(383)

 

البداء في التكوين

 

===============

(384)

العلم الالهي الازلي لا ينافى قدرته. موقف اليهود من قدرة الله. موقع البداء عند الشيعة. أقسام القضاء الالهي. ثمرة الاعتقاد بالبداء. حقيقة البداء عند الشيعة. أحاديث أهل السنة الدالة على البداء. إنباء المعصومين بالحوادث المستقبلة.

 

===============

(385)

بمناسبة الحديث عن النسخ في الاحكام وهو في أفق التشريع، وبمناسبة أن النسخ كالبداء وهو في أفق التكوين، وبمناسبة خفاء معنى البداء على كثير من علماء المسلمين، وأنهم نسبوا إلى الشيعة ما هم براء منه، وأنهم لم يحسنوا في الفهم ولم يحسنوا في النقد، وليتهم إذ لم يعرفوا تثبتوا أو توففوا (1) كما تفرضه الامانة في النقل، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم، والورع في الدين بمناسبة كل ذلك وجب أن نذكر شيئا في توضيح معنى البداء، وإن لم تكن له صلة ـ غير هذا ـ بمدخل التفسير. تمهيد: لا ريب في أن العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته، وأن وجود أي شئ من الممكنات منوط بمشيئة الله تعالى، فإن شاء أوجده، وإن لم يشأ لم يوجده. ولا ريب أيضا في أن علم الله سبحانه قد تعلق بالاشياء كلها منذ الازل، وأن الاشياء بأجمعها كان لها تعين علمي في علم الله الازلى وهذا التعين يعبر عنه ب " تقرير الله " تارة وب " قضائه " تارة أخرى، ولكن تقدير الله وعلمه سبحانه

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر التعليقة رقم (9) للوقوف على اختلاق الفخر الرازي نسبة الجهل إلى الله على لسان الشيعة ـ في قسم التعليقات. (*)

 

===============

(386)

بالاشياء منذ الازل لا يزاحم ولا ينافي قدرته تعالى عليها حين إيجادها، فإن الممكن لا يزال منوطا بتعلق مشيئة الله بوجوده التي قد يعبر عنها بالاختيار، وقد يعبر عنها بالارادة، فإن تعلقت المشيئة به وجد وإلا لم يوجد. والعلم الالهي يتعلق بالاشياء على واقعها من الاناطة بالمشيئة الالهية، لان انكشاف الشئ لا يزيد على واقع ذلك الشئ، فإذا كان الواقع منوطا بمشيئة الله تعالى كان العلم متعلقا به على هذه الحالة، وإلا لم يكن العلم علما به على وجهه، وانكشافا له على واقعه. فمعنى تقدير الله تعالى للاشياء وقضائه بها: أن الاشياء جميعها كانت متعينة في العلم الالهي منذ الازل على ما هي عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة بها، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الالهي. موقف اليهود من قدرة الله: وذهبت اليهود إلى أن قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الاشياء في الازل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه. ومن أجل ذلك قالوا: يد الله مغلولة عن القبض والبسط والاخذ والاعطاء، فقد جرى فيها قلم التقدير ولا يمكن فيها التغيير (1)، ومن الغريب أنهم ـ قاتلهم الله ـ التزموا بسلب القدرة عن الله، ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد، مع أن الملاك في كليهما واحد، فقد تعلق العلم الازلي بأفعال الله تعالى، وبأفعال العبيد على حد سواء. موقع البداء عند الشيعة: ثم إن البداء الذي تقول به الشيعة الامامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلف، ولا بد من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء، وتوضيح ذلك أن القضاء على ثلاثة أقسام:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر التعليقة رقم (10) لمعرفة بعض الاخبار الدالة على مشيئة الله تعالى ـ في قسم التعليقات. (*)

 

===============

(387)

أقسام القضاء الالهي: الاول: قضاء الله الذي لم يطلع عليه أحدا من خلقه، والعلم المخزون الذي استأثر به لنفسه، ولا ريب في أن البداء لا يقع في هذا القسم، بل ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) أن البداء إنما ينشأ من هذا العلم. روى الشيخ الصدوق في " العيون " بإسناده عن الحسن بن محمد النوفلي أن الرضا (عليه السلام) قال لسليمان المروزي: " رويت عن أبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن لله عز وجل علمين علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، وعلما علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه... " (1). وروى الشيخ محمد بن الحسن الصفار في " بصائر الدرجات " بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه، ونحن نعلمه " (2).

الثاني: قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتما، ولا ريب في أن هذا القسم أيضا لا يقع فيه البداء، وإن افترق عن القسم الاول، بأن البداء لا ينشأ منه. قال الرضا (عليه السلام) لسليمان المروزي ـ في الرواية المتقدمة ـ عن الصدوق: " إن عليا (عليه السلام) كان يقول: العلم علمان، فعلم علمه الله ملائكته ورسله،

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) عيون أخبار الرضا باب 13 في ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي، والبحار: باب البداء والنسخ ج 2 ص 132 ط كمباني.

(2) نقلا عن البحار باب البداء والنسخ ج 2 ص 136 ط كمباني، ورواه الشيخ الكليني عن أبي بصير أيضا، الوافي باب البداء ج 1 ص 113. (*)

 

===============

(388)

فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون، ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه يقدم منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء " (1).

وروى العياشي عن الفضيل، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " من الامور أمور محتومة جائية لا محالة، ومن الامور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحدا ـ يعني الموقوفة ـ فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا بكذب نفسه، ولا نبيه، ولا ملائكته " (2).

الثالث: قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشيئة الله بخلافه. وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب 13: 39. لله الامر من قبل ومن بعد 29: 4 ". وقد دلت على ذلك روايات كثيرة منها هذه:

 1 ـ ما في " تفسير علي بن إبراهيم " عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة، فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أو يؤخره، أو ينقص شيئا أمر الملك أن يمحو ما يشاء، ثم أثبت الذي أراده. قلت: وكل شئ هو عند الله مثبت في كتاب؟ قال: نعم. قلت:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) عيون أخبار الرضا باب 13 ورواه الشيخ الكليني عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) الوافي باب البداء ج 1 ص 113.

(2) نقلا عن البحار: باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني. (*)

 

===============

(389)

فأي شئ يكون بعده؟ قال: سبحان الله، ثم يحدث الله أيضا ما يشاء تبارك وتعالى " (1).

2 ـ ما في تفسيره أيضا عن عبد الله بن مسكان عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام) في تفسير قوله تعالى: " فيها يفرق كل أمر حكيم 44: 4 ". أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة. يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الاجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء.. " (2).

3 ـ ما في كتاب " الاحتجاج " عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " لولا آية في كتا ب الله، لاخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الاية: يمحوا الله... " (3).

وروى الصدوق في الامالي والتوحيد بإسناده عن الاصبغ عن أمير المؤمنين عليه مثله.

4 ـ ما في " تفسير العياشي " عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. فقلت: أية آية؟ قال: قول الله: يمحو الله... " (4).

5 ـ ما في " قرب الاسناد " عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: قال

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نقلا عن البحار. باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني.

(2) نفس المصدر ص 134.

(3) الاحتجاج للطبرسي ص 137 المطبعة المرتضوية ـ النجف الاشرف.

(4) نقلا عن البحار باب البداء والنسخ ج 2 ص 139 ط كمباني. (*)

 

===============

(390)

أبو عبد الله، وأبو جعفر، وعلي بن الحسين، والحسين بن علي، والحسن بن علي وعلي بن أبي طالب (عليهم السلام): " لولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة: يمحو الله... " (1). إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وقوع البداء في القضاء الموقوف. وخلاصة القول: أن القضاء الحتمي المعبر عنه باللوح المحفوظ، وبام الكتاب، والعلم المخزون عندالله يستحيل أن يقع فيه البداء. وكيف يتصور فيه البداء؟ وأن الله سبحانه عالم بجميع الاشياء منذ الازل، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء. روى الصدوق في " إكمال الدين " بإسناده عن أبي بصير وسماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شئ لم يعلمه أمس فابرأوا منه " (2).

وروى العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: " إن الله يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب، وقال: فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شئ يبدو له إلا وقد كان في علمه، إن الله لا يبدو له من جهل " (3).

وروى أيضا عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سئل عن قول الله: يمحو الله.. قال: إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت، فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء، وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا " (4).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر ص 132.

(2) نقلا عن البحار، باب البداء والنسخ ج 2 ص 136.

(3) نقلا عن نفس المصدر ص 139.

(4) نقلا عن نفس المصدر ص 139. (*)

 

===============

(391)

وروى الشيخ الطوسي في كتاب " الغيبة " بإسناده عن البزنطي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال علي بن الحسين، وعلي بن أبي طالب قبله، ومحمد بن علي وجعفر بن محمد: " كيف لنا بالحديث مع هذه الاية يمحو الله.. فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم الشئ إلا بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد " (1).

والروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) أن الله لم يزل عالما قبل أن يخلق الخلق، فهي فوق حد الاحصاء، وقد اتفقت على ذلك كلمة الشيعة الامامية طبقا لكتاب الله وسنة رسوله، جريا على ما يقتضيه حكم العقل الفطري الصحيح. ثمرة الاعتقاد بالبداء: والبداء: إنما يكون في القضاء الموقوف المعبر عنه بلوح المحو والاثبات، والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله. فالقول بالبداء: هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وأن إرادة الله نافذة في الاشياء أزلا وأبدا، بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الالهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين ـ وإن كانوا أنبياء أو أوصياء ـ لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فإن بعضا منهم وإن كان عالما ـ بتعليم الله إياه ـ بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه، فإنه لا يعلم بمشيئة الله تعالى ـ لوجود شئ ـ أو عدم مشيئته إلا حيث يخبره الله تعالى به على نحو الحتم.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نقلا عن البحار باب البداء والنسخ ج 2 ص 136 ط كمباني، وروى الشيخ الكليني بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما بدا لله في شئ إلا كان في علمه قبل أن يبدو له " الوافي باب البداء ج 1 ص 113 ".

 

===============

(392)

والقول بالبداء: يوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإن إنكار البداء والالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة ـ دون استثناء ـ يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإن ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبدا، ولم ينفعه الدعا ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (عليهم السلام) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد. وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) من الاهتمام بشأن البداء. فقد روى الصدوق في كتاب " التوحيد " بإسناده عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال: " ما عبد الله عز وجل بشئ مثل البداء " (1). وروى بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما عظم الله عز وجل بمثل البداء " (2).

وروى بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما بعث الله عز وجل نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبودية وخلع الانداد، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء " (3).

والسر في هذا الاهتمام: أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) أفضل من البداء ـ نسخة اخرى.

(2) التوحيد للصدوق باب البداء ص 272 ط سنة 1386، ورواه الشيخ الكليني أيضا. الوافي باب البداء ج 1 ص 113.

(3) نفس المصدر ص 272، ورواه الشيخ الكليني أيضا الوافي باب البداء ج 1 ص 113. (*)

 

===============

(393)

غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه. حقيقة البداء عند الشيعة: وعلى الجملة: فإن البداء بالمعنى الذي تقول به الشيعة الامامية هو من الابداء " الاظهار " حقيقة، وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل والاطلاق بعلاقة المشاكلة. وقد اطلق بهذا المعنى في بعض الروايات من طرق أهل السنة. روى البخاري بإسناده عن أبي عمرة، أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأعمى وأقرع، بدالله عز وجل أن يبتليهم فبعث اليهم ملكا فأتى الابرص... " (1) وقد وقع نظير ذلك في كثير من الاستعمالات القرآنية، كقوله تعالى: " الان علم الله أن فيكم ضعفا 8: 66 ". وقوله تعالى: " لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا 8: 12 ". وقوله تعالى: " لنبلوهم أيهم أحسن عملا 8: 7 ". وما أكثر الروايات من طرق أهل السنة في أن الصدقة والدعاء يغيران القضاء (2).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج 4 باب ما ذكر عن بني إسرائيل ص 146.

(2) انظر التعليقة رقم (11) للوقوف على روايات تفيد أن الدعاء يغير القضاء ـ في قسم التعليقات. (*)

 

===============

(394)

أما ما وقع في كلمات المعصومين (عليهم السلام) من الانباء بالحوادث المستقبلة فتحقيق الحال فيها: أن المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمر مستقبل على سبيل الحتم والجزم ودون تعليق، فذلك يدل أن ما أخبر به مما جرى به القضاء المحتوم وهذا هو القسم الثاني " الحتمي " من أقسام القضاء المتقدمة. وقد علمت أن مثله ليس موضعا للبداء، فإن الله لا يكذب نفسه ولا نبيه. ومتى ما أخبر المعصوم بشئ معلقا على أن لا تتعلق المشيئة الالهية بخلافه، ونصب قرينة متصلة أو منفصلة على ذلك فهذا الخبر إنما يدل على جريان القضاء الموقوف الذي هو موضع البداء. والخبر الذي أخبر به المعصوم صادق وإن جرى فيه البداء، وتعلقت المشيئة الالهية بخلافه. فإن الخبر ـ كما عرفت ـ منوط بأن لا تخالفه المشيئة. وروى العياشي عن عمرو بن الحمق قال: " دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ضرب على قرنه، فقال لي: يا عمرو إني مفارقكم، ثم قال: سنة السبعين فيها بلاء... فقلت: بأبي أنت وأمي قلت: إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاء ".. وذكر آية يمحو الله...

 

===============

(395)

أصول التفسير

 

===============

(396)

بطلان الاعتماد على الظن وعلى آراء المفسرين في فهم القرآن. مدارك التفسير. تخصيص القرآن بخبر الواحد. شبهات المنكرين له، والاقوال في المسألة.

 

===============

(397)

التفسير هو إيضاح مراد الله تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شئ لم يثبت أنه حجة من طريق العقل، أو من طريق الشرع، للنهي عن اتباع الظن، وحرمة إسناد شئ إلى الله بغير إذنه قال الله تعالى: " قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون 10: 59 ". وقال الله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم 17: 36 ". إلى غير ذلك من الايات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم، والروايات الناهية عن التفسير بالرأي مستفيضة من الطريقين. ومن هذا يتضح أنه لا يجوز اتباع أحد المفسرين في تفسيره، سواء أكان ممن حسن مذهبه أم لم يكن، لانه من أتباع الظن، وهو لا يغني من الحق شيئا. مدارك التفسير: ولا بد للمفسر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح " فقد بينا لك حجية الظواهر " أو يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح فإنه حجة من الداخل كما أن النبي حجة من الخارج، أو يتبع ما ثبت عن المعصومين (عليهم السلام) فإنهم المراجع في الدين، والذين أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بوجوب التمسك بهم

 

===============

(398)

فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا (1).

ولا شبهة في ثبوت قولهم (عليه السلام) إذا دل عليه طريق قطعي لا شك فيه كما أنه لا شبهة في عدم ثبوته إذا دل عليه خبر ضعيف غير جامع لشرائط الحجية، وهل يثبت بطريق ظني دل على اعتباره دليل قطعي؟ فيه كلام بين الاعلام. وقد يشكل: في حجية خبر الواحد الثقة إذا ورد عن المعصومين (عليهم السلام) في تفسير الكتاب، ووجه الاشكال في ذلك أن معنى الحجية التي ثبتت لخبر الواحد، أو لغيره من الادلة الظنية هو وجوب ترتيب الاثار عليه عملا في حال الجهل بالواقع، كما تترتب على الواقع لو قطع به، وهذا المعنى لا يتحقق إلا إذا كان مؤدى الخبر حكما شرعيا، أو موضوعا قد رتب الشارع عليه حكما شرعيا، وهذا الشرط قد لا يوجد في خبر الواحد الذي يروى عن المعصومين في التفسير. وهذا الاشكال: خلاف التحقيق، فإنا قد أوضحنا في مباحث " علم الاصول " أن معنى الحجية في الامارة الناظرة إلى الواقع هو جعلها علما تعبديا في حكم الشارع، فيكون الطريق المعتبر فردا من أفراد العلم، ولكنه فرد تعبدي لا وجداني فيترتب عليه كلما يترتب على القطع من الاثار، فيصح الاخبار على طبقه كما يصح أن يخبر على طبق العلم الوجداني، ولا يكون من القول بغير علم. ويدلنا على ذلك سيرة العقلاء، فإنهم يعاملون الطريق المعتبر معاملة العلم الوجداني من غير فرق بين الاثار، فإن اليد مثلا امارة عند العقلاء على مالكية

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) يأتي بعض مصادر الحديث في التعليقة رقم (1) من قسم التعليقات من هذا الكتاب وفي كنز العمال ـ باب الاعتصام بالكتاب والسنة ج 1 ص 103 و 332 طبعة دائرة المعارف العثمانية ـ الشئ الكثير من طرق هذه الرواية. (*)

 

===============

(399)

صاحب اليد لما في يده، فهم يرتبون له آثار المالكية، وهم يخبرون عن كونه مالكا للشئ بلا نكير، ولم يثبت من الشارع ردع لهذه السيرة العقلائية المستمرة. نعم يعتبر في الخبر الموثوق به، وفى غيره من الطرق المعتبرة أن يكون جامعا لشرائط الحجية، ومنها أن لا يكون الخبر مقطوع الكذب، فإن مقطوع الكذب لا يعقل أن يشمله دليل الحجية والتعبد، وعلى ذلك فالاخبار التي تكون مخالفة للاجماع، أو للسنة القطعية، أو الكتاب، أو الحكم العقلي الصحيح لا تكون حجة قطعا، وإن استجمعت بقية الشرائط المعتبرة في الحجية. ولا فرق في ذلك بين الاخبار المتكفلة لبيان الحكم الشرعي، وغيرها. والسر في ذلك: أن الراوي مهما بلغت به الوثاقة، فإن خبره غير مأمون من مخالفة الواقع، إذ لا أقل من احتمال اشتباه الامر عليه، وخصوصا إذا كثرت الوسائط، فلا بد من التشبث بدليل الحجية في رفع هذا الاحتمال، وفرضه كالمعدوم. وأما القطع بالخلاف، وبعدم مطابقة الخبر للواقع فلا يعقل التعبد بعدمه، لان كاشفية القطع ذاتية، وحجيته ثابتة بحكم العقل الضروري. وإذن فلا بد من اختصاص دليل الحجية بغير الخبر الذي يقطع بكذبه وبمخالفته للواقع، وهكذا الشأن في غير الخبر من الطرق المعتبرة الاخرى التي تكشف عن الواقع، وهذا باب تنفتح منه أبواب كثيرة، وبه يجاب عن كثير من الاشكالات والاعتراضات فلتكن على ذكر منه. تخصيص القرآن بخبر الواحد: إذا ثبتت حجية الخبر الواحد بدليل قطعي فهل يخصص به عموم ما ورد في الكتاب العزيز؟ ذهب المشهور إلى جواز ذلك، وخالف فيه فريق من علماء أهل السنة، فمنعه بعضهم على الاطلاق. وقال عيسى بن أبان: إن كان العام الكتابي قد خص ـ من قبل ـ بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا لم يجز. وقال الكرخي: إذا خص العام بدليل منفصل جاز تخصيصه بعد ذلك

 

===============

(400)

بخبر الواحد وإلا فلا. وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف (1).

والذي نختاره: هو القول المشهور. والدليل على ذلك أن الخبر ـ كما فرضنا ـ قطعي الحجية، ومقتضى ذلك أنه يجب العمل بموجبه ما لم يمنع منه مانع. شبهات وأقوال: وما توهم منعه عن ذلك امور لا تصلح للمنع:

 1 ـ قالوا: إن الكتاب العزيز كلام الله العظيم المنزل على نبيه الكريم، وذلك قطعي لا شبهة فيه. وأما خبر الواحد فلا يقين بمطابقته للواقع، ولا بصدور مضمونه عن المعصوم إذ لا أقل من احتمال اشتباه الراوي. والعقل لا يجوز أن ترفع اليد عن أمر مقطوع به لدليل يحتمل فيه الخطأ. والجواب عن ذلك: أن الكتاب ـ وإن كان قطعي الصدور ـ إلا أنه لا يقين بأن الحكم الواقعي على طبق عموماته، فإن العمومات إنما وجب العمل على طبقها من أجل أنها ظاهر الكلام، وقد استقرت العقلاء على حجية الظواهر، ولم يردع الشارع على اتباع هذه السيرة. ومن البين أن سيرة العقلاء على حجية الظاهر مختصة بما إذا لم تقم قرينة على خلاف الظهور، سواء أكانت القرينة متصلة أم كانت منفصلة، فإذا نهضت القرينة على الخلاف وجب رفع اليد عن الظاهر، والعمل على وفق القرينة. وإذن فلا مناص من تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد بعد قيام الدليل القطعي على حجيته. فإن معنى ذلك أن مضمون الخبر صادر عن المعصومين تعبدا. وإن شئت فقل: إن سند الكتاب العزيز ـ وإن كان قطعيا ـ إلا أن دلالته ظنية، ولا محذور بحكم العقل في أن ترفع اليد عن الدلالة الظنية لدليل ظني آخر ثبتت حجيته بدليل قطعي.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الاحكام للامدي ج 2 ص 472. (*)

 

===============

(401)

2 ـ وقالوا: قد صح عن المعصومين (عليهم السلام) أن تعرض الروايات على الكتاب وما يكون منها مخالفا لكتاب الله يلزم طرحه، وضربه على الجدار، وهو مما لم يقولوه. والخبر الخاص المخالف لعموم الكتاب مما تشمله تلك الادلة، فيجب طرحه وعدم تصديقه. والجواب عن ذلك: أن القرائن العرفية على بيان المراد من الكتاب لا تعد في نظر العرف من المخالفة له في شئ، والدليل الخاص قرينة لا يضاح المعنى المقصود من الدليل العام، والمخالفة بين الدليلين إنما تتحقق إذا عارض أحدهما صاحبه بحيث يتوقف أهل العرف في فهم المراد منهما إذا صدر كلاهما من متكلم واحد، أو ممن بحكمه فخبر الواحد الخاص ليس مخالفا للعام الكتابي، بل هو مبين للمراد منه. ويدل على ذلك أيضا: أنا نعلم أنه قد صدر عن المعصومين (عليهم السلام) كثير من الاخبار المخصصة لعمومات الكتاب، والمقيدة لمطلقاته، فلو كان التخصيص أو التقييد من المخالف للكتاب لما صح قولهم: " ما خالف قول ربنا لم نقله، أو هو زخرف، أو باطل " فيكون صدور ذلك عنهم (عليهم السلام) دليلا على أن التخصيص أو التقييد ليس من المخالفة في شئ. أضف إلى ذلك: أن المعصومين (عليهم السلام) قد جعلوا موافقة أحد الخبرين المتعارضين للكتاب مرجحا له على الخبر الاخر، ومعنى ذلك أن معارضه ـ وهو الذي لم يوافق الكتاب ـ حجة في نفسه لو لا المعارضة، ومن الواضح أن ذلك الخبر لو كانت مخالفته للكتاب على نحو لا يمكن الجمع بينهما لم يكن حجة في نفسه ولم يبق مع مجال للمعارضة والترجيح، وإذن فلا مناص من أن يكون المراد من عدم موافقته للكتاب أنه يمكن الجمع بينهما عرفا بالالتزام بالتخصيص أو التقييد.

(البيان ـ 26).

 

===============

(402)

ونتيجة ذلك: أن الخبر المخصص للكتاب، أو المقيد له حجة في نفسه، ويلزم العمل به إلا حين يبتلى بالمعارضة.

3 ـ وقالوا: لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لجاز نسخه به، والنسخ به غير جائز يقينا فالتخصيص به غير جائز أيضا، والسند في هذه الملازمة: أن النسخ ـ كما أوضحناه في مبحث النسخ ـ تخصيص في الازمان، والدليل الناسخ كاشف عن أن الحكم الاول كان مختصا بزمان ينتهي بورود ذلك الدليل الناسخ، فنسخ الحكم ليس رفعا له حقيقة، بل هو رفع له صورة وظاهرا، والتخصيص في الافراد كالتخصيص في الازمان، فكلاهما تخصيص، فلوجاز الاول لجاز الثاني. والجواب عن ذلك: أن الفارق بين النوعين من التخصيص هو الاجماع القطعي على المنع في النسخ ولو لا ذلك الاجماع لجاز النسخ بخبر الواحد الحجة، كما جاز التخصيص به، وقد بينا أن الكتاب وإن كان قطعي السند إلا أن دلالته غير قطعية، ولا مانع من رفع اليد عنها بخبر الواحد الذي ثبتت حجيته بدليل قطعي. نعم: الاجماع المذكور ليس إجماعا تعبديا، بل لان بعض الامور من شأنه أن ينقل بالتواتر لو تحقق في الخارج، فإذا اختص بنقله بعض دون بعض كان ذلك دليلا على كذب راويه أو خطئه، فلا تشمله أدلة الحجية لخبر الواحد، ومن أجل هذا قلنا: إن القرآن لا يثبت بخبر الواحد. ومما لا ريب فيه أن النسخ لا يختص بقوم من المسلمين دون قوم، والدواعي لنقله متظافرة، فلو ثبت لكانت الاخبار به متواترة، فإذا اختص الواحد بنقله كان ذلك دليلا على كذبه أو خطئه، وبذلك يظهر الفارق بين التخصيص والنسخ وتبطل الملازمة بين جواز الاول وجواز الثاني.

 

===============

(403)

 

حدوث القرآن وقدمه

 

===============

(404)

التكلم من صفات الله الثبوتية. مسألة حدوث القرآن وقدمه أمر حادث لا صلة له بعقائد الاسلام. صفات الله الذاتية وصفاته الفعلية. الكلام النفسي. أدلة الاشاعرة على الكلام النفسي. تصور الكلام قبل وجوده أجنبي عن الكلام النفسي. الكلام النفسي أمر خيالي بحت.

 

===============

(405)

لا يشك أحد من المسلمين أن كلام الله الذي أنزله على نبيه الاعظم برهانا على نبوته ودليلا لامته. ولا يشك أحد منهم أن التكلم إحدى صفات الله الثبوتية المعبر عنها بالصفات الجمالية. وقد وصف الله سبحانه نفسه بهذه الصفة في كتابه فقال تعالى: " وكلم الله موسى تكليما 4: 103 ". أثر الفلسفة اليونانية في حياة المسلمين: وقد كان المسلمون بأسرهم على ذلك، ولم يكن لهم أي اختلاف فيه، حتى دخلت الفلسفة اليونانية أوساط المسلمين، وحتى شعبتهم بدخولها فرقا تكفر كل طائفة اختها، وحتى استحال النزاع والجدال إلى المشاجرة والقتال، فكم هتكت في الاسلام من أعراض محترمة، وكم اختلست من نفوس بريئة، مع أن القاتل والمقتول يعترفان بالتوحيد، ويقران بالرسالة والمعاد. أليس من الغريب أن يتعرض المسلم إلى هتك عرض أخيه المسلم وإلى قتله؟ وكلاهما يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأن الله يبعث من في القبور. أولم تكن سيرة نبي الاسلام وسيرة من ولي الامر من بعده أن يرتبوا آثار الاسلام على من يشهد بذلك؟ فهل روى أحد أن الرسول أو غيره ممن قام مقامه سأل أحدا عن حدوث القرآن

 

===============

(406)

وقدمه، أو عما سواه من المسائل الخلافية، ولم يحكم بإسلامه إلا بعد أن؟ قر بأحد طرفي الخلاف؟!! ولست أدري ـ وليتني كنت أدري ـ بماذا يعتذر من ألقى الخلاف بين المسلمين وبم يجيب ربه يوم يلاقيه، فيسأله عما ارتكب؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد حدثت هذه المسألة ـ حدوث القرآن وقدمه ـ بعد انشعاب المسلمين شعبتين: أشعري وغير أشعري. فقالت الاشاعرة بقدم القرآن، وبأن الكلام على قسمين: لفظي ونفسي، وأن كلام الله النفسي قائم بذاته وقديم بقدمه وهو إحدى صفاته الذاتية. وذهبت المعتزلة والعدلية إلى حدوث القرآن، وإلى انحصار الكلام في اللفظي، وإلى أن التكلم من الصفات الفعلية. صفات الله الذاتية والفعلية: والفارق بين صفات الله الذاتية وصفاته الفعلية أن صفات الله الذاتية هي التي يستحيل أن يتصف سبحانه بنقيضها أبدا. إذا فهي التي لا يصح سلبها عنه في حال. ومثال ذلك: العلم والقدرة والحياة، فالله تبارك وتقدس لم يزل ولا يزال عالما قادرا حيا، ويستحيل أن لا يكون كذلك في حال من الاحوال. وأن صفاته الفعلية هي التي يمكن أن يتصف بها في حال وبنقيضها في حال آخر. ومثال ذلك: الخلق والرزق، فيقال: إن الله خلق كذا ولم يخلق كذا، ورزق فلانا ولدا ولم يرزقه مالا. وبهذا يظهر جليلا أن التكلم إنما هو من الصفات الفعلية، فإنه يقال: كلم الله موسى ولم يكلم فرعون، ويقال: كلم الله موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل. الكلام النفسي: اتفقت الاشاعرة على وجود نوع آخر من الكلام غير النوع اللفظي المعروف وقد سموه بالكلام النفسي، ثم اختلفوا فذهب فريق منهم إلى أنه مدلول الكلام

 

===============

(407)

اللفظي ومعناه، وذهب آخرون إلى أنه مغاير لمدلول اللفظ، وأن دلالة اللفظ عليه دلالة غير وضعية، فهي من قبيل دلالة الافعال الاختيارية على إرادة الفاعل وعلمه وحياته. والمعروف بينهم اختصاص القدم بالكلام، إلا أن الفاضل القوشجي نسب إلى بعضهم القول بقدم جلد القرآن وغلافه أيضا (1). وقد عرفت أن غير الاشاعرة متفقون على حدوث القرآن، وعلى أن كلام الله اللفظي ككلماته التكوينية مخلوق له، وآية من آياته. ولا يترتب على الكلام في هذه المسألة وتحقيق القول فيها غرض مهم، لانها خارجة عن أصول الدين وفروعه، وليست لها أية صلة بالمسائل الدينية، والمعارف الالهية، غير أنني أحببت التكلم فيها ليتضح لاخواننا الاشاعرة ـ وهم أكثر المسلمين عددا ـ أن ما ذهبوا إليه واعتقدوا به وحسبوه مما يجب الاعتقاد به أمر خيالي لا أساس له من العقل والشرع. وتوضيح ذلك: أنه لا خلاف في أن الكلام المؤلف من الحروف الهجائية المتدرجة في الوجود أمر حادث يستحيل اتصاف الله تعالى به في الازل وغير الازل. والخلاف إنما هو في وجود سنخ آخر من الكلام مجتمعة أجزاؤه وجودا، فأثبتته الاشاعرة وقالت بأنه من صفات الله الذاتية كما يتصف غيره به أيضا. ونفاه غيرهم وحصروا الكلام في اللفظي، وقالوا: إن قيامه بالمتكلم قيام الفعل بالفاعل والصحيح هو القول الثاني. ودليلنا على ذلك: أن الجمل: إما خبرية وإما إنشائية. أما الجمل الخبرية، فإنا إذا فحصنا مواردها لن نجد فيها إلا تسعة أمور، وهي التي لا بد منها في الاخبار عن ثبوت شئ لشئ أو عدم ثبوته له:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح التجريد: المقصد الثالث ص 354 (*)

 

===============

(408)

أولا ـ مفردات الجملة بموادها، وهيئاتها. ثانيا ـ معاني المفردات، ومداليلها. ثالثا ـ الهيئة التركيبية للجملة. رابعا ـ ما تدل عليه الهيئة التركيبية. خامسا ـ تصور المخبر مادة الجملة، وهيئتها. سادسا ـ تصور مدلول الجملة بمادتها، وهيئتها. سابعا ـ مطابقة النسبة لما في الخارج، أو عدم مطابقتها له ثامنا ـ علم المخبر بالمطابقة، أو بعدمها، أو شكه فيها. تاسعا ـ إرادة المتكلم لايجاد الجملة في الخارج مسبوقة بمقدماتها. وقد اعترفت الاشاعرة بأن الكلام النفسي ليس شيئا من الامور المذكورة وعلى هذا فلا يبقى للكلام النفسي عين ولا أثر، أما مفاد الجملة فلا يمكن أن يكون هو الكلام النفسي، لان مفاد الجملة الخبرية ـ على ما هو المعروف ـ ثبوت شئ لشئ أو سلبه عنه، وعلى ما هو التحقيق ـ عندنا ـ هو قصد الحكاية عن عن الثبوت أو السلب، فقد أثبتنا أن الهيئة التركيبية للجملة الخبرية بمقتضى وضعها أمارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، وشأنها في ذلك شأن ما سوى الالفاظ من الامارات الجعلية. وقد حققنا: أن الوضع هو التعهد بجعل لفظ خاص أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه، وقد أوضحنا ذلك كله في محله (1) هذا هو مفاد الجملة الخبرية، والكلام النفسي ـ عند القائل به ـ موجود نفساني من سنخ الكلام مغاير للنسبة الخارجية ولقصد الحكاية.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) في كتابنا " أجود التقريرات " في الاصول، المطبوع مع تعليقاتنا. (*)

 

===============

(409)

وأما الجمل الانشائية فهي كالجمل الخبرية، والفارق بينهما أن الجمل الانشائية ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه وعليه فالامور التي لا بد منها في الجمل الانشائية سبعة، وهي بذاتها الامور التسعة التي ذكرناها في الجمل الخبرية ما عدا السابع والثامن منها، وقد علمت أن الكلام النفسي عند القائلين به ليس واحدا منها. ولعل سائلا يقول: ما هو مفاد هيئة الجملة الانشائية؟. المعروف بين العلماء أنها موضوعة لايجاد معنى من المعاني نحو إيجاد مناسب لعالم الانشاء، وقد تكرر في كلمات كثير منهم أن الانشاء إيجاد المعنى باللفظ، وقد ذكرنا في مباحثنا الاصولية أنه لا أصل للوجود الانشائي، واللفظ والمعنى وإن كانت لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشئ من الوضع، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز، ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه إلى اللفظ، وبهذا المعنى يصح أن يقال: وجد المعنى باللفظ وجودا لفظيا، إلا أن هذا لا يختص بالجمل الانشائية، بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضا. أما وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبدا: أحدهما: وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والاعراض، ولا بد في تحقيق هذا الوجود من تحقق أسبابه وعلله، والالفاظ أجنبية عنها بالضرورة. ثانيهما: وجوده الاعتباري، وهو نحو من الوجود للشئ إلا أنه في عالم الاعتبار لا في الخارج، وتحقق هذا النحو من الوجود إنما هو باعتبار من بيده الاعتبار، واعتبار كل معتبر قائم بنفسه، ويصدر منه بالمباشرة، ولا يتوقف على وجود لفظ في الخارج أبدا، أما إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس، فهو وإن توقف على صدور لفظ من المنشئ أو

 

===============

(410)

ما بحكم اللفظ، ولا أثر لاعتباره إذا تجرد عن المبرز من قول أو فعل، إلا أن الامضاء المذكور متوقف على صدور لفظ قصد به الانشاء، وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جئ به في المرحلة السابقة على الامضاء. وعلى الجملة: إن الوجود الحقيقي والاعتباري للشئ لا يتوقفان على اللفظ، وإما إمضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشئ، إلا أنه يتوقف عليه بما هو لفظ مستعمل في معناه، وأما الوجود اللفظي فهو عام لكل معنى دل عليه باللفظ، فلا أساس للقول المعروف: " الانشاء إيجاد المعنى باللفظ ". والصحيح: إن الهيئات الانشائية وضعت لابراز أمر ما من الامور النفسانية وهذا الامر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات كما في الامر والنهي والعقود والايقاعات، وقد يكون صفة من الصفات، كما في التمني والترجي، فهيئات الجمل أمارات على أمر ما من الامور النفسانية وهو في الجمل الخبرية قصد الحكاية، وفي الجمل الانشائية أمر آخر. ثم إن الاتيان بالجملة المبرزة ـ بوضعها ـ لامر نفساني قد يكون بداعي إبراز ذلك الامر، وقد يكون بداع آخر سواه، وفي كون الاستعمال في هذا القسم الاخير مجازا أو حقيقة كلام ليس هنا محل ذكره، وللاطلاع على تفصيل الكلام في ذلك يراجع تعليقاتنا الاصولية. والذي يظهر من موارد استعمال لفظ الطلب: أنه موضوع للتصدي لتحصيل شئ ما، فلا يقال: طلب الضالة، ولا طلب الاخرة، إلا عند التصدي لتحصيلهما، وفي لسان العرب " الطلب محاولة وجدان الشئ وأخذه "، وبهذا الاعتبار يصدق على الامر أنه طالب، لانه يحاول وجدان الفعل المأمور به، فإن الامر هو الذي يدعو المأمور إلى الاتيان بمتعلقه، وهو بنفسه مصداق للطلب، لا أن الامر لفظ والطلب معناه فلا أساس للقول بأن الامر موضوع للطلب، ولا للقول بأن الطلب كلام نفسي يدل عليه الكلام اللفظي.

 

===============

(411)

وقد أصابت الاشاعرة في قولهم: " إن الطلب غير الارادة " ولكنهم أخطأوا في جعله صفة نفسية، وفي جعله مدلولا عليه بالكلام اللفظي. نفي الكلام النفسي: ومن جميع ما ذكرناه يستبين القارئ: أنه ليس في موارد الجمل الخبرية ولا الانشائية ما يكون من سنخ الكالم قائما بالنفس، ليسمى بالكلام النفسي، نعم لا بد للمتكلم من أن يتصور كلامه قبل إيجاده، والتصور وجود في النفس يسمونه بالوجود الذهني، فإن أراد القائلون بالكلام النفسي هذا النحو من الوجود للكلام في النفس فهو صحيح، ولكنك تعلم أنه غير مختص بالكلام، بل يعم كل فعل اختياري، والكلام إنما لزم تصوره لانه فعل اختياري للمتكلم. أدلة الاشاعرة على الكلام النفسي: استدل القائلون بالكلام النفسي على مدعاهم بوجوه: الاول: أن كل متكلم يرتب الكلام في نفسه قبل أن يتكلم به، والموجود في الخارج من الكلام يكشف عن وجود مثله في النفس، وهذا وجداني يجده كل متكلم في نفسه، واليه أشار الاخطل بقوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وجوابه قد تقدم: فإن تركيب الكلام في النفس هو تصوره وإحضاره فيها، وهو الوجود الذهني الذي يعم الافعال الاختيارية كافة، فالكاتب والنقاش لا بد لهما من أن يتصورا عملهما أولا قبل أن يوجداه، فلا صلة لهذا بالكلام النفسي. الثاني: أنه يطلق الكلام على الموجود منه في النفس، وإطلاقه عليه صحيح بلا عناية، فيقول القائل: إن في نفسي كلاما لا اريد أن أبديه، وقد قال الله عز اسمه:

 

===============

(412)

" وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور 67: 13 ". وجوابه يظهر مما تقدم: فإن الكلام كلام في وجوده الذهني، كما هو كلام في وجوده الخارجي ولكل شئ نحوان من الوجود: خارجي وذهني، والشئ هو ذلك الشئ في كلا وجوديه، وإطلاق الاسم عليه بلا عناية. ولا يختص هذا بالكلام، فيقول المهندس: إن في نفسي صورة بناء سأنقشها في خارطة، ويقول المتعبد: إن في نفسي أن أصوم غدا. الثالث: أنه يصح إطلاق المتكلم على الله، وهذا الهيئة اسم الفاعل وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قياما وصفيا. ولذا لا يطلق المتحرك والساكن والنائم إلا على من تلبس بالحركة والسكون والنوم، دون من أوجدها. وواضح أن الكلام اللفظي لا يمكن أن يتصف به الله تعالى، لا ستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة، فلا مناص من الالتزام بالكلام القديم، ليصح إطلاق المتكلم على الله سبحانه باعتبار اتصافه به. وجوابه: أن المبدأ في صيغة المتكلم ليس هو الكلام، فإنه غير قائم بالمتكلم قيام الصفة بموصوفها حتى في غير الله، فإن الكلام كيفية عارضة للصوت الحاصل من تموج الهواء، وهو أمر قائم بالهواء لا بالمتكلم، والمبدأ في الصيغة المذكورة هو التكلم، ولا نعقل له معنى غير إيجاد الكلام، فإطلاقه على الله وعلى غيره بمعنى واحد. وأما قول المستدل: " إن هيئة اسم الفاعل وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قيام الوصف بالموصوف " فهو غلط بين، فان الهيئة إنما تفيد قيام المبدأ بالذات

 

===============

(413)

نحوا من القيام. أما خصوصيات القيام من كونها إيجادية أو حلولية أو غيرهما فهي غير مأخوذة في مفاد الهيئة وهي تختلف باختلاف الموارد، ولا تدخل تحت ضابط كلي، فالعالم والنائم مثلا لا يطلقان على موجد العلم والنوم، لكن القابض والباسط والنافع والضار تطلق على موجد هذه المبادئ، وعليه فعدم صحة إطلاق المتحرك على موجد الحركة لا يستلزم عدم صحة إطلاق المتكلم على موجد الكلام. وحاصل ما تقدم: أن الكلام النفسي أمر خيالي بحت لا دليل على وجوده من وجدان أو برهان. ومن المناسب أن نختم الكلام بما ذكره الامام أبو عبد الله جععر بن محمد الصادق (عليه السلام) في هذا الموضوع، فقد روى الشيخ الكليني بإسناده عن أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور. فلما أحدث الاشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر والقدرة على المقدور. قال: قلت: فلم يزل الله متحركا؟ قال: فقال: تعالى الله عن ذلك، إن الحركة صفة محدثة بالفعل. قال: فقلت: فلم يزل الله متكلما؟ قال: فقال: إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عز وجل ولا متكلم " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الكافي باب صفات الذات ص 51. (*)

 

===============

(414)

 

===============

(415)

 

تفسير فاتحة الكتاب

 

===============

(416)

محل نزولها. فضلها. آياتها. غاياتها. القراءة الاعراب. اللغة. التفسير. تحليل آية: الحمد لله رب العالمين.. تحليل آية: إياك نعبد وإياك نستعين. تحليل آية: اهدنا الصراط المستقيم.. البحث الاول حول آية: البسملة.. البحث الثاني حول آية: الحمد.. البحث الثالث حول آية: إهدنا..