حجية ظواهر القرآن
===============
(262)
إثبات حجية ظواهر القرآن. أدلة المنكرين لها مع تزييفها. اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به. الاخذ بالظاهر من التفسير بالرأي. غموض معاني القرآن يمنع من فهمها. إرادة خلاف الظاهر في بعض الايات ـ إجمالا ـ تسقط الظواهر عن الحجية. المنع من اتباع المتشابه يسقط حجية ظواهر القرآن.
===============
(263)
لا شك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لافهام مقاصده، وأنه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته فيأتمروا بأوامره، ويزدجروا بزواجره، وقد تكرر في الايات الكريمة ما يدل على ذلك، كقوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها 47: 24 ". وقوله تعالى: " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون 39: 27 ". وقوله تعالى: " وإنه لتنزيل رب العالمين 26: 192. نزل به الروح الامين: 193. على قلبك لتكون من المنذرين: 194. بلسان عربي مبين: 195 ". وقوله تعالى:
===============
(264)
" هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 3: 138 ". وقوله تعالى: " فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون 44: 58 ". وقوله تعالى: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكره 54: 17 ". وقوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4: 82 ". إلى غير ذلك من الايات الدالة على وجوب العمل بما في القرآن ولزوم الاخذ بما يفهم من ظواهره. ومما يدل على حجية ظواهر الكتاب وفهم العرب لمعانيه:
1 ـ أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا: أن العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الالغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لانهم ليسوا ممن يستطيعون فهمه، وهذا ينافي الغرض من إنزال القرآن ودعوة البشر إلى الايمان به.
2 ـ الروايات المتظافرة الامرة بالتمسك بالثقلين الذين تركهما النبي في المسلمين، فإن من البين أن معنى التمسك بالكتاب هو الاخذ به، والعمل بما يشتمل عليه، ولا معنى له سوى ذلك.
===============
(265)
3 ـ الروايات المتواترة التي أمرت بعرض الاخبار على الكتاب، وأن ما خالف الكتاب منها يضرب على الجدار، أو أنه باطل، أو أنه زخرف، أو أنه منهي عن قبوله، أو أن الائمة لم تقله، وهذه الروايات صريحة في حجية ظواهر الكتاب، وأنه مما تفهمه عامة أهل اللسان العارفين بالفصيح من لغة العرب. ومن هذا القبيل الروايات التي أمرت بعرض الشروط على كتاب الله ورد ما خالفه منها.
4 ـ استدلالات الائمة (عليهم السلام) على جملة من الاحكام الشرعية وغيرها بالايات القرآنية: منها: قول الصادق (عليه السلام) حينما سأله زرارة من أين علمت أن المسح ببعض الرأس: " لمكان الباء ". ومنها: قوله (عليه السلام) في نهي الدوانيقي عن قبول خبر النمام: إنه فاسق، وقد قال الله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا 49: 6 ". ومنها: قوله (عليه السلام) لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء اعتذارا بأنه لم يكن شيئا أتاه برجله، أما سمعت قول الله عز وجل: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا 17: 36 ". ومنها: قوله (عليه السلام) لابنه إسماعيل فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم: مستدلا بقول الله عز وجل: " يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين 9: 61 ".
===============
(266)
ومنها: قوله (عليه السلام) في تحليل نكاح العبد للمطلقة ثلاثا: إنه زوج، قال الله عز وجل: " حتى تنكح زوجا غيره 2: 230 ". ومنها: قوله (عليه السلام) في أن المطلقة ثلاثا لا تحل بالعقد المنقطع: إن الله تعالى قال: " فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا 4: 127 ". ولا طلاق في المتعة. ومنها: قوله (عليه السلام) فيمن عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة: إن هذا وشبهه يعرف من كتاب الله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج 22: 78 ". ثم قال امسح عليه. ومنها: استدلاله (عليه السلام) على حلية بعض النساء بقوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم 4: 23 ". ومنها: استدلاله (عليه السلام) على عدم جواز نكاح العبد بقوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ 16: 75 ". ومنها: استدلاله (عليه السلام) على حلية بعض الحيوانات بقوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه 6: 145 ".
===============
(267)
وغير ذلك من استدلالاتهم (عليهم السلام) بالقرآن في موارد كثيرة، وهي متفرقة في أبواب الفقه وغيرها. أدلة اسقاط حجية ظواهر الكتاب: وقد خالف جماعة من المحدثين، فأنكروا حجية ظواهر الكتاب ومنعوا عن العمل به. واستدلوا على ذلك بأمور:
1 ـ اختصاص فهم القرآن: إن فهم القرآن مختص بمن خوطب به، وقد استندوا في هذه الدعوى إلى عدة روايات واردة في هذا الموضوع، كمرسلة شعيب بن أنس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لابي حنيفة: " أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم. قال (عليه السلام): فبأي شئ تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه. قال (عليه السلام) يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم. قال (عليه السلام): يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ـ ويلك ـ ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (صلى الله عليه وآله) وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفا ". وفي رواية زيد الشحام، قال: " دخل قتادة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال (عليه السلام) بلغني أنك تفسر القرآن. قال: نعم. إلى أن قال
===============
(268)
يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة ـ ويحك ـ إنما يعرف القرآن من خوطب به ". والجواب: إن المراد من هذه الروايات وأمثالها أن فهم القرآن حق فهمه، ومعرفة ظاهره وباطنه، وناسخه ومنسوخه مختص بمن خوطب به. والرواية الاولى صريحة في ذلك، فقد كان السؤال فيها عن معرفة كتاب الله حق معرفته، وتمييز الناسخ من المنسوخ، وكان توبيخ الامام (عليه السلام) لابي حنيفة على دعوى معرفة ذلك. وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير، وهو بمعنى كشف القناع، فلا يشمل الاخذ بظاهر اللفظ، لانه غير مستور ليكشف عنه القناع، ويدل على ذلك أيضا ما تقدم من الروايات الصريحة في أن فهم الكتاب لايختص بالمعصومين (عليهم السلام) ويدل على ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في المرسلة: " وما ورثك الله من كتابه حرفا " فإن معنى ذلك أن الله قد خص أوصياء نبيه (صلى الله عليه وآله) بإرث الكتاب، وهو معنى قوله تعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا 35: 32 ". فهم المخصوصون بعلم القرآن على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب. هذا هو معنى المرسلة وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئا من كتاب الله حتى مثل قوله تعالى: " قل هو الله أحد 111: 1 ".
===============
(269)
وأمثال هذه الاية مما يكون صريحا في معناه، والاخبار الدالة على الاختصاص المتقدم كثيرة جدا، وقد تقدم بعضها.
2 ـ النهي عن التفسير بالرأي: إن الاخذ بظاهر اللفظ من التفسير بالرأي، وقد نهى عنه في روايات متواترة بين الفريقين. والجواب: إن التفسير هو كشف القناع كما قلنا، فلا يكون منه حمل اللفظ على ظاهره، لانه ليس بمستور حتى يكشف، ولو فرضنا أنه تفسير فليس تفسيرا بالرأي، لتشمله الروايات الناهية المتواترة، وإنما هو تفسير بما تفهمه العرف من اللفظ، فإن الذي يترجم خطبة من خطب نهج البلاغة ـ مثلا ـ بحسب ما يفهمه العرف من ألفاظها، وبحسب ما تدل القرائن المتصلة والمنفصلة، لا يعد عمله هذا من التفسير بالرأي، وقد أشار إلى ذلك الامام الصادق (عليه السلام) بقوله: إنما هلك الناس في المتشابه لانهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الاوصياء فيعرفونهم. ويحتمل أن معنى التفسير بالرأي الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الائمة (عليهم السلام)، مع أنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك، ولزوم الانتهاء اليهم، فإذا عمل الانسان بالعموم أو الاطلاق الوارد في الكتاب، ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الائمة (عليهم السلام) كان هذا من التفسير بالرأي، وعلى الجملة حمل اللفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتصلة والمنفصلة من الكتاب والسنة، أو الدليل العقلي لا يعد من التفسير بالرأي بل ولا من التفسير نفسه، وقد تقدم بيانه، على أن الروايات المتقدمة دلت على الرجوع إلى الكتاب،
===============
(270)
والعمل بما فيه. ومن البين أن المراد من ذلك الرجوع إلى ظواهره، وحينئذ فلا بد وأن يراد من التفسير بالرأي غير العمل بالظواهر جمعا بين الادلة.
3 ـ غموض معاني القرآن: إن في القران معاني شامخة، ومطالب غامضة، واشتماله على ذلك يكون مانعا عن فهم معانيه، والاحاطة بما أريد منه، فإنا نجد بعض كتب السلف لا يصل إلى معانيها إلا العلماء المطلعون، فكيف بالكتاب المبين الذي جمع علم الاولين والاخرين. والجواب: أن القرآن وإن اشتمل على علم ما كان وما يكون، وكانت معرفة هذا من القرآن مختصة بأهل بيت النبوة من دون ريب، ولكن ذلك لا ينافي أن للقرآن ظواهر يفهمها العارف باللغة العربية وأساليبها، ويتعبد بما يظهر له بعد الفحص عن القرائن.
4 ـ العلم بارادة خلاف الظاهر: إنا نعلم ـ إجمالا ـ بورود مخصصات لعمومات القرآن، ومقيدات لاطلاقاته، ونعلم بأن بعض ظواهر الكتاب غير مراد قطعا، وهذه العمومات المخصصة، والمطلقات المقيدة، والظواهر غير المرادة ليست معلومة بعينها، ليتوقف فيها بخصوصها. ونتيجة هذا أن جميع ظواهر الكتاب وعموماته ومطلقاته تكون مجملة بالعرض، وإن لم تكن مجملة بالاصالة، فلا يجوز أن يعمل بها حذرا من الوقوع فيما يخالف الواقع.
===============
(271)
والجواب: أن هذا العلم الاجمالي إنما يكون سببا للمنع عن الاخذ بالظواهر، إذا أريد العمل بها قبل الفحص عن المراد، وأما بعد الفحص والحصول على المقدار الذي علم المكلف بوجوده إجمالا بين الظواهر، فلا محالة ينحل العلم الاجمالي، ويسقط عن التأثير، ويبقى العمل بالظواهر بلا مانع. ونظير هذا يجري في السنة أيضا، فإنا نعلم بورود مخصصات لعموماتها، ومقيدات لمطلقاتها، فلو كان العلم الاجمالي مانعا عن التمسك بالظواهر حتى بعد انحلاله لكان مانعا عن العمل بظواهر السنة أيضا، بل ولكان مانعا عن إجراء اصالة البراءة في الشبهات الحكمية، الوجوبية منها والتحريمية، فإن كل مكلف يعلم بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة، ولازم هذا العلم الاجمالي وجوب الاحتياط عليه في كل شبهة تحريمية، أو وجوبية يقع فيها مع أن الاحتياط ليس بواجب فيها يقينا. نعم ذهب جمع كثير من المحدثين إلى وجوب الاحتياط في موارد الشبهات التحريمية، إلا أن ذلك نشأ من توهمهم أن الروايات الامرة بالتوقف أو الاحتياط تدل على وجوب الاحتياط والتوقف في موارد تلك الشبهات. وليس قولهم هذا ناشئا من العلم الاجمالي بوجود التكاليف الالزامية في الشريعة المقدسة، وإلا لكان اللازم عليهم القول بوجوب الاحتياط حتى في الشبهات الوجوبية، مع أنه لم يذهب إلى وجوبه فيها أحد فيما نعلم. والسر في عدم وجوب الاحتياط في هذه الموارد وفي أمثالها واحد، وهو أن العلم الاجمالي قد انحل بسبب الظفر بالمقدار المعلوم، وبعد انحلاله يسقط عن التأثير. ولتوضيح ذلك يراجع كتابنا " أجود التقريرات ".
5 ـ المنع عن اتباع المتشابه: إن الايات الكريمة قد منعت عن العمل بالمتشابه، فقد قال الله تعالى:
===============
(272)
" منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه 3: 7 ". والمتشابه يشمل الظاهر أيضا، ولا أقل من احتمال شموله للظاهر فيسقط عن الحجية.
الجواب: إن لفظ المتشابه واضح المعنى ولا إجمال فيه ولا تشابه، ومعناه أن يكون للفظ وجهان من المعاني أو أكثر، وجميع هذه المعاني في درجة واحدة بالنسبة إلى ذلك اللفظ، فإذا أطلق ذلك اللفظ احتمل في كل واحد من هذه المعاني أن يكون هو المراد، ولذلك فيجب التوقف في الحكم إلى أن تدل قرينة على التعيين، وعلى ذلك فلا يكون اللفظ الظاهر من المتشابه. ولو سلمنا أن لفظ المتشابه متشابه، يحتمل شموله للظاهر، فهذا لا يمنع عن العمل بالظاهر بعد استقرار السيرة بين العقلاء على اتباع الظهور من الكلام، فإن الاحتمال بمجرده لا يكون رادعا عن العمل بالسيرة، ولا بد في الردع عنها من دليل قطعي، وإلا فهي متبعة من دون ريب، ولذلك فإن المولى يحتج على عبده إذا خالف ظاهر كلامه، ويصح له أن يعاقبه على المخالفة، كما أن العبد نفسه يحتج على مولاه إذا وافق ظاهر كلام مولاه وكان هذا الظاهر مخالفا لمراده. وعلى الجملة فهذه السيرة متبعة في التمسك بالظهور حتى يقوم دليل قطعي على الردع.
6 ـ وقوع التحريف في القرآن: إن وقوع التحريف في القرآن، مانع من العمل بالظواهر، لاحتمال كون هذه الظواهر مقرونة بقرائن تدل على المراد، وقد سقطت بالتحريف.
===============
(273)
===============
(274)
والجواب: منع وقوع التحريف في القرآن، وقد قدمنا البحث عن ذلك، وذكرنا أن الروايات الامرة بالرجوع إلى القرآن بأنفسها شاهدة على عدم التحريف، وإذا تنزلنا عن ذلك فإن مقتضى تلك الروايات هو وجوب العمل بالقرآن، وإن فرض وقوع التحريف فيه. ونتيجة ما تقدم أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن، وأنه الاساس للشريعة، وأن السنة المحكية لا يعمل بها إذا كانت مخالفة له.
===============
النسخ في القرآن
===============
(276)
المعنى اللغوي والاصطلاحي للنسخ. إمكان النسخ. وقوعه في التوراة. وقوعه في الشريعة الاسلامية. أقسام النسخ الثلاثة. الايات المدعى نسخها وإثبات انها محكمة. آية المتعة ودلالتها على جواز نكاح المتعة. الرجم على المتعة. فتوى أبي حنيفة بسقوط حد الزنا بالمحارم إذا عقد عليها. فتواه بسقوط الحد إذا استأجر امرأة فزنى بها. نسبة هذه الفتوى إلى عمر. مزاعم حول المتعة. تعصب مكشوف حول ترك الصحابة العمل بآية النجوى. كلام الرازي والرد عليه.
===============
(277)
في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادعى نسخها. وقد جمعها أبو بكر النحاس في كتابه " الناسخ والمنسوخ " فبلغت " 138 " آية. وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الايات المدعى نسخها ولنتبين فيها أنه ليست ـ في واقع الامر ـ واحدة منها منسوخة، فضلا عن جميعها. وقد اقتصرنا على " 36 " آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيح لجلاء الحق فيها، وأما سائر الايات فالمسألة فيها أوضح من أن يستدل على عدم وجود نسخ فيها. النسخ في اللغة: هو الاستكتاب، كالاستنساخ والانتساخ، وبمعنى النقل والتحويل، ومنه تناسخ المواريث والدهور، وبمعنى الازالة، ومنه نسخت الشمس الظل، وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين فكانوا يطلقون على المخصص والمقيد لفظ الناسخ (1).
النسخ في الاصطلاح: هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد اطلق النسخ كثيرا على التخصيص في التفسير المنسوب إلى ابن عباس. (*)
===============
(278)
ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الالهية أم من غيرها من الامور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه شارع، وهذا الاخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط، وإنما قيدنا الرفع بالامر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان، وارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها، وارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته، فإن هذا النوع من ارتفاع الاحكام لا يسمى نسخا، ولا إشكال في إمكانه ووقوعه، ولا خلاف فيه من أحد. ولتوضيح ذلك نقول: إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت: أحدهما: ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والانشاء، والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية، ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه، وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع. فإذا قال الشارع: شرب الخمر حرام ـ مثلا ـ فليس معناه أن هنا خمرا في الخارج. وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة، بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن، ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون إلا بالنسخ. وثانيهما: ثبوت ذلك الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا، كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج، فإن الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل، وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها، فإذا انقلب خلا فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته، ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شئ، ولا كلام لاحد في جواز ذلك ولا في وقوعه، وإنما الكلام في القسم الاول، وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء.
===============
(279)
امكان النسخ: المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه " رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء " وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ، واستندوا في ذلك إلى شبهة هي أوهن من بيت العنكبوت. وملخص هذه الشبهة: إن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى، وذلك لان تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه، لان الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلق، وإما أن يكون من جهة البداء، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية، وهو يستلزم الجهل منه تعالى. وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لانه يستلزم المحال. والجواب: إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث، أو الزجر الحقيقيين كالاوامر التي يقصد بها الامتحان، وهذا النوع من الاحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه، ولا مانع من ذلك، فإن كلا من الاثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة، وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة، ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى، وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا، ومع ذلك ينسخ بعد زمان، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات، بل هو بمعنى أن
===============
(280)
يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عندالله، مجهول عند الناس، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان، لانتهاء أمده الذي قيدبه، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها. والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا، بداهة: أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الاحكام مما لا يشك فيه عاقل، فإن يوم السبت ـ مثلا ـ في شريعة موسى (عليه السلام) قد اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لاهل تلك الشريعة دون بقية الايام، ومثله يوم الجمعة في الاسلام، وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره، فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة، وقد يكون الامر بالعكس. وجملة القول: إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة، أو اليوم المعين أو الاسبوع المعين، أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن دخل السنة في ذلك أيضا، فيكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين معينة، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين، وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل، فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضا بدليل منفصل، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الاطلاق، مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد، ويكون بيان التخصيص أو التقييد بدليل منفصل. فالنسخ في الحقيقة تقييد لاطلاق الحكم من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى، وهذا كله بناء على أن جعل الاحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو مفاسد تكون في نفس العمل. وأما على مذهب من يرى تبعية الاحكام لمصالح في الاحكام أنفسها فإن الامر أوضح، لان الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الاحكام الامتحانية.
===============
(281)
النسخ في التوراة: وما قدمناه يبطل تمسك اليهود والنصارى باستحالة النسخ في الشريعة، لاثبات استمرار الاحكام الثابتة في شريعة موسى. ومن الغريب جدا أنهم مصرون على إحالة النسخ في الشريعة الالهية، مع أن النسخ قد وقع في موارد كثيرة من كتب العهدين:
1 ـ فقد جاء في الاصحاح الرابع من سفر العدد " عدد 2، 3 ": " خذ عدد بني قهات من بين بني لاوي حسب عشائرهم، وبيوت آبائهم من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة، كل داخل في الجند ليعمل عملا في خيمة الاجتماع ". وقد نسخ هذا الحكم، وجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ خمس وعشرين سنة بما في الاصحاح الثامن من هذا السفر " عدد 23، 24 ": " وكلم الرب موسى قائلا هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا، يأتون ليتجندوا أجنادا في خدمة خيمة الاجتماع ". ثم نسخ ثانيا: فجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ عشرين سنة بما جاء في الاصحاح الثالث والعشرين من أخبار الايام الاول " عدد 24، 32 ": " هؤلاء بنو لاوي حسب بيوت آبائهم رؤوس الاباء حسب إحصائهم في عدد الاسماء، حسب رؤوسهم عامل العمل لخدمة بيت الرب من ابن عشرين سنة فما فوق... وليحرسوا حراسة خيمة الاجتماع، وحراسة القدس "..
2 ـ رجاء في الاصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد " عدد 3 ـ 7 ": " وقل لهم هذا هو الوقود الذي تقربون للرب، خروفان حوليان صحيحان، لكل يوم محرقة دائمة، الخروف الواحد تعمله صباحا، والخروف الثاني تعمله
===============
(282)
بين العشاءين. وعشر الايفة من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت الرض تقدمة... وسكيبها ربع الهين للخروف الواحد ". وقد نسخ هذا الحكم: وجعلت محرقة كل يوم حمل واحد حولي في كل صباح، وجعلت تقدمته سدس الايفة من الدقيق، وثلث الهين من الزيت بما جاء في الاصحاح السادس والاربعين من كتاب حزقيال " عدد 13 ـ 15 ": " وتعمل كل يوم محرقة للرب حملا حوليا صحيحا صباحا صباحا تعمله. وتعمل عليه تقدمة صباحا صباحا سدس الايفة. وزيتا ثلث الهين لرش الدقيق تقدمة للرب فريضة أبدية دائمة، ويعملون الحمل والتقدمة والزيت صباحا صباحا محرقة دائمة ".
3 ـ وجاء في الاصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد أيضا: " عدد 9، 10 ": " وفي يوم السبت خروفان حوليان صحيحان، وعشران من دقيق ملتوت بزيت تقدمة مع سكيبه. محرقة كل سبت فضلا عن المحرقة الدائمة وسكيبها ". وقد نسخ هذا الحكم: وجعلت محرقة السبت ستة حملان وكبش، وجعلت التقدمة إيفة للكبش، وعطية يد الرئيس للحملان، وهين زيت للايفة بما جاء في الاصحاح السادس والاربعين من كتاب حزقيال أيضا " عدد 4، 5 ": " والمحرقة التي يقربها الرئيس للرب في يوم السبت ستة حملان صحيحة، وكبش صحيح. والتقدمة إيفة للكبش، وللحملان تقدمة عطية يده، وهين زيت للايفة ".
4 ـ وجاء في الاصحاح الثلاثين من سفر العدد " عدد 2 ": " إذا نذر رجل نذرا للرب، أو أقسم أن يلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه، حسب كل ما خرج من؟؟ يفعل ".
===============
(283)
وقد نسخ جواز الحلف الثابت بحكم التوراة بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى " عدد 33، 34 ": " أيضا سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث، بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة ".
5 ـ وجاء في الاصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج " عدد 23 ـ 25 ": " وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس، وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل، وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض ". وقد نسخ هذا الحكم بالنهي عن القصاص في شريعة عيسى بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى " عدد 38 ": " سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر أيضا ".
6 ـ وجاء في الاصحاح السابع عشر من سفر التكوين " عدد 10 " في قول الله لابراهيم: " هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختن منكم كل ذكر ". وقد جاء في شريعة موسى إمضاء ذلك. ففي الاصحاح الثاني عشر من سفر الخروج " عدد 48 ـ 49 ": " وإذا نزل عندك نزيل، وصنع فصحا للرب فليختن منه كل ذكر، ثم يتقدم ليصنعه فيكون كمولود الارض، وأما كل أغلف فلا يأكل منه، تكون شريعة واحدة لمولود الارض، وللنزيل النازل بينكم ". وجاء في الاصحاح الثاني عشر من سفر اللاويين " عدد 2، 3 ": " إذا حبلت امرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة، وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته ". وقد نسخ هذا الحكم، ووضع ثقل الختان عن الامة بما جاء في الاصحاح
===============
(284)
الخامس عشر من أعمال الرسل " عدد 24 ـ 30 " وفي جملة من رسائل بولس الرسول.
7 ـ وجاء في الاصحاح الرابع والعشرين من التثنية " عدد 1 ـ 3 ": " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه، لان وجد فيها عيب شئ، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر، فإن أبغضها الرجل الاخر وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الاخير الذي اتخذها له زوجة، لا يقدر زوجها الاول الذي طلقها أن يعود يأخذها، لتصير له زوجة ". وقد نسخ الانجيل ذلك وحرم الطلاق بما جاء في الاصحاح الخامس من متى " عدد 31 ـ 32 ": " وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني. " وقد جاء مثل ذلك في الاصحاح العاشر من مرقس: عدد: 11، 12 " والاصحاح السادس عشر من لوقا " عدد 18 ". وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع هو شهيد، ومن أراد الاطلاع على أكثر من ذلك فليراجع كتابي إظهار الحق (1) والهدى إلى دين المصطفى (2).
النسخ في الشريعة الاسلامية: لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ، فإن كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الاسلامية، وإن جملة من أحكام هذه
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) للشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، وهو كتاب جليل نافع جدا.
(2) للامام البلاغي. (*)
===============
(285)
الشريعة قد نسخت بأحكام اخرى من هذه الشريعة نفسها، فقد صرح القرآن الكريم بنسخ حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الاولى، وهذا مما لا ريب فيه. وإنما الكلام في أن يكون شئ من أحكام القرآن منسوخا بالقرآن، أو بالسنة القطعية، أو بالاجماع، أو بالعقل. وقبل الخوض في البحث عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ، فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ نسخ التلاوة دون الحكم: وقد مثلوا لذلك بآية الرجم فقالوا: إن هذه الاية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد قدمنا لك في بحث التحريف أن القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الاحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام. فقد أجمع المسلمون على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أن القرآن لا يثبت به، والوجه في ذلك ـ مضافا إلى الاجماع ـ أن الامور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس، وانتشار الخبر عنها على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد فإن اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أن آية الرجم من القرآن، وانها قد نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، نعم قد تقدم أن عمر أتى بآية الرجم وادعى انها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون، لان نقل هذه الاية كان منحصرا به، ولم يثبتوها في المصاحف، فالتزم المتأخرون بأنها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.
2 ـ نسخ التلاوة والحكم: ومثلوا لنسخ التلاوة والحكم معا بما تقدم نقله عن عائشة في الرواية العاشرة
===============
(286)
من نسخ التلاوة في بحث التحريف، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الاول بعينه.
3 ـ نسخ الحكم دون التلاوة: وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين، وقد ألف فيه جماعة من العلماء كتبا مستقلة، وذكروا فيها الناسخ والمنسوخ. منهم العالم الشهير أبو جعفر النحاس، والحافظ المظفر الفارسي، وخالفهم في ذلك بعض المحققين، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن. وقد اتفق الجميع على إمكان ذلك، وعلى وجود آيات من القرآن ناسخة لاحكام ثابتة في الشرائع السابقة، ولاحكام ثابتة في صدر الاسلام. ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول: إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة:
1 ـ إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة، أو بالاجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم (عليه السلام) وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا، فإن ثبت في مورد فهو المتبع، وإلا فلا يلتزم بالنسخ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
2 ـ إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ، ومبينة لرفعه، وهذا القسم أيضا لا إشكال فيه، وقد مثلوا لذلك بآية النجوى " سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى ".
3 ـ إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق، ولا مبينة لرفعه، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة.
===============
(287)
والتحقيق: أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن، كيف وقد قال الله عز وجل: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4: 82 ". ولكن كثيرا من المفسرين وغيرهم لم يتأملوا حق التأمل في معاني الايات الكريمة، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الايات، والتزموا لاجله بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا كانت إحدى الايتين قرينة عرفية على بيان المراد من الاية الاخرى، كالخاص بالنسبة إلى العام، وكالمقيد بالاضافة إلى المطلق، والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها، ومنشأ هذا قلة التدبر، أو التسامح في إطلاق لفظ النسخ بمناسبة معناه اللغوي، واستعماله في ذلك وإن كان شائعا قبل تحقق المعنى المصطلح عليه، ولكن إطلاقه ـ بعد ذلك ـ مبني على التسامح لا محالة. مناقشة الايات المدعى نسخها: وعلى كل فلا بد لنامن الكلام في الايات التي ادعي النسخ فيها. ونذكر منها ما كان في معرفة وقوع النسخ فيه وعدم وقوعه غموض في الجملة. أما ما كان عدم النسخ فيه ظاهرا ـ بعد ما قدمناه ـ فلا نتعرض له في المقام " وسنتعرض لذلك عند تفسيرنا الايات إن شاء الله تعالى ". وليكن كلامنا في الايات على حسب ترتيبها في القرآن الكريم:
1 ـ " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم
===============
(288)
الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير 2: 109 ". فعن ابن عباس وقتادة والسدي، أنها منسوخة بآية السيف. واختاره أبو جعفر النحاس (1). وآية السيف هو قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون 9: 29 ". والالتزام بالنسخ ـ هنا ـ يتوقف على الالتزام بأمرين فاسدين: الاول: أن يكون ارتفاع الحكم الموقت بانتهاء وقته نسخا، وهذا واضح الفساد، فإن النسخ إنما يكون في الحكم الذي لم يصرح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأييد. فإن الحكم إذا كان موقتا ـ وإن كان توقيته على سبيل الاجمال ـ كان الدليل الموضح لوقته، والمبين لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفا، وليس هذا من النسخ في شئ. فإن النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الاطلاق في الدوام وعدم الاختصاص بزمان مخصوص. وقد توهم الرازي أن من النسخ بيان الوقت في الحكم الموقت بدليل منفصل وهو قول بين الفساد، وأما الحكم الذي صرح فيه بالتأييد، فعدم وقوع النسخ فيه ظاهر.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) في كتابه الناسخ والمنسوخ ص 26 طبع المكتبة العلامية بمصر. (*)
===============
(289)
الثاني: أن يكون أهل الكتاب أيضا ممن أمر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بقتالهم، وذلك باطل، فإن الايات القرآنية الامرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الايمان بالله تعالى وباليوم الاخر. وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين، لقوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 2: 190 ". أو إلقائهم الفتنة بين المسلمين، لقوله تعالى بعد ذلك: " والفتنة أشد من القتل 2: 191 ". أو امتناعهم عن إعطاء الجزية للاية المتقدمة، وأما مع عدم وجود سبب آخر فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر، كما هو صريح الاية الكريمة. وحاصل ذلك: أن الامر في الاية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين، لانهم يودون أن يردوا المسلمين كفارا ـ وهذا لازم عادي لكفرهم ـ لا ينافيه الامر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه، على أن متوهم النسخ في الاية الكريمة قد حمل لفظ الامر من قوله تعالى: " حتى يأتي الله بأمره 2: 109 ". على الطلب، فتوهم أن الله أمر بالعفو عن الكفار إلى أن يأمر المسلمين بقتالهم فحمله على النسخ. وقد اتضح للقارئ أن هذا ـ على فرض صحته ـ لا يستلزم النسخ ولكن (البيان ـ 19)
===============
(290)
هذا التوهم ساقط، فإن المراد بالامر هنا الامر التكويني وقضاء الله تعالى في خلقه، ويدل على ذلك تعلق الاتيان به، وقوله تعالى بعد ذلك: " إن الله على كل شئ قدير 2: 109 ". وحاصل معنى الاية الامر بالعفو والصفح عن الكتابيين بودهم هذا، حتى يفعل الله ما يشاء في خلقه من عز الاسلام، وتقوية شوكته، ودخول كثير من الكفار في الاسلام، وإهلاك كثير من غيرهم، وعذابهم في الاخرة، وغير ذلك مما يأتي الله به من قضائه وقدره.
2 ـ " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم 2: 115 ". فقد نسب إلى جماعة منهم ابن عباس، وأبو العالية، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والسدى، وزيد بن أسلم أن الاية منسوخة (1) واختلف في ناسخها فذكر ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره 2: 150 ". وذهب قتادة إلى أن الناسخ قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام 2: 150 ". كذلك ذكر القرطبي (2)، وذكروا في وجه النسخ أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وجميع
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 157، 158.
(2) تفسير القرطبي ج 2 ص 74. (*)
===============
(291)
المسلمين كانوا مخيرين في الصلاة إلى أية جهة شاءوا وإن كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قد اختار من الجهات جهة بيت المقدس، فنسخ ذلك بالامر بالتوجه إلى خصوص بيت الله الحرام. ولا يخفى ما في هذا القول من الوهن والسقوط، فإن قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه 2: 143 ". صريح في أن توجهه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله تعالى لمصلحة كانت تقتضي ذلك، ولم يكن لاختيار النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في ذلك دخل أصلا. والصحيح أن يقال في الاية الكريمة إنها دالة على عدم اختصاص جهة خاصة بالله تعالى، فإنه لا يحيط به مكان، فأينما توجه الانسان في صلاته ودعائه وجميع عباداته فقد توجه إلى الله تعالى. ومن هنا استدل بها أهل البيت (عليهم السلام) على الرخصة للمسافر أن يتوجه في نافلته إلى أية جهة شاء، وعلى صحة صلاة الفريضة فيما إذا وقعت بين المشرق والمغرب خطأ، وعلى صحة صلاة المتحير إذا لم يعلم أين وجه القبلة. وعلى صحة سجود التلاوة إلى غير القبلة، وقد تلاها سعيد بن جبير " رحمه الله " لما أمر الحجاج بذبحه إلى الارض (1) فهذه الاية مطلقة، وقد قيدت في الصلاة الفريضة بلزوم التوجه فيها إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة تارة أخرى، وفي النافلة أيضا في غير حال المشي على قول. وأما ما في بعض الروايات من أنها نزلت في النافلة فليس المراد أنها مختصة بذلك " وقد تقدم أن الايات لا تختص بموارد نزولها ". وجملة القول: ان دعوى النسخ في الاية الكريمة يتوقف ثبوتها على أمرين:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي ج 2 ص 75. (*)
===============
(292)
الاول: أن تكون واردة في خصوص صلاة الفريضة، وهذا معلوم بطلانه، وقد وردت روايات من طريق أهل السنة في أنها نزلت في الدعاء وفي النافلة للمسافر، وفي صلاة المتحير، وفي من صلى إلى غير القبلة خطأ (1) وقد مر عليك ـ آنفا ـ استشهاد أهل البيت (عليهم السلام) بالاية المباركة في عدة موارد. الثاني: أن يكون نزولها قبل نزول الاية الامرة بالتوجه إلى الكعبة وهذا أيضا غير ثابت، وعلى ذلك فدعوى النسخ في الاية باطلة جزما. وفي بعض الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) التصريح بأن الاية المباركة ليست منسوخة. نعم قد يراد من النسخ معنى عاما شاملا للتقييد، فإذا أريد به ذلك في المقام فلا مانع منه، ولا يبعد أن يكون هذا هو مراد ابن عباس من النسخ فيها، وقد أشرنا اليه فيما تقدم.
3 ـ " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى 2: 178 ". فقد ادعي انها منسوخة بقوله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن 5: 45 ". ومن أجل ذلك ذهب الجمهور من أهل السنة إلى: أن الرجل يقتل بالمرأة من غير أن يرد إلى ورثته شئ من الدية (2) وخالف في ذلك الحسن وعطاء، فذهبا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري ج 1 ص 400 ـ 402.
(2) تفسير القرطبي ج 2 ص 229. (*)
===============
(293)
إلى: أن الرجل لا يقتل بالمرأة. وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة (1) وذهبت الامامية إلى: أن ولي دم المرأة مخير بين المطالبة بديتها، ومطالبة الرجل القاتل بالقصاص، بشرط أداء نصف دية الرجل. والمشهور بين أهل السنة: أن الحر لا يقتل بالعبد، وعليه إجماع الامامية، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وداود، فقالوا: إن الحر يقتل بعبد غيره (2)، وذهب شواذ منهم إلى: أن الحر يقتل بالعبد وإن كان عبد نفسه (3).
والحق: أن الاية الاولى محكمة ولم يرد عليها ناسخ، والوجه في ذلك: أن الاية الثانية مطلقة من حيث العبد، والحر، والذكر، والانثى فلا صراحة لها في حكم العبد، وحكم الانثى، وعلى كل فإن لم تكن الاية في مقام البيان من حيث خصوصية القاتل والمقتول، بل كانت في مقام بيان المساواة في مقدار الاعتداء فقط، على ما هو مفاد قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم 2: 194 ". كانت مهملة ولا ظهور لها في العموم لتكون ناسخة للاية الاولى، وإن كانت في مقام البيان من هذه الناحية ـ وكانت ظاهرة في الاطلاق وظاهرة في ثبوت الحكم في هذه الامة أيضا، ولم تكن للاخبار عن ثبوت ذلك في التوراة فقط ـ كانت الاية الاولى مقيدة لاطلاقها، وقرينة على بيان المراد منها، فإن المطلق
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 210.
(2) نفس المصدر ص 209. وقال ابن كثير: قال البخاري وعلي بن المديني، وإبراهيم النخعي، والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 137. (*)
===============
(294)
لا يصلح لان يكون ناسخا للمقيد وإن كان متأخرا عنه، بل يكون المقيد قرينة على التصرف في ظهور المطلق على ما هو الحال في المقيد المتأخر، وعلى ذلك فلا موجب للقول بجواز قتل الحر بالعبد. وأما الرواية التي رووها عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) من قوله: " المسلمون تتكافأ دماؤهم " فهي ـ على تقدير تسليمها ـ مخصصة بالاية، فإن دلالة الرواية على جواز قتل الحر بالعبد إنما هي بالعموم. ومن البين أن حجية العام موقوفة على عدم ورود المخصص عليه المتقدم منه والمتأخر. وأما ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بطريق الحسن عن سمرة فهو ضعيف السند، وغير قابل للاعتماد عليه. قال أبو بكر بن العربي: " ولقد بلغت الجهالة بأقوام أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه " ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): " من قتل عبده قتلناه "، وهذا حديث ضعيف (1).
أقول: هذا، مضافا إلى أنها معارضة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به (2). وبما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وبما رواه جابر عن عامر عن علي (عليه السلام): " لا يقتل حر بعبد " (3)، وبما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد (4).
وقد عرفت أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) مجمعة على: أن الحر لا يقتل
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن لابي بكر بن العربي ج 1 ص 27.
(2) سنن البيهقي ج 8 ص 36.
(3) نفس المصدر ص 34، 35.
(4) نفس المصدر ص 34. (*)
===============
(295)
بالعبد، وأهل البيت هم المرجع في الدين بعد جدهم الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) وبعد هذا فلا يبقى مجال لدعوى نسخ الاية الكريمة من جهة قتل الحر بالعبد. وأما بالاضافة إلى قتل الرجل بالمرأة فليست الاية منسوخة أيضا، بناء على مذهب الامامية والحسن وعطاء، نعم تكون الاية منسوخة على مسلك الجمهور، وتوضيح ذلك أن ظاهر قوله تعالى: " كتب عليكم القصاص 2: 178 ". أن القصاص فرض واجب، ومن الواضح أنه إنما يكون فرضا عند المطالبة بالقصاص من ولي الدم، وذلك أمر معلوم من الخارج، ويدل عليه من الاية قوله تعالى فيها: " فمن عفي له من أخيه شئ: 178 ". وعلى ذلك فالمستفاد من الاية الكريمة أن القاتل يجب عليه أن يخضع لحكم القصاص إذا طالبه ولي الدم بذلك، ومن الواضح أن هذا الحكم إنما يكون في قتل الرجل رجلا، أو قتل المرأة رجلا أو امرأة، فإن الرجل إذا قتل امرأة لا يجب عليه الانقياد للقصاص بمجرد المطالبة، وله الامتناع حتى يأخذ نصف ديته، ولا يأخذه الحاكم بالقصاص قبل ذلك. وبتعبير آخر: تدل الاية المباركة على أن بدل الانثى هي الانثى، فلا يكون الرجل بدلا عنها، وعليه فلا نسخ في مدلول الاية، نعم ثبت من دليل خارجي أن الرجل القاتل يجب عليه أن ينقاد للقصاص حين يدفع ولي المرأة المقتولة نصف ديته، فيكون الرجل بدلا عن مجموع الانثى ونصف الدية، وهو حكم آخر لا يمس بالحكم الاول المستفاد من الاية الكريمة، وأين هذا من النسخ الذي يدعيه القائلون به. وجملة القول: أن ثبوت النسخ في الاية يتوقف على إثبات وجوب الانقياد
===============
(296)
على القاتل بمجرد مطالبة ولي المرأة بالقصاص، كما عليه الجمهور. وأنى لهم إثباته؟ فإنهم قد يتمسكون لاثباته باطلاق الاية الثانية على ما صرحوا به في كلماتهم، وبعموم قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم): " المسلمون تتكافأ دماؤهم " وقد عرفت ما فيه. وقد يتمسكون لاثبات ذلك بما رووه عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن عمر قتل نفرا من أهل صنعاء بامرأة وقادهم بها. وعن ليث عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: " إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ". وعن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الرجل يقتل بالمرأة " (1).
وهو باطل من وجوه:
1 ـ إن هذه الروايات ـ لو فرضت صحتها ـ مخالفة للكتاب، وما كان كذلك لا يكون حجة. وقد عرفت ـ فيما تقدم ـ قيام الاجماع على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
2 ـ إنها معارضة بالروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) وبما رواه عطاء والشعبي، والحسن البصري عن علي (عليه السلام) أنه قال في قتل الرجل امرأة: " إن أولياء المرأة إن شاءوا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل " (2).
3 ـ إن الرواية الاولى منها من المراسيل، فإن ابن المسيب ولد بعد مضي سنتين من خلافة عمر (3) فتبعد روايته عن عمر بلا واسطة، وإذا سلمنا صحتها فهي تشتمل على نقل فعل عمر، ولا حجية لفعله في نفسه، وأن الرواية الثانية
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 139.
(2) نفس المصدر ج 1 ص 120.
(3) تهذيب التهذيب ج 4 ص 86. (*)
===============
(297)
ضعيفة مرسلة، وأما الرواية الثالثة فهي على فرض صحتها مطلقة، وقابلة لان تقيد بأداء نصف الدية. ونتيجة ما تقدم: أن الاية الكريمة لم يثبت نسخها بشئ، وأن دعوى النسخ إنما هي بملاحظة فتوى جماعة من الفقهاء، وكيف يمكن أن ترفع اليد عن قول الله تعالى بملاحظة قول زيد أو عمرو؟ ومما يبعث على العجب أن جماعة يفتون بخلاف القرآن مع إجماعهم على أن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. وقد اتضح مما بيناه أن قوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا 17: 33 ". وقوله تعالى: " ولكم في القصاص حيوة يا أولي الالباب 2: 179 ". لا يصلحان أن يكونا ناسخين للاية المتقدمة التي فرقت بين الرجل والانثى، وبين الحر والعبد. ـ وسيأتي استيفاء البحث في هذا الموضوع عند تفسيرنا الاية الكريمة إن شاء الله تعالى ـ.
4 ـ " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين 2: 180 ". فقد ادعى جمع أنها منسوخة بآية المواريث، وادعى آخرون أنها منسوخة
===============
(298)
بما عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: " لا وصية لوارث " (1).
والحق: أن الاية ليست منسوخة. أما القول بنسخها بآية المواريث، فيرده أن الايات قد دلت على أن الميراث مترتب على عدم الوصية، وعدم الدين. ومع ذلك فكيف يعقل كونها ناسخة لحكم الوصية؟ وقد قيل في وجه النسخ للاية: إن الميراث في أول الاسلام لم يكن ثابتا على الكيفية التي جعلت في الشريعة بعد ذلك، وإنما كان الارث يدفع جميعه للولد، وما يعطى الوالدان من المال فهو بطريق الوصية فنسخ ذلك بآية المواريث. وهذا القول مدفوع:
أولا: بأن هذا غير ثابت، وإن كان مرويا في صحيح البخاري، لان النسخ لا يثبت بخبر الواحد إجماعا.
ثانيا: أنه موقوف على تأخر آية المواريث عن هذه الاية، وأنى للقائل بالنسخ إثبات ذلك؟ أما دعوى القطع بذلك من بعض الحنفية فعهدتها على مدعيها.
ثالثا: أن هذا لا يتم في الاقربين، فإنه لا إرث لهم مع الولد، فكيف يعقل أن تكون آية المواريث ناسخة لحكم الوصية للاقربين؟ وعلى كل فإن آية المواريث من حيث ترتبها على عدم الوصية تكون مؤكدة لتشريع الوصية ونفوذها، فلا معنى لكونها ناسخة لها. وأما دعوى نسخ الاية بالرواية المتقدمة فهي أيضا باطلة من وجوه:
1 ـ ان الرواية لم تثبت صحتها، والبخاري ومسلم لم يرضياها، وقد تكلم في تفسير المنار على سندهما (2).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 20.
(2) الجزء الثاني ص 138. (*)
===============
(299)
2 ـ أنها معارضة بالروايات المستفيضة عن أهل البيت (عليهم السلام) الدالة على جواز الوصية للوارث. ففي صحيحه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الوصية للوارث فقال: تجوز.
قال: ثم تلا هذه الاية: " إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين 2: 180 ". وبمضمونها روايات اخرى (1).
3 ـ أن الرواية لو صحت، وسلمت عن المعارضة بشئ فهي لا تصلح لنسخ الاية، لانها لا تنافيها في المدلول. غاية الامر أنها تكون مقيدة لاطلاق الاية فتختص الوصية بالوالدين إذا لم يستحقا الارث لمانع، وبمن لا يرث من الاقربين وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الاية فقد تقدم: أن خبر الواحد لا يصلح أن يكون ناسخا للقرآن بإجماع المسلمين، فالاية محكمة وليست منسوخة. ثم ان الكتابة عبارة عن القضاء بشئ، ومنه قوله تعالى: " كتب على نفسه الرحمة 6: 12 ".
والعقل يحكم بوجوب امتثال حكم المولى وقضائه ما لم تثبت فيه رخصة من قبل المولى. ومعنى هذا أن الوصية للوالدين والاقربين واجبة بمقتضى الاية، ولكن السيرة المقطوع بثبوتها بين المسلمين، والروايات المأثورة عن الائمة من أهل البيت (عليهم السلام) والاجماع المتحقق من الفقهاء في كل عصر قد أثبت لنا الرخصة فيكون الثابت من الاية بعد هذه الرخصة هو استحباب الوصية المذكورة، بل تأكد استحبابها على الانسان، ويكو المراد من الكتابة فيها هو: القضاء بمعنى التشريع لا بمعنى الالزام.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي ج 13 ص 17. (*)
===============
(300)
5 ـ " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون 2: 183 ". فقد ادعي أنها منسوخة بقوله تعالى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم: 187 ".
وذكروا في وجه النسخ: أن الصوم الواجب على الامة في بداية الامر كان مماثلا للصوم الواجب على الامة السالفة، وأن من أحكامه أن الرجل إذا نام قبل أن يتعشى في شهر رمضان لم يجز له أن يأكل بعد نومه في ليلته تلك، وإذا نام أحدهم بعد المساء حرم عليه الطعام والشراب والنساء، فنسخ ذلك بقوله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض: 187 ".
وبقوله تعالى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم: 187 ".
وقد اتفق علماء أهل السنة على أن آية التحليل ناسخة (1) ثم اختلفوا فقال بعضهم: هي ناسخة للاية السابقة، فإنهم استفادوا منها أن الصوم الواجب في هذه الشريعة مماثل للصوم الواجب على الامم السالفة، وقال بذلك أبو العالية، وعطاء، ونسبه أبو جعفر النحاس إلى السدي أيضا (2) وقال بعضهم: إن آية التحليل ناسخة لفعلهم الذي كانوا يفعلونه.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 24.
(2) نفس المصدر ص 21. (*)
===============
(301)
ولا يخفى أن النسخ للاية الاولى موقوف على إثبات تقدمها على الاية الثانية في النزول، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثباته، وعلى أن يكون المراد من التشبيه في الاية تشبيه صيام هذه الامة بصيام الامم السالفة، وهو خلاف المفهوم العرفي، بل وخلاف صريح الاية، فإن المراد بها تشبيه الكتابة بالكتابة فلا دلالة فيها على أن الصومين متماثلان لتصح دعوى النسخ، وإذا ثبت ذلك من الخارج كان نسخا لحكم ثابت بغير القرآن، وهو خارج عن دائرة البحث:
6 ـ " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له 2: 184 ". فادعي أنها منسوخة بقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه: 185 ". ودعوى النسخ في هذه الاية الكريمة واضحة الثبوت لو كان المراد من الطوق السعة والقدرة، فإن مفاد الاية على هذا: أن من يستطع الصوم فله أن لا يصوم ويعطي الفدية: طعام مسكين بدلا عنه، فتكون منسوخة. ولكن من البين أن المراد من الطاقة: القدرة مع المشقة العظيمة. وحاصل المراد من الاية: أن الله تعالى بعد أن أوجب الصوم وجوبا تعيينيا في الاية السابقة، وأسقطه عن المسافر والمريض، وأوجب عليهما عدة من أيام أخر بدلا عنه، أراد أن يبين حكما آخر لصنف آخر من الناس وهم الذين يجدون في الصوم مشقة عظيمة وجدها بالغا، كالشيخ الهم، وذي العطاش، والمريض الذي استمر مرضه إلى شهر رمضان الاخر، فأسقط عنهم وجوب الصوم أداء
===============
(302)
وقضاء، وأوجب عليهم الفدية، فالاية المباركة حيث دلت على تعيين وجوب الصوم على المؤمنين في الايام المعدودات، وعلى تعين وجوبه قضاء في أيام أخر على المريض والمسافر، كانت ظاهرة في أن وجوب الفدية تعيينا إنما هو على غير هذين الصنفين اللذين تعين عليهما الصوم، ومع هذا فكيف يدعى أن المستفاد من الاية هو الوجوب التخييري بين الصوم والفدية لمن تمكن من الصوم، وإن أخبار أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضة بما ذكرناه في تفسير الاية (1).
ولفظ الطاقة وإن استعمل في معنى القدرة والسعة إلا أن معناه اللغوي هو القدرة مع المشقة العظيمة، وإعمال غاية الجهد. ففي لسان العرب: " الطوق الطاقة أي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكنه أن يفعله بمشقة منه ". ونقل عن ابن الاثير والراغب أيضا التصريح بذلك. ولو سلمنا أن معنى الطاقة هي السعة كان الفظ الاطاقة بمعنى إيجاد السعة في الشئ، فلا بد من أن يكون الشئ في نفسه مضيقا لتكون سعته ناشئة من قبل الفاعل، ولا يكون هذا إلا مع إعمال غاية الجهد. قال في تفسير المنار نقلا عن شيخه: " فلا تقول العرب: أطاق الشئ إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة شديدة " (2).
فالاية الكريمة محكمة لا نسخ لها، ومدلولها حكم مغاير لحكم من وجب عليه الصوم أداء وقضاء. وجميع ما قدمناه مبني على القراءة المعروفة. أما على قراءة ابن عباس، وعائشة، وعكرمة، وابن المسيب حيث قرأوا يطوقونه بصيغة المبني للمجهول من باب التفعيل (3) فالامر أوضح. نعم بناء على قول
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي ج 7 باب العاجز عن الصيام ص 43.
(2) الجزء الثاني ص 156.
(3) أحكام القرآن للجصاص ص 177. (*)
===============
(303)
ربيعة ومالك، بأن المشايخ والعجائز لا شئ عليهم إذا أفطروا (1) تكون الاية منسوخة، ولكن الشأن في صحة هذا القول، والاية الكريمة حجة على قائله.
7 ـ " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين 2: 191 ". قال أبو جعفر النحاس: وأكثر أهل النظر على هذا القول أن الاية منسوخة، وأن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره. ونسب القول بالنسخ إلى قتادة أيضا (2).
والحق: أن الاية محكمة ليست منسوخة. فإن ناسخ الاية إن كان هو قوله تعالى: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 9: 5 ". فهذا القول ظاهر البطلان، لان الاية الاولى خاصة، والخاص يكون قرينة على بيان المراد من العام، وإن علم تقدمه عليه في الورود، فكيف إذا لم يعلم ذلك؟ وعلى هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم، إلا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه، فيجوز قتالهم فيه حينئذ. وإن استندوا في نسخ الاية إلى الرواية القائلة أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أمر بقتل ابن خطل ـ وقد كان متعلقا بأستار الكعبة ـ فهو باطل أيضا.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 23.
(2) نفس المصدر ص 28. (*)
===============
(304)
أولا: لانه خبر واحد لا يثبت به النسخ.
ثانيا: لانه لا دلالة له على النسخ، فإنهم رووا في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: " إنها لم تحل لاحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهارها " (1)، وصريح هذه الرواية أن ذلك من خصائص النبي (عليه السلام) فلا وجه للقول بنسخ الاية إلا المتابعة لفتاوى جماعة من الفقهاء، والاية حجة عليهم.
8 ـ " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير 2: 217 ". قال أبو جعفر النحاس: أجمع العلماء على أن هذه الاية منسوخة، وأن قتال المشركين في الشهر الحرام مباح، غير عطاء فإنه قال: الاية محكمة، ولا يجوز القتال في الاشهر الحرم (2).
وأما الشيعة الامامية فلا خلاف بينهم نصا وفتوى على أن التحريم باق، صرح بذلك في التبيان وجواهر الكلام، وهذا هو الحق، لان المستند للنسخ إن كان هو قوله تعالى: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 9: 5 ". كما ذكره النحاس فهو غريب جدا، فإن الاية علقت الحكم بقتل المشركين على انسلاخ الاشهر الحرم، فقد قال تعالى:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح القدير للشوكاني ج 1 ص 168.
(2) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 32. (*)
===============
(305)
" فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 9: 5 ".
فكيف يمكن أن تكون ناسخة لحرمة القتال في الشهر الحرام؟ وإن استندوا فيه إلى إطلاق آية السيف وهي قوله تعالى: " قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة 9: 36 ".
فمن الظاهر أن المطلق لا يكون ناسخا للمقيد، وإن كان متأخرا عنه. وإن استندوا فيه إلى ما رووه عن ابن عباس وقتادة أن الاية منسوخة بآية السيف فيرده
أولاً: ان النسخ لا يثبت بخبر الواحد. وثانيا: انها ليست رواية عن معصوم، ولعلها اجتهاد من ابن عباس وقتادة. وثالثا: انها معارضة بما رواه ابراهيم بن شريك، قال: حدثنا أحمد ـ يعني ابن عبد الله بن يونس ـ قال: حدثنا الليث عن أبي الازهر عن جابر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو (1) فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ، ومعارضة بما رواه أصحابنا الامامية عن أهل البيت (عليهم السلام) من حرمة القتال في الاشهر الحرم. وإن استندوا في النسخ إلى ما نقلوه من مقاتلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هوازن في
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الاصل. (*)
===============
(306)
حنين، وثقيفا في الطائف شهر شوال، وذي القعدة، وذي الحجة من الاشهر الحرم فيرده:
أولا: إن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
وثانيا: إن فعل النبي ـ إذا صحت الرواية ـ مجمل يحتمل وقوعه على وجوه، ولعله كان لضرورة اقتضت وقوعه، فكيف يمكن أن يكون ناسخا للاية.
9 ـ " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن 2: 221 ". فادعي أنها منسوخة بقوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن 5: 5 ". ذهب إليه ابن عباس، ومالك بن أنس، وسفيان بن سعيد، وعبد الرحمن ابن عمر، والاوزاعي، وذهب عبد الله بن عمر إلى أن الاية الثانية منسوخة بالاولى، فحرم نكاح الكتابية (1).
والحق: أنه لا نسخ في شئ من الايتين فإن المشركة التي حرمت الاية الاولى نكاحها، إن كان المراد منها التي تعبد الاصنام والاوثان ـ كما هو الظاهر ـ فإن حرمة نكاحها لا تنافي إباحة نكاح الكتابية التي دلت عليها الاية الثانية، لتكون إحداهما ناسخة والثانية مسوخة، وإن كان المراد من المشركة ما هو أعم من الكتابية ـ كما توهمه القائلون بالنسخ ـ كانت الاية الثانية مخصصة للاية الاولى
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 58.
===============
(307)
ويكون حاصل معنى الايتين جواز نكاح الكتابية دون المشركة. نعم المعروف بين علماء الشيعة الامامية أن نكاح الكتابية لا يجوز إلا بالمتة، إما لتقييد إطلاق آية الاباحة بالروايات الدالة على تحريم النكاح الدائم، وإما لدعوى ظهور الاية الكريمة في المتعة دون العقد الدائم، ونقل عن الحسين والصدوقين جواز الدائم أيضا " وسنتعرض للكلام كل في محله إن شاء الله تعالى ". 10 ـ " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي 2: 256 ". فقد قال جماعة: إنها منسوخة بقوله تعالى ": " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين 9: 73 ". وذهب بعضهم إلى أنها مخصوصة بأهل الكتاب، فإنهم لا يقاتلون لكفرهم " وقد عرفت ذلك فيما تقدم. والحق: أن الاية محكمة وليست منسوخة، ولا مخصوصة، وتوضيح ذلك: أن الكره في اللغة يستعمل في معنيين، أحدهما: ما يقابل الرضا، ومنه قوله تعالى: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم 2: 216 ". وثانيهما: ما يقابل الاختيار، ومنه قوله تعالى: " حملته أمه كرها ووضعته كرها 46: 15 ". فإن الحمل والوضع يكونان في الغالب عن رضى، ولكنهما خارجان عن
===============
(308)
الاختيار، والقول بالنسخ أو بالتخصيص يتوقف على أن الاكراه في الاية قد استعمل بالمعنى الاول، وهو باطل لوجوه:
1 ـ إنه لا دليل على ذلك: ولا بد في حمل اللفظ المشترك على أحد معنييه من وجود قرينة تدل عليه.
2 ـ إن الدين أعم من الاصول والفروع، وذكر الكفر والايمان بعد ذلك ليس فيه دلالة على الاختصاص بالاصول فقط، وإنما ذلك من قبيل تطبيق الكبرى على صغراها، ومما لا ريب فيه أن الاكراه بحق كان ثابتا في الشرع الاسلامي من أول الامر على طبق السيرة العقلائية، وأمثلته كثيرة، فمنها إكراه المديون على أداء دينه، وإكراه الزوجة على إطاعة زوجها، وإكراه السارق على ترك السرقة، إلى أمثال ذلك، فكيف يصح أن يقال: إن الاكراه في الشريعة الاسلامية لم يكن في زمان.
3 ـ إن تفسير الاكراه في الاية بالمعنى الاول " ما يقابل الرضا " لا يناسبه قوله تعالى: " قد تبين الرشد من الغي 2: 256 ". الا بأن يكون المراد بيان علة الحكم، وان عدم الاكراه إنما هو لعدم الحاجة إليه من جهة وضوح الرشد وتبينه من الغي، وإذا كان هذا هو المراد فلا يمكن نسخه، فإن دين الاسلام كان واضح الحجة، ساطع البرهان من أول الامر، إلا أن ظهوره كان يشتد شيئا فشيئا، ومعنى هذا أن الاكراه في أواخر دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) أحرى بأن لا يقع لان برهان الاسلام في ذلك العهد كان أسطع، وحجته أوضح، ولما كانت هذه العلة مشتركة بين طوائف الكفار، فلا يمكن تخصيص الحكم ببعض الطوائف دون بعض، ولازم ذلك حرمة مقاتلة الكفار جميعهم، وهذه نتيجة باطلة بالضرورة.
===============
(309)
فالحق: أن المراد بالاكراه في الاية ما يقابل الاختيار، وأن الجملة خبرية لا إنشائية، والمراد من الاية الكريمة هو بيان ما تكرر ذكره في الايات القرآنية كثيرا، من أن الشريعة الالهية غير مبتنية على الجبر، لا في أصولها ولا في فروعها، وإنما مقتضى الحكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإيضاح الاحكام ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة، كما قال تعالى: " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا 76: 3 ". وحاصل معنى الاية أن الله تعالى لا يجبر أحدا من خلقه على إيمان ولا طاعة، ولكنه يوضح الحق يبينه من الغي، وقد فعل ذلك، فمن آمن بالحق فقد آمن به عن اختيار، ومن اتبع الغي فقد اتبعه عن اختيار والله سبحانه وإن كان قادرا على أن يهدي البشر جميعا ـ ولوشاء لفعل ـ لكن الحكمة اقتضت لهم أن يكونوا غير مجبورين على أعمالهم، بعد إيضاح الحق لهم وتمييزه عن الباطل، فقد قال عز من قائل: " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون 5: 48. قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين 6: 149. وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين 16: 35 ".
===============
(310)
11 ـ " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا 4: 15. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما: 16 ". فذهب بعضهم، ومنهم عكرمة وعبادة بن الصامت في رواية الحسن عن الرقاشي عنه أن الاية الاولى