(417)

 

(1) سورة الفاتحة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

1 الحمد الله رب العالمين 2 الرحمن الرحيم 3 ملك يوم الدين 4 إياك نعبد وإياك نستعين 5 اهدنا الصرط المستقيم 6 صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 7 مكية وآياتها سباع (البيان ـ 27)

 

===============

(418)

محل نزولها: المعروف: أن هذه السورة مكية، وعن بعض أنها مدنية، والصحيح هو القول الاول، ويدل على ذلك أمران: الاول: أن فاتحة الكتاب هي السبع المثاني (1) وقد ذكر في سورة الحجر أن السبع المثاني نزلت قبل ذلك، فقال تعالى: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم 15: 87 ".

 وسورة الحجر مكية بلا خلاف: فلا بد وأن تكون فاتحة الكتاب مكية أيضا. الثاني: أن الصلاة شرعت في مكة، وهذا ضروري لدى جميع المسلمين ولم تعهد في الاسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب، وقد صرح النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بذلك بقوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وهذا الحديث منقول عن طريق الامامية وغيرهم. وذهب بعض: إلى أنها نزلت مرتين، مرة في مكة، واخرى في المدينة تعظيما لشأنها، وهذا القول محتمل في نفسه وإن لم يثبت بدليل، ولا يبعد أن يكون هو الوجه في تسميتها بالسبع المثاني، ويحتمل أن يكون الوجه هو وجوب الاتيان بها مرتين في كل صلاة: مرة في الركعة الاولى ومرة في الركعة الثانية.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صرح بذلك في عدة من الروايات: منها رواية الصدوق والبخاري وسنذكرهما بعد هذا. (*)

 

===============

(419)

فضلها: كفى في فضلها: أن الله تعالى قد جعلها عدلا للقرآن العظيم في آية الحجر المتقدمة، وأنه لا بد من قراءتها في الصلاة بحيث لا تغني عنها سائر السور، وأن الصلاة هي عماد الدين، وبها يمتاز المسلم عن الكافر. " وسنبين ـ إن شاء الله تعالى ـ ما اشتملت عليه هذه السورة من المعارف الالهية على اختصارها ". روى الصدوق باسناده عن الحسن بن علي ـ العسكري ـ عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام). أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها: بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: إن الله تعالى قال لي يا محمد: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم 15: 87 ". فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش.. " (1).

وروى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى، قال: " كنت أصلي فدعاني النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فلم أجبه. قلت: يا رسول الله إني كنت اصلي. قال: ألم يقل الله: " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم 24: 8 ". ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج، قلت: يا رسول الله إنك قلت ألا اعلمك أعظم

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 26. (*)

 

===============

(420)

سورة من القرآن؟ قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (1).

آياتها: المعروف بين المسلمين: أن عدد آياتها سبع، بل لا خلاف في ذلك وروي عن حسين الجعفي: أنها ست، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان، وكلا القولين شاذ مخالف لما اتفقت عليه روايات الطريقين من أنها سبع آيات. وقد مر أنها المراد من السبع المثاني في الاية المتقدمة، فمن عد البسملة آية ذهب إلى أن قوله تعالى: " صراط الذين أنعمت عليهم " إلى آخر السورة آية واحدة. ومن لم يعدها آية ذهب إلى أن قوله تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " آية مستقلة. غاياتها: الغاية من السورة المباركة بيان حصر العبادة في الله سبحانه، والايمان بالمعاد والحشر. وهذه هي الغاية القصوى من إرسال الرسول الاكرم وإنزال القرآن، فإن دين الاسلام قد دعا جميع البشر إلى الايمان بالله وإلى توحيده: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله 3: 64 ". وأنه لا يستحق غيره لان يعبد، فالشر ـ وكل موجود مدرك ـ يجب أن يكون خضوعه وتوجهه لله وحده. وبرهان ذلك ـ في هذه السورة الكريمة -

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) البخاري ج 6 ص 103 باب فاتحة الكتاب. (*)

 

===============

(421)

هو أن العاقل إنما يخضع لمن سواه ويعبده، ويتوجه اليه بحوائجه، إما لكمال في ذلك المعبود المستعان ـ والناقص مجبول على الخضوع للكامل ـ وإما لاحسانه وإنعامه عليه، وإما لاحتياج الناقص في جلب منفعة أو دفع مضرة، وإما لقهر الكامل وسلطانه فيخضع له خوفا من مخالفته وعصيانه. هذه هي الاسباب الموجبة للعبادة والخضوع. وأيها ينظر فيه العاقل يراه منحصرا في الله سبحانه. فالله هو المستحق للحمد، فانه المستجمع لجميع صفات الكمال، بحيث لا يتطرق إل ى ساحة قدسه شائبة نقص. والله هو المنعم على جميع العوالم الظاهرية والباطنية المجتمعة والمتدرجة، وهو مربيها تكوينا وتشريعا. والله هو المتصف بالرحمة الواسعة غير القابلة للزوال. والله هو المالك المطلق، والسلطان على الخلق بلا شريك ولا منازع. فهو المعبود بالحق لكماله وإنعامه ورحمته وسلطانه، فلا يتوجه الانسان العاقل إلا إليه، ولا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، لان ما سوى الله ممكن، والممكن محتاج في ذاته. والاستعانة والعبادة لا تكونان إلا للغني: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد 35: 15 ". وبعد أن أثبت تبارك وتعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء بقوله: " الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين " لقن عباده أن يقولوا بألسنتهم وقلوبهم: " إياك نعبد وإياك نستعين ". ثم أشار تعالى إلى أحوال البشر بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإتمام الحجة عليهم، وأنهم قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام: الاول: من شملته العناية الالهية والنعم القدسية، فاهتدى إلى الصراط المستقيم، فسلكه إلى مقصده المطلوب وغايته القصوى، ولم ينحرف عنه يمينا ولا شمالا.

 

===============

(422)

الثاني: من ضل الطريق فانحرف يمنة ويسرة إلا أنه لم يعاند الحق، وإن ضل عنه لتقصيره، وزعم أن ما اتبعه هو الدين، وما سلكه هو الصراط السوي. الثالث: من دعاه حب المال والجاه إلى العناد فعاند الحق ونابذه، سواء أعرف الحق ثم جحده أم لم يعرفه. ومثل هذا ـ في الحقيقة ـ قد عبده هواه، كما أشار سبحانه اليه بقوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه 45: 22 ". وهذا الفريق أشد كفرا من سابقه، فهو يستحق الغضب الالهي بعناده زائدا على ما يستحقه بضلاله. وبما أن البشر لا يخلو من حب الجاه والمال، ولا يؤمن عليه من الوقوع في الضلال، وغلبة الهوى ما لم تشمله الهداية الربانية، كما أشير إلى هذا في قوله تعالى: " ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم 24: 21 ". لقن الله عبيده أن يطلبوا منه الهداية، وأن يقولوا: " إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فالعبد يطلب من ربه الهداية المختصة بالمؤمنين، وقد قال تعالى: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 2: 213 ". ويسأله أن يدخله في زمرة من أنعم عليهم وفي السالكين طريقتهم، كما أشير اليه بقوله تعالى: " أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية

 

===============

(423)

آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا 19: 85 ". وأن لا يسلك طريق الطائفتين الزائغتين عن الهدى: " المغضوب عليهم والضالين ". خلاصة السورة: إنه تعالى مجد نفسه بما يرجع إلى كمال ذاته، ومجدها بما يرجع إلى أفعاله من تربيته العوالم كلها، ورحمته العامة غير المنفكة عنه، وسلطانه يوم الحشر وهو يوم الجزاء، وهذا هو هدف السورة الاولى. ثم حصر به العبادة والاستعانة، فلا يستحق غيره أن يعبد أو يستعان، وهذا هو هدفها الثاني. ثم لقن عبيده أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الحياة الدائمة، والنعيم الذي لا زوال له، والنور الذي لا ظلمة بعده، وهذا هو هدفها الثالث. ثم بين أن هذا الصراط خاص بمن أنعم الله عليهم برحمته وفضله، وهو يغاير صراط من غضب عليهم وصراط الآخرين الذين ضلوا الهدى، وهذا هو هدفها الرابع.

 

===============

(424)

تحليل آية بسم الله الرحمن الرحيم

ـ  اللغة الاسم: في اللغة بمعنى العلامة، وهمزته همزة وصل، وليست من الحروف الاصلية، وفيه لغات كثيرة والمعروف منها أربع: اسم، سم وكلاهما بكسر الاول وضمه وهو مأخوذ من السمو " الارتفاع " باعتبار أن المعنى يرتفع به فيخرج من الخفاء إلى الظهور، فإن المعنى يحضر في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ بعد أن لم يكن فيه، أو باعتبار أن اللفظ يرتفع بالوضع فيخرج من الاهمال إلى الاستعمال، وقيل باشتقاقه من السمة " العلامة " وهو خطأ لان جمع اسم أسماء، وتصغيره سمي، وعند النسبة اليه يقال: سموي واسمي وعند التعدية يقال: سميت وأسميت. ولو كان مأخوذا من السمة لقيل في جمعه أو سام، وفي تصغيره وسيم، وفي النسبة اليه وسمي، وعند التعدية وسمت وأو سمت.

 

===============

(425)

الله: علم للذات المقدسة، وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية، قال لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل وقال سبحانه: " ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله 31: 25 ". ومن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ، ودليلنا على ذلك أمور: الاول: التبادر، فإن لفظ الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة، ولا يشك في ذلك أحد، وبإصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة، وقد حققت حجيتها في علم الاصول. الثاني: ان لفظ الجلالة ـ بما له من المعنى ـ لا يستعمل وصفا، فلا يقال: العالم الله، الخالق الله، على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه الله وهذه آية كون لفظ الجلالة جامدا، وإذا كان جامدا كان علما لا محالة، فإن الذاهب إلى أنه اسم جنس فسره بالمعنى الاشتقاقي. الثالث: أن لفظ الجلالة لو لم يكن علما لما كانت كلمة " لا إله إلا الله " كلمة توحيد، فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حينئذ، كما لا يدل عليه قول: لا إله إلا الرازق، أو الخالق، أو غيرهما من الالفاظ التي تطلق على الله سبحانه، ولذلك لا يقبل إسلام من قال إحدى هذه الكلمات. الرابع: أن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسة، كما تقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم، وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها.

 

===============

(426)

إن قلت: إن وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصور كل منهما، وذات الله سبحانه يستحيل تصورها، لا ستحالة إحاطة الممكن بالواجب، فيمتنع وضع لفظ لها، ولو قلنا بأن الواضع هو الله ـ وأنه لا يستحيل عليه أن يضع إسما لذاته لانه محيط بها ـ لما كانت لهذا الوضع فائدة لاستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه فإن الاستعمال أيضا يتوقف على تصور المعنى كالوضع، على أن هذاالقول باطل في نفسه. قلت: وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على تصوره في الجملة، ولو بالاشارة اليه، وهذا أمر ممكن في الواجب وغيره، والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته، وهذا لا يعتبر في الوضع ولا في الاستعمال، ولو اعتبر ذلك لامتنع الوضع والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا تمكن الاحاطة بكنهها: كالروح والملك والجن، ومما لا يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم الاشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها، وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال، ولم يلحظ فيها ـ في مرحلة الوضع ـ جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال: لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال. إن قلت: إن كلمة " الله " لو كانت علما شخصيا لم يستقم معنى قوله عزاسمه: " وهو الله في السماوات وفي الارض 6: 3 ". وذلك لانها لو كانت علما لكانت الآية قد أثبتت له المكان وهو محال، فلا مناص من أن يكون معناه المعبود، فيكون معنى الآية: وهو المعبود في السماوات والارضين.

 

===============

(427)

قلت: المراد بالآية المباركة أنه تعالى لا يخلو منه مكان، وأنه محيط بما في السماوات وما في الارض، ولا تخفى عليه منها خافية، ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر الآية الكريمة: " يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون 6: 3 ". وقد روى أبو جعفر وهو محمد بن نعمان في ظن الصدوق قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " وهو الله في السماوات وفي الارض 6: 3 ". قال (عليه السلام): " كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته؟ قال: ويحك إن الاماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك، ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق: علما وقدرة وإحاطة وسلطانا... " (1).

والالف واللام: من كلمة الجلالة وإن كانت جزء منها على العلمية، إلا أن الهمزة فيها همزة وصل تسقط في الدرج، إلا إذا وقعت بعد حرف النداء، فتقول ياالله بإثبات الهمزة وهذا مما اختص به لفظ الجلالة، ولم يوجد نظيره في كلام العرب قط، ولا مضايقة في كون كلمة الجلالة من المنقول، وعليه فالاظهر أنه مأخوذ من كلمة " لاه " بمعنى الاحتجاب والارتفاع، فهو مصدر مبني للفاعل، لانه سبحانه هو المرتفع حقيقة الارتفاع التي لا يشوبها انخفاض، وهو ـ في غاية ظهوره بآثاره وآياته ـ محتجب عن خلقه بذاته، فلا تدركه الابصار ولا تصل إلى كنهه الافكار:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 315. (*)

 

===============

(428)

فيك يا أعجوبة الكو * ن غدا الفكر كليلا أنت حيرت ذوي اللب وبلبلت العقولا كلما أقدم فكري * فيك شبرا فر ميلا ناكصا يخبط في عشواء * لا يهدي السبيلا ولا موجب للقول باشتقاقه من " أله " بمعنى عبد، أو " أله " بمعنى تحير ليكون الاله مصدرا بمعنى المفعول ـ ككتاب ـ فانه التزام بما لا يلزم. الرحمن: مأخوذ من الرحمة، ومعناها معروف، وهي ضد القسوة والشدة. قال الله تعالى: " أشداء على الكفار رحمآء بينهم 48: 29. إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم 5: 98 ". وهي من الصفات الفعلية، وليست رقة القلب مأخوذة في مفهومها، بل هي من لوازمها في البشر. فالرحمة ـ دون تجرد عن معناها الحقيقي ـ من صفات الله الفعلية كالخلق والرزق، يوجدها حيث يشاء. قال عز وجل: " ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم 17: 54. يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون 29: 21 ". حسب ما تقتضيه حكمته البالغة. وقد ورد في الآيات طلب الرحمة من الله سبحانه: " وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين 23: 118 ".

 

===============

(429)

وقال غير واحد من المفسرين وبعض اللغويين: إن صيغة الرحمن مبالغة في الرحمة، وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة، سواء أكانت هيئة فعلان مستعملة في المبالغة أم لم تكن، فان كلمة " الرحمن " في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلق، فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شئ. ومما يدلنا على ذلك أنه لا يقال: إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحمن، كما يقال: إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحيم. وكلمة " الرحمن " بمنزلة اللقب من الله سبحانه، فلا تطلق على غيره تعالى، ومن أجل ذلك استعملت في كثير من الآيات الكريمة من دون لحاظ مادتها قال سبحانه: " قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ 36: 15. إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون: 23. هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: 52. ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت 67: 3 ". ومما يقرب اختصاص هذا اللفظ به قوله تعالى: " رب السماوات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا 19: 65 ". فان الملحوظ أن الله تعالى قد اعتنى بكلمة " الرحمن " في هذه السورة " مريم " حتى كررها فيها ست عشرة مرة. وهذا يقرب أن المراد بالآية الكريمة أنه ليس لله سمي بتلك الكلمة. الرحيم: صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة. ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل

 

===============

(430)

غالبا في الغرائز واللوازم غير المنفكة عن الذات: كالعليم والقدير والشريف، والوضيع والسخي والبخيل والعلي والدني. فالفارق بين الصفتين: أن الرحيم يدل على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها، والرحمن يدل على ثبوت الرحمة فقط. ومما يدل على أن الرحمة في كلمة " رحيم " غريزة وسجية: أن هذه الكلمة لم ترد في القرآن عند ذكر متعلقها إلا متعدية بالباء، فقد قال تعالى: " إن الله بالناس لرؤف رحيم 1432. وكان بالمؤمنين رحيما 33: 43 ". فكأنها عند ذكر متعلقها انسلخت عن التعدية إلى اللزوم. وذهب الآلوسي إلى أن الكلمتين ليستا من الصفات المشبهة، بقرينة إضافتهما إلى المفعول في جملة: " رحمن الدنيا والآخرة وحريمهما ". والصفة المشبهة لا بد من أن تؤخذ من اللازم (1).

وهذا الاستدلال غريب، لان الاضافة في الجملة المذكورة ليست من الاضافة إلى المفعول بل هي من الاضافة إلى المكان أو الزمان. ولا يفرق فيها بين اللازم والمتعدي. ثم إنه قد ورد في بعض الروايات: أن " الرحمن " اسم خاص ومعناه عام وأما لفظ " الرحيم " فهو اسم عام، ومعناه خاص ومختص بالآخرة أو بالمؤمنين (2) إلا أنه لا مناص من تأويل هذه الروايات أو طرحها، لمخالفتها الكتاب العزيز، فانه قد استعمل فيه لفظ " الرحيم من غير اختصاص بالمؤمنين أو بالآخرة ففي الكتاب العزيز:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الآلوسي ج 1 ص 59.

(2) تفسير الطبري ج 1 ص 43، وتفسير البرهان ج 1 ص 28. (*)

 

===============

(431)

" فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم 14: 36. نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم 15: 49. إن الله بالناس لرؤف رحيم 22: 65. ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما 17: 66. ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما 33: 24 ". إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، وفي بعض الادعية والروايات: رحمن الدنيا الآخرة ورحيمهما (1).

ويمكن أن يوجه هذا الاختصاص بأن الرحمة الالهية إذا لم تنته إلى الرحمة في الآخرة، فكأنها لم تكن رحمة (2). وما جدوى رحمة تكون عاقبتها العذاب والخسران؟ فإن الرحمة الزائلة تندك أمام العذاب الدائم لا محالة، وبلحاظ ذلك صح أن يقال: الرحمة مختصة بالمؤمنين أو بالآخرة. الاعراب ذهب بعضهم إلى أن متعلق الجار والمجرور هو أقرأ، أو إقرأ، أو أقول، أوقل، وقال بعض: متعلقه أستعين، أو استعن، وذهب آخرون إلى تعلقه بأبتدئ، والوجهان الاولان باطلان:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الصحيفة السجادية في دعائه (عليه السلام) في استكشاف الهموم، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 155.

(2) اشير إلى ذلك في بعض الادعية المأثورة. (*)

 

===============

(432)

أما الوجه الاول: فلان مفعول القراءة أو القول ـ هنا ـ يجب أن يكون هي الجملة بما لها من المعنى، فلا مناص من تقدير كلمة أخرى، لتكون الجملة بما لها من المتعلق مقولا للقول. وأما الوجه الثاني: فلان الاستعانة تستحيل أن تكون من الله تعالى، لغناه عن الاستعانة حتى بأسمائه الكريمة، والاستعانة من الخلق إنما تكون بالله لا باسمائه وقد نص تعالى على ذلك بقوله: " إياك نستعين " فتعين أن يكون متعلق الجار والمجرور هو أبتدئ، وإضافة الاسم إلى الله ليست بيانية، ليكون المراد من قوله: " الله الرحمن الرحيم " ألفاظها فإنه بعيد جدا، ويضاف إلى ذلك: أنه لو كان المراد نفس هذه الالفاظ فإن أريد مجموعها، فهو ليس من الاسماء الالهية، وإن أريد كل على انفراده، احتيج إلى العاطف، فتكون الجملة هكذا: " بسم الله والرحمن والرحيم " إذا فالاضافة معنوية لا محالة، وكلمة " الله " مستعملة في معناها. التفسير لما كانت سور القرآن قد أنزلت لسوق البشر إلى كماله الممكن، وإخراجه من ظلمات الشرك والجهالة إلى نور المعرفة والتوحيد، ناسب أن يبدأ في كل سورة باسمه الكريم، فإنه الكاشف عن ذاته المقدسة، والقرآن إنما انزل ليعرف به الله سبحانه، واستثنيت من ذلك سورة براءة، فإنها بدأت بالبراءة من المشركين ولهذا الغرض انزلت، فلا يناسبها ذكر اسم الله ولا سيما مع توصيفه بالرحمن الرحيم (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) روى ابن عباس قال سألت علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لانها أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان، المستدرك ج 2 ص 33. (*)

 

===============

(433)

وعلى الجملة: ابتدأ الله كتابه التدويني بذكر اسمه، كما ابتدأ في كتابه التكويني باسمه الاتم، فخلق الحقيقة المحمدية ونور النبي الاكرم قبل سائر المخلوقين، وإيضاح هذا المعنى: أن الاسم هو ما دل على الذات، وبهذا الاعتبار تنقسم الاسماء الالهية إلى قسمين: تكوينية، وجعلية. فالاسماء الجعلية هي الالفاظ التي وضعت للدلالة على الذات المقدسة، أو على صفة من صفاتها الجمالية والجلالية، والاسماء التكوينية هي الممكنات الدالة بوجودها على وجود خالقها وعلى توحيده: " أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون 52: 35. لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 21: 22 ". ففي كل شئ دلالة على وجود خالقه وتوحيده، وكما تختلف الاسماء الالهية اللفظية من حيث دلالتها، فيدل بعضها على نفس الذات بما لها من صفات الكمال، ويدل بعضها على جهة خاصة من كمالاتها على اختلاف في العظمة والرفعة فكذلك تختلف الاسماء التكوينية من هذه الجهة، وإن اشترك جميعها في الكشف عن الوجود والتوحيد، وعن العلم والقدرة وعن سائر الصفات الكمالية. ومنشأ اختلافها: أن الموجود إذا كان أتم كانت دلالته أقوى، ومن هنا صح إطلاق الاسماء الحسنى على الائمة الهداة، كما في بعض الروايات (1). فالواجب جل وعلا قد ابتدأ في أكمل كتاب من كتبه التدوينية بأشرف الالفاظ وأقربها إلى اسمه الاعظم من ناظر العين إلى بياضها (2) كما بدأ في كتابه التكويني باسمه

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي باب النوادر من أبواب التوحيد ص 70، والوافي ج 1 ص 109، وتفسير البرهان ج 1 ص 377.

(2) الوافي باب قراءة البسملة والجهر بها ج 5 ص 99، والتهذيب ج 1 ص 218 باب ç (*)

 

(البيان ـ 28)

 

===============

(434)

الاعظم في عالم الوجود العيني (1)، وفي ذلك تعليم البشر بأن يبتدئوا في أقوالهم وأفعالهم باسمه تعالى. روي عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أنه قال: كل كلام أو أمر ذي بال لم يفتح بذكر الله عز وجل فهو أبتر، أو قاطع أقطع (2)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) عن الله عز وجل: كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

ç كيفية الصلاة وصفتها. ورواه عثمان عن النبي (صلى الله عليه وآله)  باختلاف يسير في ألفاظه، المستدرك للحاكم ج 1 ص 552، وكنز العمال ج 2 ص 190. انظر التعليقة رقم (12) لمعرفة أهمية البسملة ـ في قسم التعليقات.

(1) انظر التعليقة رقم (12) لمعرفة كتابه التكويني بماذا بدأه به ـ في قسم التعليقات.

(2) مسند أحمد ج 2 ص 359.

(3) البحار ج 16 باب 58 الافتتاح بالتسمية، وج 19 ص 60. (*)

 

===============

(435)

 

البحث الاول حول آية البسملة

 

===============

(436)

ذكر الرحمة بدء القرآن. ذكر الرحيم بعد الرحمن. هل البسملة من القرآن؟

 

===============

(437)

ذكر الرحمة بدء القرآن: قد وصف الله تعالى نفسه بالرحمة في ابتداء كلامه دون سائر صفاته الكمالية، لان القرآن إنما نزل رحمة من الله لعباده. ومن المناسب أن يبتدأ بهذه الصفة التي اقتضت إرسال الرسول وإنزال الكتاب. وقد وصف الله كتابه ونبيه بالرحمة في آيات عديدة، فقد قال تعالى: " هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون 7: 203. وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين 10: 57. ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين 16: 89. وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين 17: 82. وما أرسلناك إلارحمة للعالمين 21: 107. وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين 27: 77 ". ذكر الرحيم بعد الرحمن: قد عرفت أن هيئة فعيل تدل على أن المبدأ فيها من الغرائز والسجايا غير

 

===============

(438)

المنفكة عن الذات (1). وبذلك تظهر نكتة تأخير كلمة " الرحيم " عن كلمة " الرحمن " فإن هيئة " الرحمن " تدل على عموم الرحمة وسعتها ولا دلالة لها على أنها لازمة للذات، فأتت كلمة " الرحيم " بعدها للدلالة على هذا المعنى. وقد اقتضت بلاغة القرآن أن تشير إلى كلا الهدفين في هذه الآية المباركة، فالله رحمن قد وسعت رحمته كل شئ وهو رحيم لا تنفك عنه الرحمة. وقد خفي الامر على جملة من المفسرين، فتخيلوا أن كلمة " الرحمن " أوسع معنى من كلمة " الرحيم " بتوهم أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. وهذا التعليل ينبغي أن يعد من المضحكات، فإن دلالة الالفاظ تتبع كيفية وضعها، ولا صلة لها بكثرة الحروف وقلتها. ورب لفظ قليل الحروف كثير المعنى، وبخلافه لفظ آخر، فكلمة حذر تدل على المبالغة دون كلمة حاذر، وإن كثيرا ما يكون الفعل المجرد والمزيد فيه بمعنى واحد، كضر وأضر. هذا إذا فرضنا أن يكون استعمال كلمة " الرحمن " استعمالا اشتقاقيا وأما بناء على كونها من أسماء الله تعالى وبمنزلة اللقب له نقلا عن معناها اللغوي ـ وقد تقدم إثبات ذلك ـ فإن في تعقيبها بكلمة " الرحيم " زيادة على ما ذكر إشارة إلى سبب النقل، وهو اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة. هل البسملة من القرآن؟ اتفقت الشيعة الامامية على أن البسملة آية من كل سورة بدئت بها، وذهب اليه ابن عباس، وابن المبارك، وأهل مكة كابن كثير، وأهل الكوفة كعاصم، والكسائي، وغيرهما ما سوى حمزة. وذهب اليه أيضا غالب أصحاب الشافعي (2) وجزم به قراء مكة والكوفة (3)، وحكي هذا القول عن ابن عمر، وابن الزبير

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مر ذلك في الصفحة 422 من هذا الكتاب.

(2) تفسير الآلوسي ج 1 ص 39.

(3) تفسير الشوكاني ج 1 ص 7. (*)

 

===============

(439)

وأبي هريرة، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، واسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام (1) وعن البيهقي نقل هذا القول عن الثوري ومحمد بن كعب (2)، واختاره الرازي في تفسيره ونسبه إلى قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز، وإلى ابن المبارك والثوري، واختاره أيضا جلال الدين السيوطي مدعيا تواتر الروايات الدالة عليه معنى (3).

وقال بعض الشافعية وحمزة: " إنها آية من فاتحة الكتاب خاصة دون غيرها " ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل، كما نسب اليه القول الاول (4).

وذهب جماعة: منهم مالك، وأبو عمرو، ويعقوب إلى أنها آية فذة وليست جزء من فاتحة الكتاب ولا من غيرها، وقد انزلت لبيان رؤوس السور تيمنا، وللفصل بين السورتين، وهو مشهور بين الحنفية (5).

غير أن أكثر الحنفية ذهبوا إلى وجوب قراءتها في الصلاة قبل الفاتحة وذكر الزاهدي عن المجتبى أن وجوب القراءة في كل ركعة هي الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة (6).

وأما مالك فقد ذهب إلى كراهة قراءتها في نفسها، واستحبابها لاجل الخروج من الخلاف (7).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 16.

(2) تفسير الخازن ج 1 ص 13.

(3) الاتقان النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 135، 136.

(4) تفسير الآلوسي ج 1 ص 39.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر.

(7) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 257. (*)

 

===============

(440)

أدلة جزئية البسملة للقرآن: وفي هذه المسألة أقوال أخر شاذة لا فائدة في التعرض لها، ولكن المهم بيان الدليل على المذهب الحق ويقع ذلك في عدة أمور:

 1 ـ أحاديث أهل البيت: وهي الروايات الصحيحة المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) الصريحة في ذلك (1) وبها الكفاية عن تجشم أي دليل آخر بعد أن جعلهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) عدلا للقرآن في وجوب التمسك بهم والرجوع اليهم (2).

1 ـ عن معاوية بن عمار قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال: نعم. قلت: فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة، قال: نعم " (3).

2 ـ عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: " كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ: ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسي: ليس بذلك بأس، فكتب بخطه: يعيدها ـ مرتين ـ على رغم أنفه، يعني العباسي " (4).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) وللاطلاع على الروايات المذكورة يراجع فروع الكافي باب قراءة القرآن ص 86، والاستبصار باب الجهر بالبسملة ج 1 ص 311، والتهذيب ـ باب كيفية الصلاة وصفتها ج 1 ص 153، 218، ووسائل الشيعة باب أن البسملة آية من الفاتحة ج 1 ص 352.

(2) تقدم بعض مصادر هذا الحديث في الصفحة " 18، 398 " من هذا الكتاب.

(3) الكافي ج 3 ص 312 ط دار الكتب الاسلامية.

(4) نفس المصدر ص 313. (*)

 

===============

(441)

3 ـ وفي صحيحة ابن أبي أذينة: ".. فلما فرغ من التكبير والافتتاح أوحى الله اليه سم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة ثم أوحى الله اليه أن احمدني فلما قال: الحمد لله رب العالمين، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في نفسه شكرا فأوحى الله عز وجل إليه قطعت حمدي فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل في الحمد: الرحمن الرحيم مرتين، فلما بلغ ولا الضالين قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) الحمد لله رب العالمين شكرا فأوحى الله اليه قطعت ذكري فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة ثم أوحى الله عز وجل اليه إقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " (1).

2 ـ أحاديث أهل السنة: وقد دلت على ذلك أيضا روايات كثيرة من طرق أهل السنة نذكر جملة منها:

 1 ـ ما رواه أنس قال: " بينا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر.. " (2).

2 ـ ما أخرجه الدارقطني بسند صحيح عن علي (عليه السلام): " أنه سئل عن السبع المثاني، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له: إنما هي ست آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية " (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ج 3.

(2) صحيح مسلم باب حجة من قال البسملة آية ج 2 ص 12، وسنن النسائي باب قراءة البسملة ج 1 ص 143، وسنن أبي داود باب الجهر بالبسملة ج 1 ص 125.

(3) الاتقان النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 136، ورواهما البيهقي في سننه باب الدليل على أن البسملة آية تامة ج 2 ص 45. (*)

 

===============

(442)

3 ـ ما أخرجه الدارقطني أيضا بسند صحيح عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): إذاقرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فانها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني. وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها " (1).

4 ـ ما أخرجه ابن خزيمة والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: " السبع المثاني فاتحة الكتاب. قيل: فأين السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم " (2).

5 ـ ما أخرجه ابن خزيمة والبيهقي في المعرفة بسند صحيح من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: " استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم " (3).

6 ـ ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت " (4).

7 ـ ما رواه سعيد عن ابن عباس: " أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) كان إذاجاءه جبرئيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أن ذلك سورة " (5).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر السابق.

(2) نفس المصدر، ورواه الحاكم في المستدرك ج 1 ص 551.

(3) نفس المصدر ص 135، ورواه البيهقي في سننه باب افتتاح القراءة في الصلاة ج 2 صفحة 50.

(4) مستدرك الحاكم ج 1 ص 232 قال الحاكم: هذا صحيح على شرط الشيخين.

(5) مستدرك الحاكم ج 1 ص 231. (*)

 

===============

(443)

8 ـ ما رواه ابن جريج قال: " أخبرني أبي أن سعيد بن جبير أخبره، قال: ولقد آتيناك سبعا من المثاني قال: هي أم القرآن، قال أبي: وقرأ علي سعيد بن جبير بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال سعيد بن جبير: وقرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال ابن عباس: فأخرجها الله لكم وما أخرجها لاحد قبلكم " (1). إلى غير ذلك من الروايات. ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع مظانها. الروايات المعارضة: وليس بإزاء هذه الروايات إلاروايتان دلتا على عدم جزئية البسملة للسورة:

 1 ـ إحداهما: رواية قتادة عن أنس بن مالك، قال: صليت مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وأبي بكر وعمرو عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (2).

2 ـ ثانيتهما: مارواه ابن عبد الله بن مغفل يزيد بن عبد الله، قال: " سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي بني! إياك قال: ولم أرأحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان أبغض اليه حدثا في الاسلام منه، فإني قد صليت مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ومع أبي بكر وعمر، ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت قرأت فقل: الحمد لله رب العالمين " (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر السابق كتاب فضائل القرآن ص 550.

(2) مسند أحمد ج 3 ص 177، 273، 278. وصحيح مسلم باب حجة من لا يجهر بالبسملة ج 2 ص 12. وسنن النسائي باب ترك الجهر بالبسملة ج 1 ص 144. وروى قريبا منه عن عبد الله بن مغفل.

(3) مسند أحمدج 4 ص 85، ورواه الترمذي باختلاف يسير باب ما جاء في ترك الجهر بالبسملة ج 2 ص 43. (*)

 

===============

(444)

والجواب عن الرواية الاولى: ـ مضافا إلى مخالفتها للروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) ـ أنها لا يمكن الاعتماد عليها من وجوه: الوجه الاول: معارضتها بالروايات المتواترة معنى، المنقولة عن طرق أهل السنة، ولا سيما أن جملة منها صحاح الاسانيد، فكيف يمكن تصديق هذه الرواية؟ مع شهادة ابن عباس، وأبي هريرة، وأم سلمة على أن رسول الله كان يقرأ البسملة ويعدها آية من الفاتحة، وإن ابن عمر كان يقول: لم كتبت إن لم تقرأ! " وإن عليا (عليه السلام) كان يقول: " من ترك قراءتها فقد نقص " وكان يقول: " هي تمام السبع المثاني " (1).

الوجه الثاني: مخالفتها لما اشتهر بين المسلمين من قراءتها في الصلاة، حتى أن معاوية تركها في صلاته في يوم من أيام خلافته، فقال له المسلمون: " أسرقت أم نسيت؟ " (2).

ومع هذا كيف يمكن التصديق بأن رسول الله " ص " ومن بعده لم يقرأوها! الوجه الثالث: مخالفتها لما استفاض نقله عن أنس نفسه (3) فالرواية موضوعة ما في ذلك من شك. والجواب عن الرواية الثانية: ـ وهي رواية ابن عبد الله بن مغفل ـ يظهر مما تقدم في الجواب عن الرواية

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر التعليقة رقم (14) لمعرفة أن البسملة جزء من القرآن بشهادة جملة من الاحاديث ـ في قسم التعليقات.

(2) انظر التعليقة رقم (15) قصة نسيان معاوية لقراءة البسملة واعتراض المسلمين عليه ـ في قسم التعليقات.

(3) انظر التعليقة رقم (16) للوقوف على أن النبي (صلى الله عليه وآله)  كان يقرأ البسملة في كل صلاة، ثم توجيه رواية أنس ـ في قسم التعليقات. (*)

 

===============

(445)

الاولى، على أنها تضمنت ما يخالف ضرورة الاسلام، فإنه لا يشك أحد من المسلمين في استحباب التسمية قبل الحمد والسورة، ولو بقصد التيمن والتبرك، لا لان البسملة جزء، فكيف ينهى ابن مغفل عنها بدعوى أنها حدث في الاسلام! 3 ـ سيرة المسلمين: لقد استقرت سيرة المسلمين على قراءة البسملة في أوائل السور غير سورة براءة، وثبت بالتواتر أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان يقرأها، ولو لم تكن من القرآن للزم على الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) أن يصرح بذلك، فإن قراءته ـ وهو في مقام البيان ـ ظاهرة في أن جميع ما يقرأ قرآن، ولو لم يكن بعض ما يقرأ قرآنا ثم لم يصرح بذلك لكان ذلك منه إغراء منه بالجهل وهو قبيح، وفي ما يرجع إلى الوحي الالهي أشد قبحا، ولو صرح الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بذلك لنقل الينا بالتواتر مع أنه لم ينقل حتى بالآحاد.

4 ـ مصاحف التابعين والصحابة: مما لا ريب فيه أن مصاحف التابعين والصحابة ـ قبل جمع عثمان وبعده ـ كانت مشتملة على البسملة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبتوها في مصاحفهم، فان الصحابة منعت أن يدرج في المصحف ما ليس من القرآن، حتى أن بعض المتقدمين منعوا عن تنقيط المصحف وتشكيله. فإثبات البسملة في مصاحفهم شهادة منهم بأنها من القرآن كسائر الايات المتكررة فيه. وما ذكرناه يبطل احتمال أن إثباتهم إياها كان للفصل بين السور. ويبطل هذه الدعوى أيضا إثبات البسملة في سورة الفاتحة، وعدم إثباتها في أول سورة براءة. ولو كانت للفصل بين السور، لاثبتت في الثانية، ولم تثبت في الاولى. وذلك يدلنا قطعا على أن البسملة آية منزلة في الفاتحة دون سورة براءة. أدلة نفاة جزئية البسملة: واستدل القائلون بأن البسملة ليست جزء من السورة بوجوه:

 

===============

(446)

الوجه الاول: أن طريق ثبوت القرآن ينحصر بالتواتر، فكل ما وقع النزاع في ثبوته فهو ليس من القرآن، والبسملة مما وقع النزاع فيه. والجواب أولا: أن كون البسملة من القرآن مما تواتر عن أهل البيت (عليهم السلام) ولا فرق في التواتر بين أن يكون عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وبين أن يكون عن أهل بيته الطاهرين بعد أن ثبت وجوب اتباعهم. وثانيا: أن ذهاب شر ذمة إلى عدم كون البسملة من القرآن لشبهة لا يضر بالتواتر، مع شهادة جمع كثير من الصحابة بكونها من القرآن، ودلالة الروايات المتواترة عليه معنى. وثالثا: أنه قد تواتر أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) يقرأ البسملة حينما يقرأ سورة من القرآن وهو في مقام البيان، ولم يبين أنها ليست منه وهذا يدل دلالة قطعية على أن البسملة من القرآن. نعم لا يثبت بهذا أنها جزء من السورة. ويكفي لاثباته ما تقدم من الروايات، فضلا عما سواها من الاخبار الكثيرة المروية من الطريقين. والجزئية تثبت بخبر الواحد الصحيح، ولا دليل على لزوم التواتر فيها أيضا. الوجه الثاني ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل: فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي

 

===============

(447)

ما سأل، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل " (1).

وتقريب الاستدلال في هذه الرواية أنها تدل ـ بظاهرها ـ على أن ما بعد آية إياك نعبد وإياك نستعين يساوي ما قبلها في العدد، ولو كانت البسملة جزء من الفاتحة لم يستقم معنى الرواية، وذلك: لان سورة الفاتحة ـ كما عرفت ـ سبع آيات، فإن كانت البسملة جزء كان ما بعد آية: إياك نعبد وإياك نستعين آيتين، ومعنى ذلك أن ما قبل هذه الاية ضعف ما بعدها، فالفاتحة لا تنقسم إلى نصفين في العدد. والجواب عنه أولا: أن الرواية مروية عن العلاء، وقد اختلف فيه بالتوثيق والتضعيف. وثانيا: أنه لو تمت دلالتها، فهي معارضة بالروايات الصحيحة المتقدمة الدالة على أن الفاتحة سبع آيات، مع البسملة لا بدونها. وثالثا: إنه لا دلالة في الرواية على أن التقسيم بحسب الالفاظ، بل الظاهر انه بحسب المعنى، فالمراد أن أجزاء الصلاة بين ما يرجع إلى الرب وما يرجع إلى العبد بحسب المدلول. ورابعا: أنه لو سلمنا أن التقسيم إنما هو بحسب الالفاظ فأي دليل على انه بحسب عدد الايات، فلعله باعتبار الكلمات، فإن الكلمات المتقدمة على آية " إياك نعبد وإياك نستعين " والمتأخرة عنها، مع احتساب البسملة وحذف المكررات عشر كلمات. الوجه الثالث: ما رواه أبو هريرة:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم باب قراءة الفاتحة في كل ركعة ج 2 ص 6، وسنن أبي داود ـ باب من ترك القراءة في صلاته ج 1 ص 130، وسنن النسائي باب ترك قراءة البسملة في فاتحة الكتاب ج 1 ص 144. (*)

 

===============

(448)

" من أن سورة الكوثر ثلاث آيات (1)، وأن سورة الملك ثلاثون آية " (2) فلو كانت البسملة جزء منها، لزاد عددهما على ذلك. والجواب: إن رواية أبي هريرة في سورة الكوثر على فرض صحة سندها معارضة برواية أنس، وقد تقدمت (3) وهي رواية مقبولة روتها جميع الصحاح غير موطأ مالك (4) فرواية أبي هريرة مطروحة أو مؤلة بإرادة الايات المختصة، فإن البسملة مشتركة بين جميع السور، وهذا هو جواب روايته في سورة الملك.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) لم أعثر على هذه الرواية في كتب الروايات.

(2) مستدرك الحاكم ج 1 ص 565، وصحيح الترمذي باب ما جاء في فضل سورة الملك ج 11 ص 30، وكنز العمال فضائل السور والايات ج 1 ص 516، 525.

(3) في الصفحة 441 من هذا الكتاب.

(4) تيسير الوصول ج 1 ص 199. (*)

 

===============

(449)

(2) تحليل آية الحمد لله رب العالمين ـ 2. الرحمن الرحيم ـ 3. مالك يوم الدين ـ 4. القراءة المشهور على ضم الدال من كلمة " الحمد "، وكسر اللام من كلمة " الله " وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعا له لما بعده، وقرأ بعضهم بضم اللام إتباعا له لما قبله، وكلتا القراءتين شاذة لا يعتنى بها. واختلفت القراءات في كلمة مالك، والمعروف منها اثنتان: إحداهما على زنة " فاعل " وثانيتهما على زنة " كتف ". وقرأ بعضهم على زنة " فلس " وقرأ بعضهم على زنة " فعيل ". وقرأ أبو حنيفة بصيغة الماضي، وغير الاوليين من القراءات شاذ لا اعتبار به.

(البيان ـ 29)

 

===============

(450)

وجوه ترجيح القراءتين: وقد ذكروا لترجيح كل واحدة من القراءتين الاوليين " زنة فاعل وفعل " على الاخرى وجوها، منها:

 1 ـ أن مفهوم مالك أوسع وأشمل، فإذا قيل: مالك القوم استفيد منه كونه ملكا لهم. وإذا قيل: ملك القوم لم يستفد منه كونه مالكهم، فقراءة مالك أرجح من قراءة ملك.

2 ـ أن الزمان لا تضاف اليه كلمة مالك غالبا، وإنما تضاف اليه كلمة ملك، فيقال: ملك العصر، وملوك الاعصار المتقدمة، فقراءة ملك أرجح من قراءة مالك. عدم جدوى الترجيح: والصحيح أن الترجيح في القراءات المعروفة لا محصل له، فان القراءات إن ثبت تواترها عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فلا معنى للترجيح ما بينها، وإن لم يثبت كما هو الحق (1) فان أوجب الترجيح الجزم ببطلان القراءة المرجوحة فهو، ودون إثباته خرط القتاد. وإن لم يوجب ذلك ـ كما هو الغالب ـ فلا فائدة في الترجيح بعد أن ثبت جواز القراءة بكل واحدة منها (2).

والترجيح في المقام باطل على الخصوص، فإن اختلاف معنى مالك ومعنى ملك إنما يكون إذا كان الملك ـ السلطنة والجدة ـ أمرا اعتباريا فإنه يختلف حينئذ باختلاف موارده، وهذا الاختلاف يكون في غير الله تعالى، وأما ملك الله سبحانه فإنه حقيقي ناشئ عن إحاطته القيومية بجميع الموجودات، فهذه الاحاطة بذاتها منشأ صدق مالك وملك عليه تعالى، ومن ذلك يتضح أن نسبة

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدمت أدلة ذلك في الصفحة 151 من هذا الكتاب.

(2) تقدم بيان ذلك في الصفحة 167 من هذا الكتاب. (*)

 

===============

(451)

مالك إلى الزمان إذا لم تصح في غير الله فلا يلزمها عدم صحتها فيه سبحانه فهو مالك للزمان كما هو مالك لغيره. وقد يقال: إضافة مالك إلى يوم الدين إضافة لفظية لا تفيد التعريف فلا يصح أن تقع الجملة وصفا للمعرفة، فالمتعين قراءة ملك، فإن المراد به السلطان وهو في حكم الجامد، وإضافته إضافة معنوية. وأجيب عنه: في الكشاف وغيره بأن إضافة اسم الفاعل ونحوه تكون لفظية إذا كان بمعنى الحال والاستقبال، ومعنوية إذا كان بمعنى الماضي أو أريد به الدوام. ومن الاول قوله تعالى: " الحمد لله فاطر السماوات والارض جاعل الملائكة رسلا 35: 1 ". ومن الثاني قوله تعالى: " تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول 40: 3 ". والمقام من قبيل الثاني، فإن مالكيته تعالى ليوم الدين صفة ثابتة له لا تختص بزمان دون زمان، فيصح كون الجملة صفة للمعرفة. والتحقيق أن الاضافة مطلقا لا تفيد تعريفا، وإنما تفيد التخصيص والتضييق والتعريف إنما يستفاد من عهد خارجي. ودليل ذلك.

 

===============

(452)

انه لا فرق بالضرورة بين قولنا غلام لزيد ولنا غلام زيد فكما أن القول الاول لا يفيد إلا التخصيص كذلك القول الثاني، والتخصيص يتحقق في موارد الاضافة اللفظية كما يتحقق في موارد الاضافة المعنوية. والفارق: أن التخصيص في الاولى لم ينشأ من الاضافة، بل هو حاصل بدونها، وأن الاضافة لم تفد إلا التخفيف إلا أن هذا لا يوجب أن لا يقع المضاف فيها صفة للمعرفة، فإن المصحح لذلك إن كان هو التخصيص فهو موجود في مواردها، وإن كان هو التعريف الحاصل من العهد الخارجي فهو مشترك بين الاضافتين معا، فلا فرق في مقام الثبوت، بلحاظ ذات المعنى بين موارد الاضافتين. وجميع ما ذكروه لا يرجع إلى محصل: نعم يبقى الكلام في مقام الاثبات، وقد ادعي الاتفاق على أن المضاف بالاضافة اللفظية لا يقع صفة لمعرفة إذا كان المضاف من الصفات المشبهة، وأما غيرها فقد نقل سيبويه عن يونس والخليل وقوعه صفة للمعرفة في كلام العرب كثيرا (1) وعليه يحمل ما ورد في القرآن من ذلك، كما في المقام. وأما قول الكشاف: إن اسم الفاعل هنا بمعنى الاستمرار فهو واضح البطلان فإن إحاطة الله تعالى بالموجودات، ومالكيته لها وإن كانت استمرارية إلا أن كلمة مالك في الاية المباركة قد اضيفت إلى يوم الدين، وهو متأخر في الوجود، فلا بد من أن يكون اسم الفاعل المضاف اليه بمعنى الاستقبال. وأما التفرقة التي ذكرها بعضهم في اسم الفاعل المضاف بين ما إذا كان بمعنى الماضي فيصح وقوعه صفة للمعرفة، وبين غيره فلا يصح، لان حدوث الشئ يوجب تعينه، فهي بينة الفساد، فإن حدوث الشئ لا يستلزم ـ في الغالب ـ العلم به، وإذا كانت العبرة بالعلم الشخصي فلا فرق بين تعلقه بالماضي وتعلقه بغيره.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير أبي حيان ج 1 ص 21. (*)

 

===============

(453)

والحاصل أن المتبع في الكلام العربي هو القواعد المتخذة من استعمالات العرب الفصحى: ولا اعتماد على الوجوه الاستحسانية الواهية التي يذكرها النحويون. اللغة الحمد: ضد اللوم، وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري الحسن، سواء أكان إحسانا للحامد أم لم يكن، والشكر مقابل الكفران، وهو لا يكون إلا للانعام والاحسان، والمدح يقابل الذم، ولا يعتبر أن يكون على الفعل الاختياري فضلا عن كونه إحسانا، والالف واللام في كلمة الحمد للجنس إذ لا عهد، وتقدم معنى كلمات: " الله. الرحمن. الرحيم ". الرب: مأخوذ من ربب، وهو المالك المصلح والمربي، ومنه الربيبة، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلا مضافا إلي شئ، فيقال: رب السفينة، رب الدار. العالم: جمع لا مفرد له كرهط وقوم، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة، كما يقال: عالم الجماد، عالم النبات، عالم الحيوان. وقد يطلق على مجموعة يؤلف بين أجزائها اجتماعها في زمان أو مكان، فيقال: عالم الصبا، عالم الذر، عالم الدنيا، عالم الاخرة. وقد يطلق ويراد به الخلق كله على اختلاف حقائق وحداته، ويجمع بالواو والنون، فيقال: عالمون ويجمع على فواعل، فيقال: عوالم، ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل، ويجمع بالواو والنون غير هذه الكلمة. الملك: الاحاطة والسلطة، وهذه قد تكون خارجية حقيقية كما في إحاطته تعالى بالموجودات، فإن كل موجود إنما يتقوم في ذاته بخالقه وموجده، وليس له

 

===============

(454)

واقع مستقل سوى التدلي والارتباط بعلته الموجدة، والممكن فقير محتاج إلى المؤثر في حدوثه وفي بقائه، فهو لا ينفك عن الحاجة أبدا: " والله الغني وأنتم الفقراء 47: 38 ". وقد تكون اعتبارية، كما في ملكية الناس للاشياء، فإن ملكية زيد لما بيده مثلا ليست إلا اعتبار كونه مالكا لذلك الشئ، وأن زمان أمره بيده، وذلك عند حدوث سبب يقتضيه من عقد أو إيقاع أو حيازة أو إرث أو غير ذلك، حسب ما توجبه المصلحة في نظر الشارع أو العقلاء. والملكية عند الفلاسفة هيئة حاصلة من إحاطة شئ بشئ، وهي أحد الاعراض التسعة، ويعبر عنها بمقولة الجدة، كالهيئة الحاصلة من إحاطة العمامة بالرأس أو الخاتم بالاصبع. الدين: بمعنى الجزاء والحساب، وكلاهما مناسب للمقام، فان الحساب مقدمة للجزاء ويوم الحساب هو يوم الجزاء بعينه. التفسير بين سبحانه أن طبيعة الحمد وجنسه تختص به تعالى، وذلك لامور: الامر الاول: إن حسن الفعل وكماله ينشأ من حسن الفاعل وكماله، والله سبحانه هو الكامل المطلق الذي لا نقص فيه من جهة أبدا، ففعله هو الفعل الكامل الذي لا نقص فيه أبدا: " قل كل يعمل على شاكلته 17: 84 ".

 

===============

(455)

وأما غيره فلا يخلو عن نقيصة ذاتية بل نقائص، فأفعاله لا محالة تكون كذلك. والفعل الحسن المحض يختص به سبحانه، ويمتنع صدوره من سواه، فهو المختص بالحمد ويمتنع أن يستحقه أحد سواه. وقد أشير إلى هذا بقوله: " الحمد لله " فقد عرفت أن كلمة " الله " علم للذات المقدسة المستجمعة لجميع صفات الكمال. وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " فقد لابي بغلة فقال: لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن جئ بها بسرجها ولجامها، ولما استوى وضم اليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمد لله، ولم يزد، ثم قال: ما تركت ولا أبقيت شيئا جعلت جميع أنواع المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت " (1). وعنه ـ سلام الله عليه ـ: " ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال: الحمد لله، إلا أدى شكرها " (2).

الامر الثاني: إن الكمال الاول لكل ممكن من العقول والنفوس والارواح والاشباح إنما هو وجوده ولا ريب في أنه فعل الله سبحانه وهو مبدعه وموجده. وأما الكمال الثاني وهى الامور التي توجب الفضل والميز، فما كان منه خارجا عن اختيار المخلوق فهو أيضا من أفعال الله تعالى بلا ريب. وذلك كما في نمو النبات وإدراك الحيوان منافعه ومضاره، وقدرة الانسان على بيان مقاصده. وما كان منه صادرا عن المخلوقين باختيارهم، فهي وإن كانت الختيارية إلا أنها منتهية إلى الله سبحانه، فانه الموفق للصواب، والهادي إلى الرشاد. وقد ورد: " إن الله أولى بحسنات العبد منه " (3) وقد أشير إلى ذلك بجملة " رب العالمين ". الامر الثالث: إن الفعل الحسن الصادر من الله تعالى لا يرجع نفعه اليه، لانه الكامل المطلق

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 29 وقريب منه في اصول الكافي باب الشكر ص 356.

(2) اصول الكافي باب الشكر ص 356.

(3) الوافي باب الخير والقدر ج 1 ص 119. (*)

 

===============

(456)

الذي يستحيل عليه الاستكمال. وفعله إنما هو إحسان محض يرجع نفعه إلى المخلوقين. وأما الفعل الحسن الصادر من غيره فهو وإن كان إحسانا إلى أحد في بعض الاحيان، إلا أنه إحسان إلى نفسه أولا وبالذات، وبه يدرك كماله: " إن أحسنتم أحسنت لانفسكم 17: 7 ". فالاحسان المحض إنما هو فعل الله تعالى لا غير فهو المستحق للحمد دون غيره وإلى ذلك أشير بجملة: " الرحمن الرحيم ". ثم إن الثناء على الفعل الجميل قد يكون ناشئا عن إدراك الحامد حسن ذات الفاعل وصفاته من دون نظر إلى إنعامه، أو الرغبة فيه، أو الرهبة منه. وقد يكون ناشئا عن النظر إلى أحد هذه الامور الثلاثة، فقد أشير إلى المنشأ الاول بجملة: " الحمد لله " فالحامد يحمده تعالى بما أنه مستحق للحمد في ذاته، وبما أنه مستجمع لجميع صفات الكمال منزه عن جميع جهات النقص. وأشير إلى المنشأ الثاني بجملة: " رب العالمين " فانه المنعم على عباده بالخلق والايجاد، ثم بالتربية والتكميل. وأشير إلى المنشأ الثالث بجملة: " الرحمن الرحيم ". فان صفة الرحمة تستدعي الرغبة في نعمائه تعالى وطلب الخير منه. وأشير إلى المنشأ الرابع بقوله: " مالك يوم الدين "، فان من تنتهي اليه الامور ويكون اليه المنقلب جدير بأن ترهب سطوته، وتحذر مخالفته. وقد يكون الوجه هو بيان أن يوم الدين هو يوم ظهور العدل والفضل الالهيين، وكلاهما جميل لا بد من حمده تعالى لاجله، فكما أن أفعاله في الدنيا من الخلق والتربية والاحسان كلها أفعال جميلة يستحق عليها الحمد فكذلك أفعاله في الاخرة من العفو والغفران وإثابة المطيعين، وعقاب العاصين كلها أفعال جميلة يستوجب الحمد بها. ومما بيناه يتضح أن جملة: " الرحمن الرحيم " ليس تكرارا أتي بها للتأكيد ـ كما زعمه بعض المفسرين ـ بل هي لبيان منشأ اختصاص الحمد به تعالى فلا يغني عنه ذكرها أولا في مقام التيمن والتبرك، وهو ظاهر.

 

===============

(457)

(3) تحليل آية إياك نعبد وإياك نستعين ـ 5. اللغة العبادة: في اللغة تأتي لاحد معان ثلاثة: الاول: الطاعة، ومنه قوله تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين 36: 60 ". فان عبادة الشيطان المنهي عنها في الاية المباركة إطاعته. الثاني: الخضوع والتذلل، ومنه قوله تعالى: " فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون 23: 47 ".

 

===============

(458)

أي خاضعون متذللون، ومنه أيضا إطلاق " المعبد " على الطريق الذي يكثر المرور عليه. الثالث: التأله، ومنه قوله تعالى: " قل إنما أمرت أن أ عبد الله ولا أشرك به 13: 36 ". وإلى المعنى الاخير ينصرف هذا اللفظ في العرف العام إذا أطلق دون قرينة. والعبد: الانسان وإن كان حرا، لانه مربوب لبارئه، وخاضع له في وجوده وجميع شؤونه، وإن تمرد عن أوامره ونواهيه. والعبد: الرقيق لانه مملوك وسلطانه بيد مالكه، وقد يتوسع في لفظ العبد فيطلق على من يكثر اهتمامه بشئ حتى لا ينظر إلا اليه، ومنه قول أبي عبد الله الحسين (عليه السلام): " الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم وإذا محصوا بالبلاء قل الديانون " (1).

وقد يطلق العبد على المطيع الخاضع، كما في قوله تعالى: " أن عبدت بني إسرائيل 26: 22 ". أي جعلتهم خاضعين لا يتجاوزون عن أمرك ونهيك. الاستعانة: طلب المعونة، تتعدى بنفسها وبالباء، يقال استعنته واستعنت به أي طلبت منه أن يكون عونا وظهيرا لي في أمري.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية ج 10 ص 189. (*)

 

===============

(459)

الاعراب " إياك ": في كلا الموردين مفعول قدم على الفعل لافادة الحصر، وفي الاية التفات من الغيبة إلى الخطاب. والسر في ذلك أحد أمرين: الاول: أن سابق هذه الاية الكريمة قد دل على أن الله سبحانه هو المالك لجميع الموجودات، والمربي لها والقائم بشؤونها، وهذا يقتضي أن تكون الاشياء كلها حاضرة لديه تعالى، وأن يكون ـ سبحانه ـ محيطا بالعباد وبأعمالهم ليجازيهم يوم الدين بالطاعة أو بالمعصية، واقتضى ذلك أن يظهر العبد حضوره بين يدي ربه ويخاطبه. الثاني: ان حقيقة العبادة خضوع العبد لربه بما أنه ربه والقائم بأمره والربوبية تقتضي حضور الرب لتربية مربوبه، وتدبير شؤونه. وكذلك الحال في الاستعانة فإن حاجة الانسان إلى إعانة ربه وعدم استقلاله عنه في عبادته تقتضي حضور المعبود لتتحقق منه الاعانة، فلهذين الامرين عدل السياق من الغيبة إلى الخطاب فالعبد حاضر بين يدي ربه غير غائب عنه. التفسير بعد أن مجد الله نفسه بالايات المتقدمة لقن عباده أن يتلوا هذه الاية الكريمة وأن يعترفوا بمدلولها وبمغزاها، فهم لا يعبدون إلا الله، ولا يستعينون إلا به، فإن ما سوى الله من الموجودات فقير في ذاته، عاجز في نفسه، بل هو لا شئ بحت، إلا أن تشمله العناية الالهية، ومن هذا شأنه لا يستحق أن يعبد أو يستعان، والممكنات كلها ـ وان اختلفت مراتبها بالكمال والنقص ـ تشترك في صفة العجز اللازمة للامكان، وفي ان جميعها تحت حكم الله وإرادته:

 

===============

(460)

" ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين 47: 54. ولله ملك السماوات والارض وإلى الله المصير 24: 42 ". من ذا الذي يعارضه في سلطانه وينازعه في أمره وحكمه؟ وهو القابض والباسط، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالمؤمن لا يعبد غير الله، ولا يستعين إلا به، فان غير الله ـ أيا كان ـ محتاج إلى الله في جميع شؤونه وأطواره والمعبود لا بد وأن يكون غنيا، وكيف يعبد الفقير فقيرا مثله؟!. وعلى الجملة: الايمان بالله يقتضي أن لا يعبد الانسان أحدا سواه، ولا يسأل حاجته إلا منه، ولا يتكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، وإلا فقد أشرك بالله وحكم في سلطانه غيره: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه 17: 23 ".

 

===============

(461)

 

البحث الثاني حول آية الحمد

 

===============

(462)

العبادة والتأله. العبادة والطاعة. العبادة والخضوع. السجود لغير الله. دواعي العبادة. حصر الاستعانة بالله. الشفاعة.

 

===============

(463)

العبادة والتأله: مما لا يرتاب فيه مسلم: ان العبادة بمعنى التأله تختص بالله سبحانه وحده، وقد قلنا: إن هذا المعنى هو الذي ينصرف اليه لفظ العبادة عند الاطلاق، وهذا هو التوحيد الذي ارسلت به الرسل، وأنزلت لاجله الكتب: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله 3: 64 ". فالايمان بالله تعالى لا يجتمع مع عبادة غيره، سواء أنشأت هذه العبادة عن اعتقاد التعدد في الخالق، وإنكار التوحيد في الذات، أم نشأت عن الاعتقاد بأن الخلق معزولون عن الله فلا يصل اليه دعاؤهم، وهم محتاجون إلى إله أو آلهة اخرى تكون وسائط بينهم وبين الله يقربونهم اليه، وشأنه في ذلك شأن الملوك وحفدتهم، فإن الملك لما كان بعيدا عن الرعية احتاجت إلى وسائط يقضون حوائجهم، ويجيبون دعواتهم. وقد أبطل الله سبحانه كلا الاعتقادين في كتابه العزيز، فقال تعالى في إبطال الاعتقاد بتعدد الالهة:

 

===============

(464)

" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 21: 22. وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعضه سبحان الله عما يصفون 23: 91 ". وأما الاعتقاد الثاني ـ وهو إنما ينشأ عن مقايسته بالملوك والزعماء من البشر ـ فقد أبطله الله بوجوه من البيان: فتارة يطلب البرهان على هذه الدعوى، وأنها مما لم يدل عليه دليل، فقال: " ءإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين 27: 64. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين 26: 71. قال هل يسمعونكم إذ تدعون: 72. أو ينفعونكم أو يضرون: 73. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون: 74 ". وأخرى بإرشادهم إلى ما يدركونه بحواسهم من أن ما يعبدونه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، والذي لا يملك شيئا من النفع والضر، والقبض والبسط، والاماتة والاحياء، لا يكون إلا مخلوقا ضعيفا، ولا ينبغي أن يتخذ إلها معبودا: " قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم 21: 66. أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون: 67. قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا 5: 6. ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين 7: 148 ".

 

===============

(465)

وهذا الحكم عقلي فطري شاءت الحكمة أن تنبه العباد عليه في هذه الايات المباركة، وهو سار في كل موجود ممكن محتاج، وإن كان نبيا: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب 5: 116. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم: 117 ". وأبطل هذا الاعتقاد مرة ثالثة، بأن الله قريب من عباده يسمع نجواهم ويجيب دعواهم، وأنه القائم بتدبيرهم وبتربيتهم، فقال تعالى: " ونحن أقرب إليه من حب الوريد 50: 16. أليس الله بكاف عبده 39: 36. أدعوني أستجب لكم 40: 60. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير 6: 18. قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الارض والله على كل شئ قدير 3: 29. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله 10: 107. وإن يمسسك بخير فهو على (البيان ـ 30)

 

===============

(466)

كل شئ قدير 6: 17. الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر 13: 26. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين 51: 58. ليس كمثله شئ وهو السميع البصير 42: 11. ألا إنه بكل شئ محيط 41: 54. فالله سبحانه غير معزول عن خلقه، وأمورهم كلها بيده، ولا يفتقر العباد إلى وسائط تبلغه حوائجهم، ليكونوا شركاء له في العبادة، بل الناس كلهم شرع سواء في أن الله ربهم وهو القائم بشؤونهم: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا 58: 7. كذلك الله يفعل ما يشاء 3: 40. إن الله يحكم ما يريد 5: 1 ". وعلى الجملة، لا شك لمسلم في ذلك. وهذا ما يمتاز به الموحد عن غيره، فمن عبد غير الله واتخذه ربا كان كافرا مشركا. العبادة والطاعة: لا شك أيضا في وجوب طاعة الله سبحانه، وفي استحقاق العقاب عقلا على مخالفته، وقد تكرر في القرآن وعد الله تعالى لمن أطاعه بالثواب ووعيده لمن عصاه بالعقاب. وأما إطاعة غير الله تعالى فهي على أقسام: الاول: أن تكون إطاعته بأمر من الله سبحانه وبإذنه كما في إطاعة الرسول

 

===============

(467)

الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) وأوصيائه الطاهرين (عليهم السلام) وهذا في الحقيقة إطاعة الله سبحانه، فهو واجب أيضا بحكم العقل: " من يطع الرسول فقد أطاع الله 4: 80. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله 4: 64 ". ومن أجل ذلك قرن الله طاعة رسوله بطاعته في كل مورد أمر فيه بطاعته: " ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما 33: 71. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم 4: 59 ". الثاني: أن تكون إطاعة غير الله منهيا عنها، كإطاعة الشيطان وإطاعة كل من أمير بمعصية الله، ولا شك في حرمة هذا القسم شرعا، وقبحه عقلا، بل قد تكون كفرا أو شركا، كما إذا امر بالشرك أو الكفر: " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين 33: 1. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا 76: 24. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما 31: 15 ". الثالث: أن تكون إطاعة غير الله مجردة لا أمر بها من الله ولا نهى، وهي حينئذ تكون جائزة لا واجبة ولا محرمة.

 

===============

(468)

العبادة والخضوع: لا ينبغي الريب في أنه لا بد للمخلوق من أن يخضع ويتذلل لخالقه، فإن ذلك مما حكم به العقل، وندب اليه الشرع. وأما الخضوع والتذلل للمخلوق فهو على أقسام: أحدها: الخضوع لمخلوق من دون إضافة ذلك المخلوق إلى الله بإضافة خاصة وذلك: كخضوع الولد لوالده، والخادم لسيده والمتعلم لمعلمه، وغير ذلك من الخضوع المتداول بين الناس، ولا ينبغي الشك في جواز هذا القسم ما لم يرد فيه نهى كالسجود لغير الله، بل جواز هذا القسم مقتضى الضرورة، وليس فيه أدنى شائبة للشرك، وقد قال عز من قائل: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 17: 24 ". أفترى أنه سبحانه أمر بعبادة الوالدين، حيث أمر بالتذلل لهما؟ مع أنه قد نهى عن عبادة من سواه قبل ذلك: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا 17: 23 ". أم ترى أن خفض الجناح من الذل ـ كما تفعله صغار الطير ـ هو من الاحسان الذي أمرت به الاية الكريمة، وجعلته مقابلا للعبادة، وإذا فلا يكون كل خضوع وتذلل لغير الله شركا بالله تعالى. ثانيها: الخضوع للمخلوق باعتقاد أن له إضافة خاصة إلى الله يستحق من أجلها أن يخضع له، مع أن العقيدة باطلة، وأن هذا الخضوع بغير إذن من الله كما في خضوع أهل الاديان والمذاهب الفاسدة لرؤسائهم. ولا ريب في أنه