إضربوه ببعضها الآية، وكإحياء قوم آخرين في قوله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم الآية، وكإحياء الذي مر على قرية خربة في قوله أو كالذى مر على قرية وهي خاوية على عروشها الآية، وكإحياء الطير بيد إبراهيم في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى الآية، فهذه إثنتا عشرة آية معجزة خارقة للعادة جرت أكثرها في بني إسرائيل - ذكرها القرآن - وقد بينا فيما مر إمكان وقوع المعجزة وأن خوارق العادات جائزة الوقوع في الوجود وهي مع ذلك ليست ناقضة لقانون العلية والمعلولية الكلي، وتبين به أن

 

/ صفحة 206 /

لا دليل علي تأويل لآيات الظاهرة في وقوع الاعجاز، وصرفها عن ظواهرها ما دامت الحادثة ممكنة، بخلاف المحالات كإنقسام الثلثة بمتساويين وتولد مولود يكون أبا لنفسه، فإنه لا سبيل إلى جوازها.

نعم تختص بعض المعجزات كإحياء الموتى والمسخ ببحث آخر، فقد قيل: إنه قد ثبت في محله أن الموجود الذي له قوة الكمال والفعلية إذا خرج من القوة إلى الفعل فإنه يستحيل بعد ذلك رجوعه إلى القوة ثانيا، وكذلك كل ما هو أكمل وجودا فإنه لا يرجع في سيره الاستكمالي إلى ما هو أنقص وجودا منه من حيث هو كذلك.

والانسان بموته يتجرد بنفسه عن المادة فيعود موجودا مجردا مثاليا أو عقليا، وهاتان الرتبتان فوق مرتبة المادة، والوجود فيهما أقوى من الوجود المادي، فمن المحال أن تتعلق النفس بعد موتها بالمادة ثانيا، وإلا لزم رجوع الشئ إلى القوة بعد خروجه إلى الفعل، وهو محال، وأيضا الانسان أقوى وجودا من سائر أنواع الحيوان، فمن المحال أن يعود الانسان شيئا من سائر أنواع الحيوان بالمسخ.

أقول: ما ذكره من إستحاله رجوع ما بالقوة بعد خروجه إلى الفعل إلى القوة ثانيا حق لا ريب فيه، لكن عود الميت إلى حيوته الدنيا ثانيا في الجملة وكذا المسخ ليسا من مصاديقه.

بيان ذلك: أن المحصل من الحس والبرهان أن الجوهر النباتي المادي إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيواني فإنه يتحرك إلى الحيوانية، فيتصور بالصورة الحيوانية وهي صورة مجردة بالتجرد البرزخي، وحقيقتها إدراك الشئ نفسه بإدراك جزئي خيالي وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي وفعلية لهذه القوة تلبس بها بالحركة الجوهرية ومن المحال أن ترجع يوما إلى الجوهر المادي فتصير إياه إلا أن تفارق مادتها فتبقى المادة مع صورة مادية كالحيوان تموت فيصير جسدا لا حراك به، ثم أن الصورة الحيوانية مبدأ لافعال إدراكية تصدر عنها، وأحوال علمية تترتب عليها، تنتقش النفس بكل واحد من تلك الاحوال بصدورها منها، ولا يزال نقش عن نقش، وإذا تراكمت من هذه النقوش ما هي متشاكلة متشابهة تحصل نقش واحد وصار صورة ثابتة غير قابلع للزوال، وملكة راسخة، وهذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوع بها نفس حيوانى فتصير حيوانا خاصا ذا صورة خاصة منوعة كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس وغير ذلك وإذا لم تحصل ملكة بقي النفس

 

/ صفحة 207 /

على مرتبتها الساذجة السابقة، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتا ولم يخرج إلى الفعلية الحيوانية، ولو أن النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أول وجودها لكنها تتكامل بواسطة أفعالها الادراكية المتعلقة بالمادة شيئا فشيئا حتى تصير حيوانا خاصا إن عمر العمر الطبيعي أو قدرا معتدا به، وإن حال بينه وبين استتمام العمر الطبيعي أو القدر المعتد به مانع كالموت الاخترامي بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانية، ثم أن الحيوان إذا وقعت في صراط الانسانية وهي الوجود الذي يعقل ذاته تعقلا كليا مجردا عن المادة ولوازمها من المقادير والالوان وغيرهما خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية التجرد العقلي، وتحققت له صورة الانسان بالفعل، ومن المحال أن تعود هذه الفعلية إلى قوتها التي هي التجرد المثالي على حد ما ذكر في الحيوان.

ثم إن لهذه الصورة أيضا أفعالا وأحوالا تحصل بتراكمها التدريجي صورة خاصة جديدة توجب تنوع النوعية الانسانية على حد ما ذكر نظيره في النوعية الحيوانية.

إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنا لو فرضنا إنسانا رجع بعد موته إلى الدنيا وتجدد لنفسه التعلق بالمادة وخاصة المادة التي كانت متعلقة نفسه من قبل لم يبطل بذلك أصل تجرد نفسه فقد كانت مجردة قبل انقطاع العلقة ومعها أيضا وهي مع التعلق ثانيا حافظة لتجردها، والذي كان لها بالموت أن الاداة التي كانت رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادي كالصانع إذا فقد آلات صنعته والدوات اللازمة لها، فإذا عادت النفس إلى تعلقها الفعلي بالمادة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنية ووضعت ما اكتسبتها من الاحوال والملكات بواسطة الافعال فوق ما كانت حاضرة وحاصلة لها من قبل واستكملت بها استكمالا جديدا من غير أن يكون ذلك منه رجوعا قهقرى وسيرا نزوليا من الكمال إلى النقص، ومن الفعل إلى القوة.

فان قلت: هذا يوجب القول: بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه، فإن النفس المجردة المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة لافعال المادية بالتعلق بالمادة ثانيا كان بقائها على الحرمان من الكمال إلى الابد حرمانا عما تستدعيه بطباعها، فما كل نفس براجعة إلى الدنيا بإعجاز أو خرق عادة، والحرمان المستمر

 

/ صفحة 208 /

قسر دائم.

قلت: هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا واتصلت إلى حد وماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائما بل يستقر على فعليتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك وتبقى على ذلك وتزول الامكان المذكور بعد ذلك فالانسان الذي مات وله نفس ساذجة غير أنه فعل أفعالا وخلط عملا صالحا وآخر سيئا لو عاش حينا أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورة سعيده أو شقيه وكذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا وعاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصة جديدة وإذا لم يعد فهو في البرزخ مثاب أو معذب بما كسبته من الافعال حتى يتصور بصورة عقلية مناسبة لصورته السابقة المثالية وعند ذلك يبطل الامكان المذكور ويبقى إمكانات الاستكمالات العقلية فإن عاد إلى الدنيا كالانبياء والاولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقلية من ناحية المادة والافعال المتعلقة بها ولو لم يعد فليس له إلا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه، والسير في صراطه، هذا.

ومن المعلوم أن هذا ليس قسرا دائما ولو كان مجرد حرمان موجود عن كماله الممكن له بواسطة عمل عوامل وتأثير علل مؤثرة قسرا دائما لكان أكثر حوادث هذا العالم الذي هو دار التزاحم، وموطن التضاد أو جميعها قسرا دائما، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرة في الجميع، وإنما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من الانواع إقتضاء كمال من الكمالات أو إستعداد ثم لا يظهر أثر ذلك دائما إما لا مر في داخل ذاته أو لامر من خارج ذاته متوجه إلى إبطاله بحسب الغريزة فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزا باطلا وتجبيلا هباء لغوا فافهم ذلك، وكذا لو فرضنا إنسانا تغيرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير فإنما هي صورة على صورة، فهو إنسان خنزير أو إنسان قردة، لا إنسان بطلت إنسانيتة وخلت الصورة الخنزيرية أو القردية محلها، فالانسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصورت نفسه بها ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت، وقد مر أن النفس

 

/ صفحة 209 /

الانسانية في أول حدوثها على السذاجة يمكن أن تتنوع بصورة خاصة تخصصها بعد الابهام وتقيدها بعد الاطلاق والقبول فالممسوخ من الانسان إنسان ممسوخ لا أنه ممسوخ فاقد للانسانية هذا، ونحن نقرا في المنشورات اليومية من أخبار المجامع العلمية بأوربا وأمريكا ما يؤخذ جواز الحيوة بعد الموت، وتبدل صورة الانسان بصورة المسخ، وإن لم نتكل في هذه المباحث على أمثال هذه الاخبار، لكن من الواجب على الباحثين من المحصلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالامس.

فإن قلت: فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ.

قلت: كلا فإن لتناسخ وهو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال، فإن هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق نفسين ببدن واحد، وهو وحدة الكثير، وكثرة الواحد، وإن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة، كرجوع الشيخ إلى الصبا، وكذلك يستحيل تعلق نفس إنساني مستكملة مفارقة ببدن نبأتي أو حيواني بما مر من البيان.

(بحث علمي وأخلاقي) أكثر الا مم الماضية قصة في القرآن امة بني اسرائيل، وأكثر الانبياء ذكرا فيه موسى بن عمران (عليه السلام)، فقد ذكر اسمه في القرآن، في مائة وستة وثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم (عليه السلام) الذي هو أكثر الانبياء ذكرا بعد موسى، فقد ذكر في تسعة وستين موضعا على ما قيل فيهما، والوجه الظاهر فيه أن الاسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه إبراهيم (عليه السلام) وأتمه الله سبحانه وأكمله لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) الحج - 78، وبنو إسرائيل أكثر الامم لجاجا وخصاما، وأبعدهم من الانقياد للحق، كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذه الصفة، فقد آل الامر إلى أن نزل فيهم: (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) البقرة - 6.

 

/ صفحة 210 /

ولا ترى رذيلة من رذائل بني اسرائيل في قسوتهم وجفوتهم مما ذكره القرآن إلا وهو موجود فيهم، وكيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني اسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الامة لا تؤمن بما وراء الحس، ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي وهم اليوم كذلك.

وهذا الشأن هو الذي صير عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة، لا يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وإن كان حقا وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة، وزخرف الحياة وإن لم يكن حقا، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحيوة، وان كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم على مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت إستذلال المصريين، واسترقاقهم، وتعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربهم عظيم.

وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم، والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم (تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره) وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم.

وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية التي اتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الانسانية في أحكامهاو ارتحال المعارف العالية والاخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدد الانسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين.

واستيفاء البحث في الاخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كل دليل بمطلوب، وما كل تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الانساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله

 

/ صفحة 211 /

 

الحيوي بأفعاله الارادية المتوقفة على الفكر والارادة منه مستحيلة التحقق إلا عن فكر، فالفكر هو الاساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروري فلا بد للانسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة، وهي القضايا التي نعلل بها أفعالنا الفرديه أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثم نحصلها في الخارج بأفعالنا هذا.

ثم إن في غريزة الانسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة، ولا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو، وهذا شأن الانسان لا يتخطاه البته، ولو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل والامعان تنحل الشبهة، ويظهر البحث عن العلة، والركون والطمأنينة إليها فطري، والفطرة لا تختلف ولا يتخلف فعلها، وهذا يؤدي الانسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري والفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الانسان الواحد إلى رفعه معتمدا على نفسه ومتكئا إلى قوة طبيعتة الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدينة والحضارة ووزعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع، ووكل بكل باب من أبوابها طائفة كاعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه، ولا تزال الحوائج الانسانية تزداد كمية واتساعا وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم، ويتربى عند ذلك الاخصائيون من العلماء والصناع، فكثير من العلوم والصناعات كانت علما أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، واليوم نرى كل باب من أبوابه علما أو علوما أو صنعة أو صنائع، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع الطبيعيات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الاخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها.

وهذا يدعو الانسان بالالهام الفطري، أن يستقل بما يخصه من الشغل الانساني في البحث عن علته ويتبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته.

فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا الاتباع، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الاجمالي فيما ليس في وسع الانسان

 

/ صفحة 212 /

أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيلي فيما يسعة أن ينال تفصيل علته و دليله، وملاك الامر كله أن الانسان لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، وهو الاستقلال في البحث عن العلة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتباع ورجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك، ولما استحال إن يوجد فرد من هذا النوع الانساني مستقلا بنفسه قائما بجميع شؤون الاصل الذي يتكي عليه الحياة أستحال أن يوجد فرد من الانسان من غير اتباع وتقليد، ومن ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه انه غير مقلد في حيوته فقد سفه نفسه.

نعم: التقليد فيما للانسان أن ينال علته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه والنيل منه، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع، ومفنيات المدنية الفاضلة ولا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لانه السبب الذي إليه تنتهي الاسباب أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - 75.

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون - 76، أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون - 77.

ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون - 78.

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون - 79.

وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما

 

/ صفحة 213 /

معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون - 80.

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون - 81.

والذين آمنوا وعملوا الصالحات أؤلئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون - 82.

(بيان) السياق وخاصة ما في ذيل الآيات يفيد أن اليهود عند الكفار، وخاصة كفار المدينة: لقرب دارهم منهم كانوا يعرفون قبل البعثة ظهيرا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعندهم علم الدين والكتاب، ولذلك كان الرجاء في إيمانهم أكثر من غيرهم، وكان المتوقع أن يؤمنوا به أفواجا فيتأيد بذلك ويظهر نوره، وينتشر دعوته، ولما هاجر النبي إلي المدينة وكان من أمرهم ما كان تبدل الرجاء قنوطا، والطمع يأسا، ولذلك يقول سبحانه: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم الخ، يعني أن كتمان الحقائق وتحريف الكلام من شيمهم، فلا ينبغي أن يستبعد نكولهم عما قالوا ونقضهم ما أبرموا.

قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، فيه التفات من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب النبي والذين آمنوا ووضعهم موضع الغيبة وكان الوجه فيه أنه لما قص قصة البقرة وعدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم لمكان التحريف الواقع فيها بحذفها من التورية كما مر، اريد إتمام البيان بنحو الغيبة بالاشارة إلى تحريفهم كتاب الله تعالى فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة.

قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا الخ، لا تقابل بين الشرطين وهما مدخولا إذا في الموضعين كما في قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن) البقرة - 14، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم وجهالتهم.

 

/ صفحة 214 /

احدهما: أنهم ينافقون فيتظاهرون بالايمان صونا لانفسم من الايذاء والطعن والقتل.

وثانيهما: أنهم يريدون تعمية الامر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم وعلانيتهم وذلك أن العامة منهم، وهم أولوا بساطة النفس ربما كانوا ينبسطون للمؤمنين، فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبي أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوة، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أولياؤهم ينهونهم معللا بأن ذلك مما فتح الله لهم، فلا ينبغي أن يفشى للمؤمنين، فيحاجوهم به عند ربهم كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم لم يطلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك ولازم ذلك أن الله تعالى إنما يعلم علانية الامر، دون سره وباطنه وهذا من الجهل بمكان، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون الآية) فإن هذا النوع من العلم - وهو ما يتعلق بظاهر الامر دون باطنه - إنما هو العلم المنتهي إلى الحس الذي يفتقر إلى بدن مادي مجهز بآلات مادية مقيد بقيود الزمان والمكان مولود لعلل اخرى مادية وما هو كذلك مصنوع من العالم لا صانع العالم.

وهذا أيضا من شواهد ما قدمناه آنفا أن بني إسرائيل لاذعانهم باصالة المادة كانوا يحكمون في الله سبحانه بما للمادة من الاحكام، فكانوا يظنونه موجودا فعالا في المادة مستعليا قاهرا عليه، ولكن بعين ما تفعل علة مادية وتستعلي وتقهر على معلول مادي، وهذا أمر لا يختص به اليهود، بل هو شأن كل من يذعن باصالة المادة من المليين وغيرهم، فلا يحكمون في ساحة قدسه سبحانه إلا بما يعقلون من أوصاف الماديات من الحيوة والعلم والقدرة والاختيار والارادة والقضاء والحكم وتدبير الامر وإبرام القضاء إلى غير ذلك، وهذا داء لا ينجع معه دواء، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون، حتى آل الامر إلى أن استهزأ بهم من لا مسكة له في دينهم الحق ولا قدم له في معارفهم الحقة، قائلا أن المسلمين يروون عن نبيهم ان الله خلق آدم على صورته وهم معاشر أمته يخلقون الله على صورة آدم، فهؤلاء يدور امرهم بين أن يثبتوا لربهم جميع احكام المادة، كما يفعله المشبهة من المسلمين أو من يتلو تلوهم وإن لم يعرف بالتشبيه، أو لا يفهموا شيئا من أوصاف جماله، فينفوا الجميع بارجاعها إلى السلوب قائلا أن ما يبين أوصافه تعالى من الالفاظ إنما يقع عليه بالاشتراك اللفظي

 

/ صفحة 215 /

فلقولنا: انه موجود ثابت عالم قادر حي معان لا نفهمها ولا نعقلها، فاللازم إرجاع معانيها إلى النفي، فالمعنى مثلا أنه ليس بمعدوم، ولا زائل، ولا جاهل، ولا عاجز ولا ميت فاعتبروا يا أولي الابصار فهذا بالاستلزام زعم منهم بانهم يؤمنون بما لا يدرون، ويعبدون ما لا يفهمون، ويدعون إلى ما لا يعقلون، ولا يعقله أحد من الناس، وقد كفتهم الدعوة الدينية مؤنة هذه الاباطيل بالحق فحكم على العامة أن يحفظوا حقيقة القول ولب الحقيقة بين التشبيه والتنزيه فيقولوا: ان الله سبحانه شئ لا كالاشياء وأن له علما لا كعلومنا، وقدرة لا كقدرتنا وحيوة لا كحيوتنا، مريد لا بهمامة، متكلم لا بشق فم، وعلى الخاصة أن يتدبروا في آياته ويتفقهوا في دينه فقد قال الله سبحانه: (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الالباب) الزمر - 9، والخاصة كما لا يساوون العامة في درجات المعرفة، كذلك لا يساوونهم في التكاليف المتوجهة إليهم، فهذا هو التعليم الديني النازل في حقهم لو أنهم كانوا يأخذون به.

قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني، الامي من لا يقرأ ولا يكتب منسوب إلى الام لان عطوفة الام وشفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها إلى المعلم وتسلمه إلى تربيتة، فكان يكتفي بتربية الام، والاماني جمع امنية، وهي الاكاذيب، فمحصل المعنى انهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرفه وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب الا اكاذيب المحرفين.

قوله تعالى: فويل للذين يكتبون، الويل هو الهلكة والعذاب الشديد والحزن والخزى والهوان وكل ما يحذره الانسان اشد الحذر والاشتراء هو الابتياع.

قوله تعالى: فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم الخ، الضمائر إما راجعة إلى بني اسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم ولكل وجه وعلى الاول يثبت الويل للاميين منهم أيضا.

قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته الخ، الخطيئة هي الحالة الحاصلة للنفس من كسب السيئة، ولذلك أتي باحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب

 

/ صفحة 216 /

السيئة وإحاطة الخطيئة توجب ان يكون الانسان المحاط مقطوع الطريق إلى النجاة كان الهداية لاحاطة الخطيئة به لا تجد إليه سبيلا فهو من أصحاب النار مخلدا فيها ولو كان في قلبه شئ من الايمان بالفعل، أو كان معه بعض ما لا يدفع الحق من الاخلاق والملكات، كالانصاف والخضوع للحق، أو ما يشابههما لكانت الهداية والسعادة ممكنتي النفوذ إليه، فإحاطة الخطيئة لا تتحقق الا بالشرك الذي قال تعالى فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء - 48، ومن جهة اخرى إلا بالكفر وتكذيب الآيات كما قال سبحانه: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة - 39، فكسب السيئة وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود في النار.

واعلم أن هاتين الآيتين قريبتا المعنى من قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين الخ) البقرة - 62، وانما الفرق أن الآيتين أعني قوله: بلى من كسب سيئة، في مقام بيان ان الملاك في السعادة انما هو حقيقة الايمان والعمل الصالح دون الدعاوي والآيتان المتقدمتان أعني قوله: (إن الذين آمنوا الخ، في مقام بيان أن الملاك فيها هو حقيقة الايمان والعمل الصالح دون التسمي بالاسماء.

(بحث روائي) في المجمع: في قوله وإذا لقوا الذين الآية، عن الباقر (عليه السلام) قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهى كبراءهم عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيحاجوهم به عند ربهم فنزلت هذه الآية.

وفي الكافي عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله تعالى: بلى من كسب سيئة، قال: إذا جحدوا ولآية أمير المؤمنين فاؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

اقول: وروي قريبا من هذا المعنى الشيخ في اماليه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والروايتان من الجرى والتطبيق على المصداق، وقد عد سبحانه الولاية حسنة في

 

/ صفحة 217 /

قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نجد له فيها حسنا) الشوري - 23، ويمكن أن يكون من التفسير لما سيجئ في سورة المائدة أنها العمل بما يقتضيه التوحيد وانما نسب إلى علي (عليه السلام) لانه أول فاتح من هذه الامة لهذا الباب فانتظر.

وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا، وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة ثم توليتم إلا قليلا منكم وإنتم معرضون - 83.

وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون - 84.

ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من دياركم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا يوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون - 85.

أولئك الذين أشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون - 86.

ولقد آتينا موسى وقفينا من بعده بالرسل

 

/ صفحة 218 /

وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبر تم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون - 87.

وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون - 88.

(بيان) قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، الآية في بديع نظمها تبتدئ أولا بالغيبة وتنتهي إلى الخطاب حيث تقول: ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون، ثم إنها تذكر أولا الميثاق وهو أخذ للعهد، ولا يكون إلا بالقول، ثم تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدئ فيه بالخبر، حيث تقول: لا تعبدون إلا الله، وتختتم بالانشاء حيث تقول وقولوا للناس حسنا إلخ.

ولعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني إسرائيل لما بدئت بالخطاب لمكان إشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق الكلام فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها كما مر حتى انتهت إلى هذه الآية، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان بالقول وبنى على حكايته حكي بالخطاب فقيل: لا تعبدون إلا الله إلخ، وهو نهى في صورة الخبر.

وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به، كأن الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه في الخارج، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه، فلا يوقع الفعل قطعا وكذا قوله: وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين، كل ذلك أمر في صورة الخبر.

ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله: وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ثم توليتم الخ وانتظم بذلك السياق.

 

/ صفحة 219 /

قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا، امر أو خبر بمعنى الامر والتقدير واحسنوا بالوالدين إحسانا، وذي القربى واليتامى والمساكين، أو التقدير: وتحسنون بالوالدين إحسانا الخ، وقد رتب موارد إلاحسان أخذا من الاهم والاقرب إلى المهم والابعد فقرابة الانسان أقرب إليه من غيرهم، والوالدان وهما الاصل الذي تتكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الارحام وفي غير القرابة أيضا اليتامى احق بالاحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من المساكين.

هذا وقوله: واليتامى، اليتيم من مات أبوه ولا يقال لمن ماتت أمه يتيم.

وقيل اليتيم في الانسان إنما تكون من جهة الاب وفي غير الانسان من سائر الحيوان من جهة الام وقوله تعالى: والمساكين، جمع مسكين وهو الفقير العادم الذليل، وقوله تعالى: حسنا مصدر بمعنى الصفة جئ به للمبالغة.

وفي بعض القرائات حسنا، بفتح الحاء والسين صفة مشبهة.

والمعنى قولوا للناس قولا حسنا، وهو كناية عن حسن المعاشرة مع الناس، كافرهم، ومؤمنهم ولا ينافي حكم القتال حتى تكون آية القتال ناسخة له لان مورد القتال غير مورد المعاشرة فلا ينافي الامر بحسن المعاشرة كما أن القول الخشن في مقام التأديب لا ينافي حسن المعاشرة.

قوله تعالى: لا تسفكون دماءكم، خبر في معنى الانشاء نظير ما مر في قوله: لا تعبدون الا الله، والسفك الصب.

قوله تعالى: تظاهرون عليهم، التظاهر هو التعاون، والظهير العون مأخوذ من الظهر لان العون يلي ظهر الانسان.

قوله تعالى: وهو محرم عليكم إخراجهم، الضمير لاشان والقصة كقوله تعالى: قل هو الله أحد.

قوله تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب، أي ما هو الفرق بين الاخراج والفدية حيث أخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الاخراج وهما جميعا في الكتاب، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.

قوله تعالى: وقفينا، التقفية الاتباع وإتيان الواحد قفأ الواحد.

قوله تعالى: وآتينا عيسى بن مريم البينات، سيأتي الكلام فيه في سورة آل عمران.

 

/ صفحة 220 /

قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف جمع أغلف من الغلاف أي قلوبنا محفوظة تحت لفائف وأستار وحجب، فهو نظير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) حم سجدة - 5، وهو كناية عن عدم امكان استماع ما يدعون إليه.

بحث روائي في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا الآية.

قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم.

وفي الكافي أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قولوا للناس ولا تقولوا الا خيرا حتى تعلموا ما هو.

وفي المعاني عن الباقر (عليه السلام) قال: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله عز وجل يبغض السباب اللعان الطعان على المؤمنين الفاحش المفحش السائل ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف.

أقول: وروي مثل الحديث في الكافي بطريق آخر عن الصادق (عليه السلام) وكذا العياشي عنه (عليه السلام) ومثل الحديث الثاني في الكافي عنه.

ومثل الحديث الثالث العياشي عن الباقر (عليه السلام) وكأن هذه المعاني أستفيدت من اطلاق الحسن عند القائل واطلاقه من حيث المورد.

وفي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: ان الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسة أسياف فسيف على أهل الذمة.

قال الله: وقولوا للناس حسنا، نزلت في أهل الذمة ثم نسختها أخرى قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون) الحديث.

أقول: وهو منه (عليه السلام) أخذ بإطلاق آخر للقول وهو شموله للكلام ولمطلق التعرض.

يقال لا تقل له الا حسنا وخيرا أي لا تتعرض له الا بالخير والحسن، ولا تمسسه الا بالخير والحسن.

هذا ان كان النسخ في قوله (عليه السلام) هو النسخ بالمعنى الاخص

 

/ صفحة 221 /

وهو المصطلح ويمكن ان يكون المراد هو النسخ بالمعنى الاعم، على ما سيجئ في قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) البقرة - 106، وهو الكثير في كلامهم (عليهم السلام) لتكون هذه الآية وآية القتال غير متحدتين موردا.

ولما جائهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين - 89.

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فبائوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين - 90.

وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ورائه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين - 91.

ولقد جائكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون - 92.

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين - 93.

 

/ صفحة 222 /

(بيان) قوله تعالى: ولما جاءهم الخ، السياق يدل على أن هذا الكتاب هو القرآن.

وقوله: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، على وقوع تعرض بهم من كفار العرب، وأنهم كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح عليهم ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرته وأن ذلك الاستفتاح قد استمر منهم قبل الهجرة، بحيث كان الكفار من العرب أيضا يعرفون ذلك منهم لمكان قوله: كانوا، وقوله: فلما جاءهم ما عرفوا، أي عرفوا أنه هو بإنطباق ما كان عندهم من الاوصاف عليه كفروا.

قوله تعالى: بئسما إشتروا بيان لسبب كفرهم بعد العلم وأن السبب الوحيد في ذلك هوالبغي والحسد، فقوله بغيا، مفعول مطلق نوعي.

وقوله أن ينزل الله، متعلق به، وقوله تعالى: فبائوا بغضب على غضب، أي رجعوا بمصاحبته أو بتلبس غضب بسبب كفرهم بالقرآن على غضب بسبب كفرهم بالتوراة من قبل، والمعنى أنهم كانوا قبل البعثة والهجرة ظهيرا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومستفتحا به وبالكتاب النازل عليه، ثم لما نزل بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل عليه القرآن وعرفوا أنه هو الذي كانوا يستفتحون به وينتظرون قدومه هاج بهم الحسد، وأخذهم الاستكبار، فكفروا وإنكروا ما كانوا يذكرونه كما كانوا يكفرون بالتوراة من قبل، فكان ذلك منهم كفرا على كفر.

قوله تعالى: ويكفرون بما ورائه، أي يظهرون الكفر بما ورائه، وإلا فهم بالذي أنزل إليهم وهو التوراة أيضا كافرون.

قوله تعالى: قل فلم تقتلون، الفاء للتفريع.

والسؤال متفرع على قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، أي لو كان قولكم: نؤمن بما أنزل علينا حقا وصدقا فلم تقتلون أنبياء الله، ولم كفرتم بموسى بإتخاذ العجل، ولم قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور: سمعنا وعصينا.

قوله تعالى: واشربوا في قلوبهم العجل، الاشراب هو السقى، والمراد بالعجل

 

/ صفحة 223 /

حب العجل، وضع موضعه للمبالغة كأنهم قد أشربوا نفس العجل وبه يتعلق قوله في قلوبهم، ففي الكلام استعارتان أو استعارة ومجاز.