تفسير الميزان
السيد الطباطبائي
الجزء الاول
/ صفحة 1 /
الميزان في تفسير القرآن 1
/ صفحة 2 /
تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره
/ صفحة 3 /
الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره المجلد الاول منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة
/ صفحة 4 /
المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلوة على من جعله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت وطهرهم تطهيرا.
مقدمه: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب بطريق الاختصار التفسير (وهو بيان معاني الايات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها) من أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع من البحث والتنقير المسمى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله تعالى وتقدس (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة الآية) البقرة - 151.
وقد كانت الطبقة الاولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة (والمراد بهم غير علي (عليه السلام)، فان له وللائمة من ولده نبأ آخر سنتعرض له) كابن عباس وعبد الله بن عمر وأبي وغيرهم اعتنوا بهذا الشأن، وكان البحث يومئذ لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيت بجهاتها الادبية وشأن النزول وقليل من الاستدلال بآية على آية وكذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القصص ومعارف المبدء والمعاد وغيرها.
وعلى هذا الوصف جرى الحال بين المفسرين من التابعين كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسدي وغيرهم في القرنين الاولين من الهجرة، فإنهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئا غير انهم زادوا من التفسير بالروايات، (وبينها روايات دسها اليهود أو غيرهم)، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى
/ صفحة 5 /
الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الارض والبحار وإرم شداد وعثرات الانبياء تحريف الكتاب واشياء أخر من هذا النوع، وقد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير والبحث ثم استوجب شيوع البحث الكلامي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من أمم البلاد المفتوحة بيد المسلمين وعلماء الاديان والمذاهب المتفرقة من جهة.
ونقل فلسفة يونان إلى العربية في السلطنة الاموية أواخر القرن الاول من الهجرة، ثم في عهد العباسيين، وانتشار البحث العقلي الفلسفي بين الباحثين من المسلمين من جهة أخرى ثانية.
وظهور التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي وتمايل الناس ألى نيل المعارف الدينية من طريق المجاهدة والرياضة النفسانية دون البحث اللفظي والعقلي من جهة أخرى ثالثة بقاء جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الادبية من جهة أخرى رابعة.
ان اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في لمذاهب ما عمل، ولم يبقى بينهم جامع في الرأي والنظر إلا لفظ لا إله إلا الله ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واختلفوا في معنى الاسماء والصفات والافعال والسماوات وما فيها الارض وما عليها والقضاء والقدر والجبر والتفويض والثواب والعقاب وفي الموت وفي البرزخ والبعث والجنة والنار، وبالجملة في جميع ما تمسه الحقائق والمعارف الدينية ولو بعض المس، فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الايات، وكل يتحفظ على متن ما اتخذه من المذهب والطريقة.
فأما المحدثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابد والتابعين فساروا وجدوا في لسير حيث ما يسير بهم المأثور ووقفوا فيا لم يؤثر فيه شئ ولم يظهر المعنى ظهورا لا يحتاج إلى البحث أخذا بقوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية) آل عمران - 7.
وقد اخطأوا في ذلك فان الله سبحانه
/ صفحة 6 /
لم يبطل حجة العقل في كتابه، وكيف يعقل ذلك وحجيته انما تثبت به ! ولم يجعل حجية في أقوال الصحابة والتابعين وانظارهم على اختلافها الفاحش، ولم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الاقوال، ولم يندب الا إلى التدبر في آياتة، فرفع به أي اختلاف يترائى منها، وجعله هدى ونورا وتبيانا لكلشئ، فما بال النور يستنير بنور غيره ! وما شأن الهدى يهتدى بهداية سواه ! وكيف يتبين ما هو تبيان كلشئ بشئ دون نفسه !.
واما المتكلمون فقد دعاهم الاقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم باخذ ما وافق وتأويل ما خالف، على حسب ما يجوزه قول المذهب.
واختيار المذاهب الخاصة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وان كان معلولا لاختلاف الانظار العلمية أو لشئ آخر كالتقاليد والعصبيات القومية، وليس هيهنا محل الاشتغال بذلك، الا ان هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا ففرق بين ان يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن؟ أو يقول: ما ذا يجب ان نحمل عليه الآية؟ فان القول الاول يوجب ان ينسى كل امر نظري عند البحث، وان يتكى على ما ليس بنظري، والثاني يوجب وضع النظريات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم ان هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه.
وأما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الاعم اعني: الرياضيات والطبيعيات والالهيات والحكمة العملية، وخاصة المشائين، وقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السموات والارض وآيات البرزخ وآيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والاصول الموضوعة التى نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الافلاك الكلية والجزئية وترتيب العناصر والاحكام الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك، مع انهم نصوا
/ صفحة 7 /
على أن هذه الانظار مبتنية على اصول موضوعة لا بينة ولا مبينة.
وأما المتصوفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الانفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق جمل شعرية والاستدلال من كل شئ على كل شئ، حتى آل الامر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل ورد الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك.
ومن الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الاعداد والاوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.
نعم قد وردت روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمه أهل البيت (عليهم السلام) كقولهم: ان للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة ابطن أو إلى سبعين بطنا الحديث.
لكنهم (عليهم السلام) إعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، وسنبين في أوائل سورة آل عمران ان شاء الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الاسلام، وان الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الايات ليس من قبيل المعنى والمفهوم.
وقد نشأ في هذه الاعصار مسلك جديد في التفسير وذلك أن قوما من منتحلي الاسلام في أثر توغلهم في العلوم الطبيعية وما يشابهها المبتنية على الحس والتجربة، والاجتماعية المبتنية على تجربة الاحصاء، مالوا إلى مذهب الحسيين من فلاسفة الاروبة سابقا، أو إلى مذهب أصالة العمل (لا قيمة للادراكات الاترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر).
فذكروا: ان المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم وهو أن: (لا أصالة في الوجود إلا للمادة وخواصها المحسوسة) فما كان الدين يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن يؤل تأويلا.
/ صفحة 8 /
وما يخبر عن وجوده مما لا تتعرض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجه بالقوانين المادية.
وما يتكي عليه التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والامامة وغير ذلك، إنما هي امور روحية، والروح مادية ونوع من الخواص المادية، والتشريع نبوغ خاص اجتماعي يبني قوانينه على الافكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي.
ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلا ما وافق الكتاب، وأما الكتاب فلا يجوز أن يبنى في تفسيره على الآراء والمذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الذي أبطله العلم بالبناء على الحس والتجربة، بل الواجب أن يستقل بما يعطيه القرآن من التفسير إلا ما بينه العلم.
هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحس والتجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، ولا كلام لنا هيهنا في اصولهم العلمية والفلسفية التي اتخذوها اصولا وبنوا عليها ما بنوا.
وإنما الكلام في أن ما اوردوه على مسالك السلف من المفسرين (أن ذلك تطبيق وليس بتفسير) وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، وإن صرحوا أنه حق التفسير الذي يفسر به القرآن بالقرآن.
ولو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئا، فما بالهم يأخذون الانظار العلمية مسلمة لا يجوز التعدي عنها؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف اصلاحا.
وانت بالتأمل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: ان الجميع مشتركة في نقص وبئس النقص، وهو تحميل ما انتجه الابحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا وسمي به التطبيق تفسيرا، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات.
ولازم ذلك (كما أومأنا إليه في أوائل الكلام) أن يكون القرآن الذي يعرف
/ صفحة 9 /
نفسه (بأنه هدى للعالمين ونور مبين وتبيان لكل شئ) مهديا إليه بغيره ومستنيرا بغيره ومبينا بغيره، فما هذا الغير ! وما شأنه ! وبماذا يهدي إليه ! وما هو المرجع والملجا إذا اختلف فيه ! وقد اختلف واشتد الخلاف.
وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم (مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي) الكلمات أو الآيات، فإنما هو كلام عربي مبين لا يتوقف في فهمه عربي ولا غيره ممن هو عارف باللغة واساليب الكلام العربي.
وليس بين آيات القرآن (وهي بضع آلاف آية) آية واحدة ذات اغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحير الذهن في فهم معناها، وكيف ! وهو افصح الكلام ومن شرط الفصاحة خلو الكلام عن الاغلاق والتعقيد، حتى أن الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها، في غاية الوضوح من جهة المفهوم، وإنما التشابه في المراد منها وهو ظاهر.
وإنما الاختلاف كل الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها ومركبها، وفي المدلول التصوري والتصديقي.
توضيحه: ان الانس والعادة (كما قيل) يوجبان لنا ان يسبق إلى أذهاننا عند استماع الالفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة فإن المادة هي التي يتقلب فيها ابداننا وقوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحيوة الدنيوية، فإذا سمعنا الفاظ الحيوة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والارادة والرضا والغضب والخلق والامر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية لمفاهيمها.
وكذا إذا سمعنا الفاظ السماء والارض واللوح والقلم والعرش والكرسي والملك واجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى افهامنا مصاديقها الطبيعية.
وإذا سمعنا: إن الله خلق العالم وفعل كذا وعلم كذا وأراد أو يريد أو شاء وأو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا.
وإذا سمعنا نحو قوله: (ولدينا مزيد الآية) وقوله: (لا تخذناه من لدنا الآية)
/ صفحة 10 /
وقوله: (وما عند الله خير الآية).
وقوله: (إليه ترجعون الآية) قيدنا معنى الحضو بالمكان.
وإذا سمعنا نحو قوله: (إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الآية).
أو قوله: (ونريد ان نمن الآية) أو قوله: (يريد الله بكم اليسر الآية) فهمنا: أن الجميع سنخ واحد من الارادة، لما إن الامر على ذلك فيما عندنا، وعلى هذا القياس.
وهذا شأننا في جميع الالفاظ المستعملة، ومن حقنا ذلك، فإن الذي أوجب علينا وضع الفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم والتفهم، والاجتماع إنما تعلق به الانسان ليستكمل به في الافعال المتعلقة بالمادة ولواحقها، فوضعنا الالفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات واغراضا عائدة الينا.
وكان ينبغي لنا ان نتنبه: أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل كما ان السراج أول ما عمله الانسان كان اناء فيه فتيلة وشئ من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضائه به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي ولم يبق من اجزاء السراج المعمول أولا الموضوع بازائه لفظ السراج شئ ولا واحد.
وكذا الميزان المعمول أولاو، الميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلا.
والسلاح المتخذ سلاحا أول يوم، السلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك.
فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدتجميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلا لان المراد في التسمية إنما هو من الشئ غايتة، لا شكله وصورتة، فما دام غرض التوزين االاستضائة أو الدفاع باقيا كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله.
فكان ينبغي لنا ان نتنبه أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك مما لا مطمع فيه البتة، ولكن العادة والانس منعانا ذلك، وهذا هو الذي دعى المقلدة من أصحاب الحديث من الحشوية والمجسمة ان يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير وليس في الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة والانس في تشخيص المصاديق.
/ صفحة 11 /
لكن بين هذه الظواهر أنفسها امور تبين: أن الاتكاء والاعتماد على الانس والعادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها ويختل به أمر الفهم كقوله تعالى: (ليس كمثله شئ الآية).
وقوله: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير).
وقوله: (سبحان الله عما يصفون).
وهذا هو الذي دعى الناس أن لا يقتصروا على الفهم العادي والمصداق المأنوس به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عالخطاء والحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعى الانسان إلى ان يتمسك بذيل البحث العلمي، وأجاز ذلك للبحث ان يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصدة العالية، وذلك على احد وجهين، احدهما: ان نبحث بحثا علميا أو فلسفيا أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي بالآية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير ان القرآن لا يرتضيها كما عرفت، وثانيهما: ان نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها بالخواص التي تعطيها الايات، كما قال تعالى: (إنا نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكلشئ الاية).
وحاشا أن يكون القرآن تبيانا لكلشئ ولا يكون تبيانا لنفسه، وقال تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان الآية).
وقال تعالى: (إنا أنزلنا اليكم نورا مبينا الآية).
وكيف يكون القرآن هدى وبينة وفرقانا ونورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو اشد الاحتياج ! وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا الاية).
واي جهاد اعظم من بذل الجهد في فهم كتابه ! واي سبيل اهدى إليه من القرآن !.
والايات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم والمتشابه في اوائل سورة آل عمران.
ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي علمه القرآن وجعله معلما لكتابه كما يقول تعالى: (نزل به الروح الامين على قلبك الاية).
ويقول: (وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم الاية).
ويقول: يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الاية).
وعترته واهل بيته (الذين اقامهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا المقام في الحديث المتفق
/ صفحة 12 /
عليه بين الفريقين (إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
وصدقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عز من قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
وقال: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا إلمطهرون الاية) وقد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل الينا من اخبارهم في التفسير.
وسنورد ما تيسر لنا مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وائمه أهل بيته في ضمن ابحاث روائية في هذا الكتاب، ولا يعثر المتتبع الباحث فيها على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الاية بحجة نظرية عقلية ولا فرضية علمية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وإليه وسلم: (فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فانه شافع مشفع وما حل مصدق، من جعله امامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب ويخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويقل التربص).
وقال علي (عليه السلام): (يصف القرآن على ما في النهج) (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض الخطبة).
هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلموا القرآن وهداته صلوات الله عليهم.
وسنضع ما تيسر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية.
واحترزنا فيها عن أن نضع الانكتة ادبية يحتاج إليها فهم الاسلوب العربي أو مقدمة بديهية أو عملية لا يختلف فيها الافهام.
/ صفحة 13 /
وقد تحصل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ الكلام فيما نذكره: (1) المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته من الحيوة والعلم والقدرة والسمع والبصر والوحدة وغيرها، وأما الذات فستطلع أن القرآن يراه غنيا عن البيان.
(2) المعارف المتعلقة بافعاله تعالى من الخلق والامر والارادة والمشية والهداية والاضلال والقضاء والقدر والجبر والتفويض والرضا والسخط، إلى غير ذلك من متفرقات الافعال.
(3) المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه وبين الانسان كالحجب واللوح والقلم والعرش والكرسي والبيت المعمور والسماء والارض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك.
(4) المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا.
(5) المعارف المتعلقة بالانسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه ومعرفة نفسه ومعرفة اصول اجتماعه ومعرفة النبوة والرسالة والوحي والالهام والكتاب والدين والشريعة، ومن هذا الباب مقامات الانبياء المستفادة من قصصهم المحكية.
(6) المعارف المتعلقة بالانسان بعد الدنيا، وهو البرزخ والمعاد.
(7) المعارف المتعلقة بالاخلاق الانسانية، ومن هذا الباب ما يتعلق بمقامات الاولياء في صراط العبودية من الاسلام والايمان والاحسان والاخبات والاخلاص وغير ذلك.
وأما آيات الاحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه.
وقد أفاد هذه الطريقة من البحث إرتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى المخالف للظاهر من بين الآيات، وأما التأويل بالمعنى الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، فسترى أنه ليس من قبيل المعاني.
ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من ابحاث روائية نورد اما تيسر لنا ايراده من الروايات المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة والخاصة، وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين.
فإنها
/ صفحة 14 /
على ما فيها من الخط والتناقض لا حجة فيها على مسلم.
وسيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم (عليه السلام)، ان هذه الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة في التفسير التي سلكها معلموه سلام الله عليهم.
ثم وضعنا ابحاثا مختلفة، فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية، حسب ما تيسر لنا من البحث، وقد أثرنا في كل بحث قصر الكلام على المقدمات المسانخة له، من غير تعد عن طور البحث.
نسئل الله تعالى السداد والرشاد فانه خيرمعين وهاد الفقير إلى الله: محمد حسين الطباطبائي
/ صفحة 15 /
(1 - سورة الحمد وهي سبع آيات) بسم الله الرحمن الرحيم - 1.
الحمد لله رب العالمين - 2.
الرحمن الرحيم - 3.
مالك يوم الدين - 4.
إياك نعبد واياك نستعين - 5.
(بيان) قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الناس ربما يعملون عملا أو يبتدئون في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك مبا ركا بذلك متشرفا، أو ليكون ذكرى يذكرهم به، ومثل ذلك موجود أيضا في باب التسمية فربما يسمون المولود الجديد من الانسان، أو شيئا مما صنعوه أو عملوه كدار بنوها أو مؤسسة اسسوها باسم من يحبونه أو يعظمونه، ليبقى لاسم ببقاء المسمى الجديد، ويبقى المسمى الاول نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمى ولده باسم والده ليحيى بذلك ذكره فلا يزول ولا ينسى.
وقد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عز إسمه، ليكون ما، يتضمنه من المعنى معلما باسمه مرتبطا به، وليكون أدبا يؤدب به العباد في الاعمال والافعال والاقوال، فيبتدئوا باسمه ويعملوا به، فيكون ما يعملونه معلما باسمه منعوتا بنعته تعالى مقصودا لاجله سبحانه فلا يكون العمل هالكا باطلا مبترا، لانه باسم الله الذي لا سبيل للهلاك والبطلان إليه.
وذلك أن الله سبحانه يبين في مواضع من كلامه: أن ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل، وأنه: سيقدم إلى كل عمل عملوه مما ليس لوجهه الكريم، فيجعله هبائا منثورا، ويحبط ما صنعوا ويبطل ما كانوا يعملون، وانه لا بقاء لشئ إلا وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم وصنع باسمه هو الذي يبقى ولا يفنى، وكل أمر من الامور انما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، وهذا هو الذي يفيده ما رواه الفريقان عن
/ صفحة 16 /
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال: [ كل امر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو ابتر الحديث ].
والابتر هو المنقطع الآخر، فالانسب ان متعلق الباء في البسملة ابتدئ بالمعنى الذي ذكرناه فقد ابتدء بها الكلام بما انه فعل من الافعال، فلا محالة له وحدة، ووحدة الكلام بوحدة مدلوله ومعناه، فلا محالة له معنى ذا وحدة، وهو المعنى المقصود افهامه من إلقاء الكلام، والغرض المحصل منه.
وقد ذكر الله سبحانه الغرض المحصل من كلامه الذي هو جملة القرآن إذ قال تعالى: (قد جائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله الآية) المائدة - 16.
إلى غير ذلك من الآيات التي أفاد فيها: ان الغاية من كتابه وكلام هداية العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة باسم الله الرحمن الرحيم، فهو الله الذي إليه مرجع العباد، وهو الرحمن يبين لعباده سبيل رحمته العامة للمؤمن والكافر، مما فيه خيرهم في وجودهم وحياتهم، وهو الرحيم يبين لهم سبيل رحمته الخاصة بالمؤمنين وهو سعادة آخرتهم ولقاء ربهم وقد قال تعالى: (ورحمتي وسعت كلشئ وفسأكتبها للذين يتقون).
الاعراف - 156.
فهذا بالنسبة إلى جملة القرآن.
ثم إنه سبحانه كرر ذكر السورة في كلامه كثيرا كقوله تعالى: (فأتوا بسورة مثله) يونس - 38.
وقوله: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) هود - 13.
وقوله تعالى: (إذا أنزلت سورة) التوبة - 86.
وقوله: (سورة انزلناها وفرضناها) النور - 1.
فبان لنا من ذلك: أن لكل طائفة من هذه الطوائف من كلامه (التي فصلها قطعا قطعا، وسمى كل قطعة سورة) نوعا من وحدة التأليف والتمام، لا يوجد بين أبعاض من سورة ولا بين سورة وسورة، ومن هنا نعلم: أن الاغراض والمقاصد المحصلة من السور مختلفة، وأن كل واحدة منها مسوقة لبيان معنى خاص ولغرض محصل لا تتم السورة إلا بتمامه، وعلي هذا فالبسملة في مبتدإ كل سورة راجعة إلى الغرض الخاص من تلك السورة.
فالبسملة في سورة الحمد راجعة إلى غرض السورة و المعنى المحصل منه، والغرض الذي يدل عليه سرد الكلام في هذه السورة هو حمد الله باظهار العبودية له سبحانه بالافصاح
/ صفحة 17 /
عن العبادة والاستعانة وسؤال الهداية، فهو كلام يتكلم به الله سبحانه نيابة عن العبد، ليكون متأدبا في مقام اظهار العبودية بما أدبه الله به.
وإظهار العبودية من العبد هو العمل الذى يتلبس به العبد، والامر ذو البال الذي يقدم عليه، فالابتداء باسم الله سبحانه الرحمن الرحيم راجع إليه، فالمعنى بإسمك أظهر لك العبودية.
فمتعلق الباء في بسملة الحمد الابتداء ويراد به تتميم الاخلاص في مقام العبودية بالتخاطب.
وربما يقال انه الاستعانة ولا بأس به ولكن الابتداء انسب لاشتمال السورة على الاستعانة صريحا في قوله تعالى: (واياك نستعين).
وأما الاسم، فهو اللفظ الدال على المسمى مشتق من السمة بمعنى العلامة أو من السمو بمعنى الرفعة وكيف كان فالذي يعرفه منه اللغة والعرف هو اللفظ الدال ويستلزم ذلك، أن يكون غير المسمى، وأما الاسلام بمعنى الذات مأخوذا بوصف من أوصافه فهو من الاعيان لامن الالفاظ وهو مسمى الاسم بالمعنى الاول كما ان لفظ العالم (من اسماء الله تعالى) اسم يدل على مسماه وهو الذات ماخوذة بوصف العلم وهو بعينه إسم بالنسبة إلى الذات الذي لا خبر عنه الا بوصف من اوصافه ونعت من نعوته والسبب في ذلك أنهم وجدوا لفظ الاسم موضوعا للدال على المسمى من الالفاظ، ثم وجدوا أن الاوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات وتدل عليه حالها حال اللفظ المسمى بالاسم في أنها تدل على ذوات خارجية، فسموا هذه الاوصاف الدالة على الذوات أيضا أسماء فانتج ذلك ان الاسم كما يكون أمرا لفظيا كذلك يكون أمرا عينيا، ثم وجدوا ان الدال على الذات القريب منه هو الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، وان الاسم بالمعنى الاول إنما يدل على الذات بواسطته، ولذلك سموا الذي بالمعنى الثاني إسما، والذي بالمعنى الاول اسم الاسم، هذا ولكن هذا كله أمر أدى إليه التحليل النظري ولا ينبغي أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللغة ما ذكرناه.
وقد شاع النزاع بين المتكلمين في الصدر الاول من الاسلام في أن الاسم عين المسمى أو غيره وطالت المشاجرات فيه، ولكن هذا النوع من المسائل قد اتضحت اليوم إتضاحا يبلغ إلى حد الضرورة ولا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل وما يقال فيها
/ صفحة 18 /
والعناية بابطال ما هو الباطل وإحقاق ما هو الحق فيها، فالصفح عن ذلك اولى.
وأما لفظ الجلالة فالله أصله الاله، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإله من أله الرجل يأله بمعني عبد، أو من اله الرجل أو وله الرجل أي تحير، فهو فعال بكسر الفاء بمعنى المفعول ككتاب بمعنى المكتوب سمي إلها لانه معبود أو لانه مما تحيرت في ذاته العقول، والظاهر انه علم بالغلبة، وقد كان مستعملا دائرا في الالسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهلي كما يشعر به قوله تعالى: (ولئن سئلتهم من خلقهم ليقولن الله) الزخرف - 87، وقوله تعالى: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) الانعام - 136.
ومما يدل على كونه علما انه يوصف بجميع الاسماء الحسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الاسماء من غير عكس، فيقال: ألله لرحمن الرحيم ويقال: رحم الله وعلم الله، ورزق الله، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشئ منها ولا يؤخذ منه ما يوصف به شئ منها.
ولما كان وجوده سبحانه، وهو آله كل شئ يهدي إلى إتصافه بجميع الصفات الكمالية كانت الجميع مدلولا عليها به بالالتزام، وصح ما قيل إن لفظ الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال وإلا فهو علم بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدل عليه مادة إله.
واما الوصفان: الرحمن الرحيم، فهما من الرحمة، وهي وصف انفعالي وتأثر خاص يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره فيبعث الانسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلا ان هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الاعطاء والافاضة لرفع الحاجة وبهذا المعنى يتصف سبحانه بالرحمة.
والرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدل على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبهة تدل على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن ان يدل علي الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيرا في القرآن، قال تعالى: (الرحمن على العرش استوى) طه - 5.
وقال (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم - 75.
إلى غير ذلك، ولذلك أيضا ناسب الرحيم ان يدل على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تقاض على المؤمن كما قال تعالى: (وكان
/ صفحة 19 /
بالمؤمنين رحيم) الاحزاب - 43.
وقال تعالى: (إنه بهم رؤف رحيم) التوبة - 117.
إلى غير ذلك، ولذلك قيل: ان الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص بالمؤمن.
وقوله تعالى: الحمد لله، الحمد على ما قيل: هو الثناء على الجميل الاختياري والمدح اعم منه، يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، ويقال: مدحت اللؤلؤ علي صفائه ولا يقال: حمدته على صفائه، واللام فيه للجنس أو الاستغراق والمال هيهنا واحد.
وذلك ان الله سبحانه يقول: (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ) غافر - 62.
فأفاد أن كل ما هو شئ فهو مخلوق لله سبحانه، وقال: (الذي أحسن كل شئ خلقه) السجدة - 7 فأثبت الحسن لكل شئ مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلا وهو حسن جميل باحسانه ولا حسن إلا وهو مخلوق له منسوب إليه، وقد قال تعالى: (هو الله الواحد القهار) الزمر - 4.
وقال: (وعنت الوجوه للحي القيوم) طه - 111.
فانباء انه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ولا يفعل ما فعل باجبار من مجبر بل خلقه عن علم واختيار فما من شئ إلا وهو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل، وأما من جهة الاسم فقد قال تعالى: (الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى) طه - 8.
وقال تعالى: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) الاعراف - 180.
فهو تعالى جميل في اسمائه وجميل في أفعاله، وكل جميل منه.
فقد بان انه تعالى محمود على جميل اسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنه ما من حمد يحمده حامد لامر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقه لان الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كل حمد.
ثم ان الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الذي في قوله: (إياك نعبد لآية) إن السورة من كلام العبد، وانه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد نفسه وما ينبغي ان يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، وهو الذي يؤيده قوله: (الحمد لله)
/ صفحة 20 /
وذلك إن الحمد توصيف، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: (سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) الصافات - 160.
والكلام مطلق غير مقيد ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح (عليه السلام) فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين) المؤمنون - 28.
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) ابراهيم - 39.
وقال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في بضعة مواضع من كلامه: (وقل الحمد لله) النمل - 93.
وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان (عليه السلام) (وقالا الحمد لله) النمل - 15.
وإلا ما حكاه عن أهل الجنة وهم المطهرون من غل الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله: (وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين) يونس - 10.
وأما غير هذه الموارد فهو تعالى وان حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) الشورى - 5.
وقوله (ويسبح الرعد بحمده) الرعد - 13.
وقوله (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) الاسراء - 44.
إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الاصل في الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الافعال، قال تعالى: (ولا يحيطون به علما) طه - 110 فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه ويسبحوه عن ما حدوه وقدروه بافهامهم، قال تعالى: (ان الله يعلم وانتم لا تعلمون) النحل - 74، وأما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان ان الذي يقتضيه أدب العبودية ان يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه ولا يتعدى عنه، كما في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث) فقوله في أول هذه السورة: الحمد لله، تأديب بادب عبودي، ما كان للعبد
/ صفحة 21 /
ان يقوله لو لا ان الله تعالى قاله نيابة وتعليما لما ينبغي الثناء به.
وقوله تعالى: رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين اه (وقرا الاكثر ملك يوم الدين) فالرب هو المالك الذي يدبر امر مملوكه، ففيه معنى الملك، ومعنى الملك (الذي عندنا في ظرف الاجتماع) هو نوع خاص من الاختصاص وهو نوع قيام شئ بشئ يوجب صحة التصرفات فيه، فقولنا العين الفلانية ملكنا معناه: ان لها نوعا من القيام والاختصاص بنا يصح معه تصرفاتنا فيها ولو لا ذلك لم تصح تلك التصرفات وهذا في الاجتماع معنى وضعي اعتباري غير حقيقي وهو مأخوذ من معنى آخر حقيقي نسميه أيضا ملكا، وهو نحو قيام اجزاء وجودنا وقوانا بنا فان لنا بصرا وسمعا ويدا ورجلا، ومعنى هذا الملك انها في وجودها قائمة بوجودنا غير مستقلة دوننا بل مستقلة باستقلالنا ولنا ان نتصرف فيها كيف شئنا وهذا هو الملك الحقيقي.
والذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة هو حقيقة الملك دون الملك الاعتباري الذى يبطل ببطلان الاعتبار والوضع، ومن المعلوم ان الملك الحقيقي لا ينفك عن التدبير فان الشئ إذا افتقر في وجوده إلى شئ فلم يستقل عنه في وجوده لم يستقل عنه في آثار وجوده، فهو تعالى رب لما سواه لان الرب هو المالك المدبر وهو تعالى كذلك.
واما العالمين: فهو جمع العالم بفتح اللام بمعنى ما يعلم به كالقالب والخاتم والطابع بمعنى ما يقلب به وما يختم به، وما يطبع به يطلق على جميع الموجودات وعلى كل نوع مؤلف الافراد والاجزاء منها كعالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان وعالم الانسان وعلى كل صنف مجتمع الافراد ايضا كعالم العرب وعالم العجم وهذا المعنى هو الانسب لما يؤل إليه عد هذه الاسماء الحسنى حتى ينتهي إلى قوله مالك يوم الدين على ان يكون الدين وهو الجزاء يوم القيمة مختصا بالانسان أو الانس والجن فيكون المراد بالعالمين عوالم الانس والجن وجماعاتهم ويؤيده ورود هذا اللفظ بهذه العناية في القرآن كقوله تعالى (واصطفاك على نساء العالمين) آل عمران - 42.
وقوله تعالى: (ليكون للعالمين نذيرا) فرقان - 1، وقوله تعالى: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من
/ صفحة 22 /
العالمين) الاعراف - 80.
واما مالك يوم الدين: فقد عرفت معنى المالك وهو المأخوذ من الملك بكسر الميم، واما الملك وهو مأخوذ من الملك بضم الميم، فهو الذي يملك النظام القومي وتدبيرهم دون العين، وبعبارة اخرى يملك الامر والحكم فيهم.
وقد ذكر لكل من القرائتين، ملك ومالك، وجوه من التأييد غير ان المعنيين من السلطنة ثابتان في حقه تعالى، والذي تعرفه اللغة والعرف ان الملك بضم الميم هو المنسوب إلى الزمان يقال: ملك العصر الفلاني، ولا يقال مالك العصر الفلاني الا بعناية بعيدة، وقد قال تعالى: ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم، وقال ايضا: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) غافر - 16.
(بحث روائي) في العيون والمعاني عن الرضا (عليه السلام) في معنى قوله: بسم الله قال (عليه السلام): يعني أسم نفسي بسمة من سمات الله وهى العبادة، قيل له: ما السمة؟ قال العلامة.
اقول وهذا المعنى كالمتولد من المعنى الذي اشرنا إليه في كون الباء للابتداء فان العبد إذا وسم عبادته باسم الله لزم ذلك ان يسم نفسه التي ينسب العبادة إليها بسمة من سماته، وفي التهذيب عن الصادق (عليه السلام) وفي العيون وتفسير العياشي عن الرضا (عليه السلام): انها اقرب الى اسم الله الاعظم من ناظر العين إلى بياضها.
اقول: وسيجئ معنى الرواية في الكلام على الاسم الاعظم.
وفي العيون عن امير المؤمنين (عليه السلام): انها من الفاتحة وان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرئها ويعدها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني.
اقول: وروي من طرق اهل السنة والجماعة نظير هذا المعنى فعن الدار قطني عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، فانها ام القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم احدى آياتها.
وفي الخصال عن الصادق (عليه السلام) قال: ما لهم؟ قاتلهم الله عمدوا إلى اعظم آية في كتاب الله فزعموا انها بدعة إذا اظهروها.
/ صفحة 23 /
وعن الباقر (عليه السلام): سرقوا اكرم آية في كتاب الله، بسم الله الرحمن الرحيم، وينبغي الاتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه.
اقول: والروايات عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيره، وهي جميعا تدل على ان البسملة جزء من كل سورة إلا سورة البراءة، وفي روايات اهل السنة والجماعة ما يدل على ذلك.
ففي صحيح مسلم عن أنس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انزل علي آنفا سورة فقرا: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعن أبي داود عن ابن عباس (وقد صححوا سندها) قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يعرف فصل السورة، (وفي رواية انقضاء السورة) حتى ينزل عليه، بسم الله الرحمن الرحيم.
اقول: وروي هذا المعنى من طرق الخاصة عن الباقر (عليه السلام).
وفي الكافي والتوحيد والمعاني وتفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) في حديث: والله إله كل شئ، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة، وروي عن الصادق (عليه السلام): الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة.
اقول: قد ظهر مما مر وجه عموم الرحمن للمؤمن والكافر واختصاص الرحيم بالمؤمن، وأما كون الرحمن اسما خاصا بصفة عامة والرحيم اسما عاما بصفة خاصة فكأنه يريد به أن الرحمن خاص بالدنيا ويعم الكافر والمؤمن والرحيم عام للدنيا والآخرة ويخص المؤمنين، وبعبارة اخرى: الرحمن يختص بالافاضة التكوينية التي يعم المؤمن والكافر، والرحيم يعم التكوين والتشريع الذي بابه باب الهداية والسعادة، ويختص بالمؤمنين لان الثبات والبقاء يختص بالنعم التي تفاض عليهم والعاقبة للتقوي.
وفي كشف الغمة عن الصادق (عليه السلام) قال: فقد لابي (عليه السلام) بغلة فقال لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضيها فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها - فلما استوى وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال الحمد لله ولم يزد، ثم قال ما تركت ولا ابقيت
/ صفحة 24 /
شيئا جعلت أنواع المحامد لله عز وجل، فما من حمد الا وهو داخل فيها.
قلت: وفي العيون عن علي (عليه السلام): انه سئل عن تفسيرها فقال: هو ان الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لانها اكثر من ان تحصى أو تعرف، فقال: قولوا الحمد لله على ما انعم به علينا.
اقول: يشير (عليه السلام) إلى ما مر من أن الحمد، من العبد وانما ذكره الله بالنيابة تأديبا وتعليما.
(بحث فلسفي) البراهين العقلية ناهضة على ان استقلال المعلول وكل شأن من شئونه انما هو بالعلة، وان كل ما له من كمال فهو من اظلال وجود علته، فلو كان للحسن والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لانه العلة التي ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو اظهار موجود ما بوجوده كمال موجود آخر وهو لا محالة علته، وإذا كان كل كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كل ثناء وحمد تعود وتنتهى إليه تعالى، فالحمد لله رب العالمين.
قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين الآية، العبد هو المملوك من الانسان أو من كل ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى: (إن كل من في السموات والارض إلا اتي الرحمن عبدا) مريم - 93.
والعبادة مأخوذة منه وربما تفرقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي فيها لاختلاف الموارد، وما ذكره الجوهري في الصحاح أن أصل العبودية الخضوع فهو من باب الاخذ بلازم المعنى وإلا فالخضوع متعد باللام والعبادة متعدية بنفسها.
وبالجملة فكأن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه ولذلك كانت العبادة منافية للاستكبار وغير منافية للاشتراك فمن الجائزان يشترك ازيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد، قال تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر - 60 وقال تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف - 110
/ صفحة 25 /
فعد الاشراك ممكنا ولذلك نهى عنه، والنهى لا يمكن الا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فانه لا يجامعها.
والعبودية انما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم، واما ما لا يتعلق به الملك من شئون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به عبادة ولا عبودية، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه ولا ان العبد يتبعض في نسبته إليه تعالى فيكون شئ منه مملوكا وشئ، آخر غير مملوك، ولا تصرف من التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير جائز كما ان العبيد فيما بيننا شئ منهم مملوك وهو افعالهم الاختيارية وشئ غير مملوك وهو الاوصاف الاضطرارية، وبعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين، الرب مقصور في المالكية، والعبد مقصور في العبودية، وهذه هي التي يدل عليه قوله: اياك نعبد حيث قدم المفعول واطلقت العبادة.
ثم ان الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر، فلا يكون حاجبا عن مالكه ولا يحجب عنه، فانك إذا نظرت إلى دار زيد فان نظرت إليها من جهة انها دار امكنك ان تغفل عن زيد، وان نظرت إليها بما انها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد.
ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الا المملوكية فقط وهذه حقيقتة فشئ منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه: (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط) حم السجدة - 54 وإذا كان كذلك فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين.
اما من جانب الرب عز وجل، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات (المأخوذ في قوله تعالى اياك نعبد) عن الغيبة إلى الحضور.
/ صفحة 26 /
واما من جانب العبد، فان يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير ان يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى وجسدا من غير روح، أو يتبعض فيشتغل بربه وبغيره، اما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم لله ولاصنامهم معا، أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والاغراض، كأن يعبد الله وهمه في غيره، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فان ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي، قال تعالى: (فا عبد الله مخلصا له الدين) الزمر - 2، وقال تعالى: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) الزمر - 3.
فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الذي ذكرناه، وقد ظهر انه انما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد اعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق قلبه في عبادته رجائا أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الانية والاستكبار، وكأن الاتيان بلفظ المتكلم مع الغير للايماء إلى هذه النكتة فان فيه هضما للنفس بالغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الانية والاستقلال بخلاف ادخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس فان فيه امحاء التعين واعفاء الاثر فيؤمن به ذلك.
وقد ظهر من ذلك كله: ان اظهار العبودية بقوله: إياك نعبد، لا يشتمل على نقص من حيث المعنى ومن حيث الاخلاص الا ما في قوله: اياك نعبد من نسبة العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود والقدرة والارادة مع انه مملوك والمملوك لا يملك شيئا، فكأنه تدورك ذلك بقوله تعالى واياك نستعين، أي انما ننسب العبادة إلى انفسنا وندعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلين بذلك مدعين ذلك دونك، فقوله: إياك نعبد واياك نستعين، لابداء معنى واحد وهو العبادة عن اخلاص، ويمكن ان يكون هذا هو الوجه في اتحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابي حيث قيل اياك نعبد واياك نستعين من دون ان يقال: اياك نعبد اعنا واهدنا الصراط المستقيم
/ صفحة 27 /
واما تغيير السياق في قوله: اهدنا الصراط الآية.
فسيجئ الكلام فيه ان شاء الله تعالى.
فقد بان بما مر من البيان في قوله، اياك نعبد واياك نستعين الاية، الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه في الحصر الذي يفيده تقديم المفعول، والوجه في اطلاق قوله: نعبد، والوجه في اختيار لفظ المتكلم مع الغير، والوجه في تعقيب الجملة الاولى بالثانية، والوجه في تشريك الجملتين في السياق، وقد ذكر المفسرون نكات اخرى في اطراف ذلك من ارادها فليراجع كتبهم وهو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه.
/ صفحة 28 /
اهدنا الصراط المستقيم - 6.
صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - 7.
بيان قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم الخ، اما الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط واما الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بين انه الصراط الذي يسلكه الذين انعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة اي: ان العبد يسئل ربه ان تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط.
بيان ذلك: ان الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الانسان بل لجميع من سواه سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى: (يا ايها الانسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) الانشقاق - 6 وقال تعالى: (واليه المصير) التغابن - 3، وقال: (الا إلى الله تصير الامور) الشورى - 53، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلاله على ان الجميع سالكوا سبيل، وانهم سائرون إلى الله سبحانه.
ثم بين: إن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال: الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وان اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس - 61.
فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى (فاني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة - 186، وقال تعالى: (ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر - 60، فبين تعالى: انه قريب من عباده وان الطريق الاقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: (أولئك ينادون من مكان بعيد) السجدة - 44 فبين: ان غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.
فتبين: ان السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل
/ صفحة 29 /
بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى: (ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء) الاعراف - 40 ولو لا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) طه - 81.
والهوي هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة - 108، فعرف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلثه اقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى ألسفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون، وربما اشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلث اعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الاول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا ان قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) المجادلة - 11.
يدل على ان نفس الطريق الاول ايضا يقع فيه انقسام.
وبيانه: ان كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة - 108.
وفي هذا المعنى قوله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) يس - 62.
والقرآن يعد الشرك ظلما وبالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الامر: (اني كفرت بما اشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) ابراهيم - 22.
كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام - 82 وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والامن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس الايمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم امرها واحد وهي متلازمة مصداقا، وهذا هو المراد من قولنا: ان كل واحد منها معرف بالآخر أو
/ صفحة 30 /
هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم.
إذا عرفت هذا علمت ان الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا يقع فيه شرك ولا ظلم البته كما لا يقع فيه ضلال البته، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والاركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حق التوحيد علما وعملا إذ لا ثالث لهما وما ذا بعد الحق الا الضلال؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام - 82، وفيه تثبيت للامن في الطريق ووعد بالاهتداء التام بنائا على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثم انه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) النساء - 68، وقد وصف هذا الايمان والاطاعة قبل هذه الآية بقوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) النساء - 66.
فوصفهم بالثبات التام قولا وفعلا وظاهرا وباطنا على العبودية لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعا لاولئك المنعم عليهم وفي صف دون صفهم لمكان مع ولمكان قوله: (وحسن اولئك رفيقا ولم يقل: فاولئك من الذين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: (والذين آمنو بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونور هم) الحديد - 19.
وهذا هو الحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم اجرهم.
فاؤلئك (وهم اصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدرا وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الذين اخلصوا قلوبهم واعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبر
/ صفحة 31 /
في هذه الآيات يوجب القطع بان هؤلاء المؤمنين و (شأنهم هذا الشأن) فيهم بقية بعد لو تمت فيهم كانوا من الذين انعم الله عليهم، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلهم نوع من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) المجادلة - 11.
فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي ارفع النعم قدرا، يربو على نعمة الايمان التام، وهذا ايضا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثم انه تعالى على انه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل، لم ينسب لنفسه ازيد من صراط مستقيم واحد، وعد لنفسه سبلا كثيرة فقال عز من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت - 69.
وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى احد من خلقه إلا ما في هذه الآية (صراط الذين انعمت عليهم الاية) ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: (قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة) يوسف - 108.
وقال تعالى (سبيل من أناب الي) لقمان - 15.
وقال: (سبيل المؤمنين) النساء - 114.
ويعلم منها: ان السبيل غير الصراط المستقيم فانه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما) يشير إليه قوله تعالى: (قد جائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة - 16، فعد السبل كثيرة والصراط واحدا وهذا الصراط المستقيم اما هي السبل الكثيرة واما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها.
وأيضا قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف - 106.
فبين ان من الشرك (وهو ضلال) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل، ومنه يعلم ان السبيل يجامع الشرك، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: ولا الضالين.
والتدبر في هذه الآيات يعطى ان كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وان كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه
/ صفحة 32 /
غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين انه يتحد مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الايات المذكورة وغيرها كقوله: (وان اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس - 61.
وقوله تعالى: (قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا) الانعام - 161.
فسمى العبادة صراطا مستقيما وسمى الدين صراطا مستقيما وهما مشتركان بين السبل جميعا، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما ان للبدن اطوارا في حيوته هو عند كل طور غيره عند طور آخر، كالصبي والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن ان تطرء عليه اطوار تنافي ما تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الانسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو صراط المستقيم إلا ان السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتبعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت ان الايمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شئ من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو.
وقد بين الله سبحانه هذا المعنى، اعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه، فقال تعالى: (انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال) الرعد - 17.
فبين: ان القلوب والافهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد، وسيجئ تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، وبالجملة فهذا ايضا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
32 وإذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك ان الصراط المستقيم
/ صفحة 33 /
مهيمن على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى ان السبيل إلى الله إنما يكون سبيلا له موصلا إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم حقيقة، مع كون الصراط المستقيم هاديا موصلا إليه مطلقا ومن غير شرط وقيد، ولذلك سماه الله تعالى صراطا مستقيما، فان الصراط هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الذي يريد ان يقوم على ساق فيتسلط على نفسه وما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره، ويرجع المعنى إلى انه الذي لا يتغير أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته وايصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى: (فاما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما) النساء - 174.
اي لا يتخلف امر هذه الهداية، بل هي على حالها دائما، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيما) الانعام - 126.
أي هذه طريقته التي لا يختلف ولا يتخلف، وقال تعالى: (قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر - 42.
أي هذه سنتي وطريقتي دائما من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) الفاطر - 42.
وقد تبين مما ذكرناه في معنى الصراط المستقيم امور.
احدها: ان الطرق إلى الله مختلفة كمالا ونقصا وغلائا ورخصا، في جهة قربها من منبع الحقية والصراط المستقيم كالاسلام والايمان والعبادة والاخلاص والاخبات، كما ان مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية كذلك، قال سبحانه (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم اعمالهم وهم لا يظلمون) الاحقاف - 19.
وهذا نظير المعارف الالهية التى تتلقاها العقول من الله فانها مختلفة باختلاف الاستعدادات ومتلونة بالوان القابليات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى:
/ صفحة 34 /
(انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها الآية).
وثانيها: انه كما إن الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل، فكذلك اصحابه الذين مكنهم الله تعالى فيه وتولى امرهم وولاهم امر هداية عباده حيث قال: (وحسن اولئك رفيقا) النساء - 71.
وقال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوه وهم راكعون) المائدة - 55.
والآية نازلة في أمير المؤمنين علي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاخبار المتواترة وهو (عليه السلام) اول فاتح لهذا الباب من الامة وسيجئ تمام الكلام في الآية.
وثالثها: إن الهداية إلى الصراط يتعين معناها بحسب تعين معناه، وتوضيح ذلك ان الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه ان تعديتها لمفعولين لغة اهل الحجاز، وغيرهم يعدونه إلى المفعول الثاني بالى، وقوله هو الظاهر، وما قيل: ان الهداية إذا تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الايصال إلى المطلوب، وإذا تعدت بالى فبمعنى إرائة، الطريق مستدلا بنحو قوله تعالى: (إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص - 56.
حيث ث إن هدايته بمعنى ارائة الطريق ثابتة فالمنفى غيرها وهو الايصال إلى المطلوب قال تعالى: (وهديناهم صراطا مستقيما) النساء - 70.
وقال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى - 52.
فالهداية بالايصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، والهداية بارائة الطريق بالى، وفيه ان النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية التي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها اصلا، وبعبارة اخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافا إلى انه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: (يا قوم اتبعون اهدكم سبيل الرشاد) غافر - 38.
فالحق انه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ومن الممكن ان يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار.
وبالجملة فالهداية هي الدلالة وارائة الغاية بارائة الطريق وهي نحو ايصال إلى المطلوب، وانما تكون من الله سبحانه، وسنته سنة الاسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بينه الله سبحانه بقوله: (فمن
/ صفحة 35 /
يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) الانعام - 125.
وقوله: (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) الزمر - 23.
وتعدية قوله تلين بالى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان، فهو ايجاده تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أن سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به.
وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين) العنكبوت - 69.
إذ فرق بين ان يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الاول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فانه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به، وكذا يمده الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلت عظمته.
ورابعها: ان الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظا في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها، صح ان يهدي الله الانسان إليه وهو مهدي فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهيه إلى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أن قوله تعالى: إهدنا الصراط (وهو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، ولا يرد عليه: ان سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال، والجواب ظاهر.
وكذا الايراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الامم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين أنعم الله عليهم منهم؟ وذلك ان كون شريعة اكمل من شريعة امر، وكون المتمسك بشريعة اكمل من المتمسك بشريعة امر آخر ورائه، فان المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (مع كون شريعته اكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وابراهيم (عليهما السلام) مع كون شريعتهما اقدم وأسبق، وليس ذلك إلا ان حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها والتخلق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وان كان من اهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر
/ صفحة 36 /
حيوة المعرفة في روحه ولم يتمكن نور الهداية الالهية من قلبه، وإن كان عاملا بالشريعة المحمدية (صلى الله عليه وآله وسلم)