(3) عاصم بن بهدلة الكوفي هوابن أبي النجود أبو بكر الاسدي مولاهم الكوفي. أخذ القراءة عرضا عن زر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي عمرو الشيباني. قال أبو بكر بن عياش: " قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكنت أرجع من عنده فأعرض على زر ". وقال حفص: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وما كان من القراءة التي أقرأتها أبابكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود " (1). قال ابن سعد: " كان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه ". وقال عبد الله بن أحمدعن أبيه: " كان خيرا ثقة، والاعمش أحفظ منه ". وقال العجلي: " كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقة رأسا في القراءة... وكان عثمانيا ". وقال يعقوب بن سفيان: " في حديثه اضطراب وهوثقة ". وقد تكلم فيه ابن علية، فقال: " كان كل من اسمه عاصم سئ الحفظ ". وقال النسائي: " ليس به بأس ". وقال ابن خراش: " في حديثه نكرة ". وقال العقيلي: " لم يكن فيه إلا سوء الحفظ ". وقال
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 348. (*)
===============
(131)
الدارقطني: " في حفظه شئ ". وقال حماد بن سلمة: خلط عاصم في آخر عمره ". مات سنة 127 أو سنة 128 (1).
ولعاصم ابن بهدلة راويان بغير واسطة هما: حفص، وأبو بكر: أما حفص: فهو ابن سليمان الاسدي، كان ربيب عاصم. قال الذهبي: " أما القراءة فثقة ثبت ضابط لها. بخلاف حاله في الحديث ". وذكر حفص: " أنه لم يخالف عاصما في شئ من قراءته إلا في حرف.. الروم سورة 3 آية 54: الله الذي خلقكم من ضعف. قرأه بالضم وقرأ عاصم بالفتح " ولد سنة 90 وتوفي سنة 180 (2). وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله عن أبيه: " متروك الحديث ". وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بثقة ". وقال ابن المديني: " ضعيف الحديث، وتركته على عمد ". وقال البخاري: " تركوه ". وقال مسلم: " متروك ". وقال النسائي: " ليس بثقة، ولا يكتب حديثه ". وقال صالح ابن محمد: " لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير ". وقال ابن خراش: " كذاب متروك يضع الحديث ". وقال ابن حيان: " كان يقلب الاسانيد، ويرفع المراسيل ". وحكى ابن الجوزي في الموضوعات عن عبد لرحمن بن مهدي قال: " والله ما تحل الرواية عنه ". وقال الدارقطني: " ضعيف " وقال الساجي: " حفص ممن ذهب حديثه، عنده مناكير " (3).
أقول: الحال فيمن روى القراءة عنه كما تقدم. وأما أبو بكر: فهو شعبة بن عياش بن سالم الحناط الاسدي الكوفي قال ابن الجزري: " عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، وعلى عطاء ابن السائب، وأسلم المنقري. وعمر دهرا إلا أنه قطع الاقراء قبل موته بسبع سنين، وقيل
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب ج 5 ص 39.
(2) طبقات القراء ج 1 ص 254.
(3) تهذيب التهذيب ج 2 ص 401. (*)
===============
(132)
بأكثر، وكان إماما كبيرا عالما عاملا، وكان يقول: " أنا نصف الاسلام ". وكان من أئمة السنة. ولما حضرته الوفاة بكت اخته فقال لها: ما " يبكيك، انظري إلى تلك الزاوية فقد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة ". ولد سنة 95 وتوفي سنة 193، وقيل 194 (1). قال عبد الله ابن أحمد عن أبيه: " ثقة وربما غلط ". وقال عثمان الدارمي: " وليس بذاك في الحديث ". وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عن أبي بكر بن عياش، وأبي الاحوص فقال: ما أقربهما ". وقال ابن سعد: " كان ثقة صدوقا عارفا بالحديث والعلم، إلا أنه كثير الغلط ". وقال يعقوب ابن شيبة: " في حديثه اضطراب ". وقال أبو نعيم: " لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا منه ". وقال البزار: " لم يكن بالحافظ " (2).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 325 ـ 327.
(2) تهذيب التهذيب ج 12 ص 35 ـ 37. (*)
===============
(4) أبو عمرو البصيري هو زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري. قيل إنه من فارس. توجه مع أبيه لما هرب من الحجاج، فقرأ بمكة والمدينة، وقرأ أيضا بالكوفة والبصرة على جماعة كثيرة، فليس في القراء السبعة أكثر شيوخا منه. ولقد كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامرإلى حدود الخمسمائة فتركوا ذلك، لان شخصا قدم من أهل العراق، وكان يلقن الناس بالجامع الاموي على قراءة أبي عمرو، فاجتمع عليه خلق، واشتهرت هذه القراءة عنه. قال الاصمعي: سمعت أبا عمرو يقول: " ما رأيت أحدا قبلي أعلم مني ". ولد سنة 68. قال غير واحد: مات سنة 154 (1). قال الدوري عن ابن معين: " ثقة ". وقال أبو خيثمة: " كان أبو عمرو بن العلاء رجلا لا بأس به ولكنه لم يحفظ ". وقال نصر بن علي الجهضمي عن أبيه: قال لي شعبة: " انظر ما يقرأ به أبو عمرو، فما يختاره لنفسه فاكتبه، فإنه سيصير للناس استاذا ". وقال أبو معاوية الازهري في التهذيب: " كان من أعلم الناس بوجوه القراءات، وألفاظ العرب، ونوادر
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 288 ـ 292. (*)
===============
(134)
كلامهم، وفصيح أشعارهم " (1).
ولقراءة أبي عمرو راويان بواسطة يحيى بن المبارك اليزيدي، هما: الدوري، والسوسي. أما يحيى بن المبارك: فقال ابن الجزري: " نحوي مقرئ، ثقة علامة كبير ". نزل بغداد وعرف باليزيدي لصحبته يزيدبن منصور الحميري خال المهدي، فكان يؤدب ولده. أخذ القراءة عرضا عن أبي عمرو، وهوالذي خلفه بالقيام بها، وأخذ أيضا عن حمزة. روى القراءة عنه أبو عمرو الدوري، وأبو شعيب السوسي، وله اختيار خالف فيه أباعمرو في حروف يسيرة. قال ابن مجاهد: " وإنما عولنا على اليزيدي ـ وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجل منه ـ لاجل أنه انتصب للرواية عنه، وتجرد لها، ولم يشتغل بغيرها، وهو أضبطهم ". توفي سنة 202 بمرو. وله أربع وسبعون سنة. وقيل: بل جاوز التسعين، وقارب المائة (2).
وأما الدوري: فهو حفص بن عمروبن عبد العزيز الدوري الازدي البغدادي. قال ابن الجزري: " ثقة ثبت كبير ضابط أول من جمع القراءات ". توفي في شوال سنة 246 (3). قال الدارقطني: " ضعيف ". وقال العقيلي: " ثقة " (4).
أقول: الكلام فيمن أخذ القراءة عنه كما تقدم. وأما السوسي: فهو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله. قال ابن الجزري:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب ج 12 ص 178 ـ 180.
(2) طبقات القراء ج 2 ص 375 ـ 377.
(3) نفس المصدر ج 2 ص 255.
(4) تهذيب التهذيب ج 2 ص 408. (*)
===============
(135)
" ضابط محرر ثقة ". أخذ القراءة عرضا وسماعا عن أبي محمد اليزيدي، وهو من أجل أصحابه. مات أول سنة 261، وقد قارب السبعين (1). قال أبو حاتم: " صدوق ". وقال النسائي: " ثقة ". وذكره ابن حيان في الثقات. وذكر أبو عمرو الداني: " أن النسائي روى عنه القراءات، وضعفه مسلم بن قاسم الاندلسي بلا مستند " (2).
أقول: الكلام فيمن أخذ القراءة عنه كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج ص 332.
(2) تهذيب التهذيب ج 4 ص 392. (*)
===============
(5) حمزة الكوفي هوابن حبيب بن عمارة بن اسماعيل أبو عمارة الكوفي التميمي، أدرك الصحابة بالسن. أخذ القراءة عرضا عن سليمان الاعمش، وحمران بن أعين. وفي كتاب " الكفاية الكبرى والتيسير " عن محمدبن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وطلحة بن مصرف، وفي كتاب " التيسير " عن مغيرة بن مقسم ومنصور وليث ابن أبي سليم، وفي كتاب " التيسير والمستنير " عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قالوا: " استفتح حمزة القرآن من حمران، وعرض على الاعمش وأبي إسحاق وابن أبي ليلى، وإليه صارت الامامة في القراءة بعد عاصم والاعمش، وكان إماما حجة ثقة ثبتا عديم النظير ". قال عبد الله العجلي: قال أبو حنيفة لحمزة: " شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض ". وقال سفيان الثوري: " غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض ". وقال عبد الله بن موسى: " وكان شيخه الاعمش إذا رآه قد أقبل يقول: هذا حبر القرآن ". ولد سنة 80 وتوفي سنة 156 (1). قال ابن معين: " ثقة ". وقال النسائي: " ليس به بأس ".
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 261. (*)
===============
(137)
وقال العجلي: " ثقة رجل صالح ". وقال ابن سعد: " كان رجلا صالحا عنده أحاديث وكان صدوقا صاحب سنة ". وقال الساجي: " صدوق سيئ الحفظ ليس بمتقن في الحديث ". وقد ذمه جماعة من أهل الحديث في القراءة. وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة. وقال الساجي أيضا والازدي: " يتكلمون في قراءته وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه ". وقال الساجي أيضا: " سمعت سلمة بن شبيب يقول: كان أحمد يكره أن يصلي خلف من يصلي بقراءة حمزة ". وقال الآجري عن أحمد بن سنان: " كان يزيد ـ يعني ابن هرون ـ يكره قراءة حمزة كراهية شديدة ". قال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: " لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لاوجعت ظهره وبطنه ". وقال أبو بكر بن عياش: " قراءة حمزة عندنا بدعة ". وقال ابن دريد: " إني لاشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة " (1).
ولقراءة حمزة راويان بواسطة، هما: خلف بن هشام، وخلاد بن خالد: أما خلف: فهو أبو محمد الاسدي بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي. قال ابن الجزري: " أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، وابتدأ في الطلب وهو ابن ثلاث عشر، وكان ثقة كبيرا زاهدا عابدا عالما ". قال ابن اشته: " كان خلف يأخذ بمذهب حمزة إلا أنه خالفه في مائة وعشرين حرفا ". ولد سنة 150، ومات سنة 229 (2).
قال اللالكائي: " سئل عباس الدوري عن حكاية عن أحمد بن حنبل في خلف ابن هشام. فقال: لم أسمعها ولكن حدثني أصحابنا أنهم ذكروه عند أحمد، فقيل انه يشرب. فقال: انتهى الينا علم هذا، ولكنه ـ والله ـ عندنا الثقة الامين ". وقال النسائي: " بغدادي ثقة ". وقال الدارقطني: " كان عابدا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب ج 3 ص 27.
(2) طبقات القراء ج 1 ص 272. (*)
===============
(138)
فاضلا ". قال: " أعدت صلاة أربعين سنة كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين ". وحكى الخطيب في تاريخه عن محمد بن حاتم الكندي قال: " سألت يحيى بن معين عن خلف البزار فقال: لم يكن يدري ايش الحديث " (1).
أقول: وسيجئ الكلام فيمن روى قراءته. وأما خلاد بن خالد: فهو أبو عيسى الشيباني الكوفي. قال ابن الجزري: " إمام في القراءة ثقة عارف محقق استاذ ". أخذ القراءة عرضا عن سليم، وهو من أضبط أصحابه وأجلهم. توفي سنة 220 (2).
أقول: والكلام في رواة قراءته كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب ج 3 ص 156.
(2) طبقات القراء ج 1 ص 274. (*)
===============
(6) نافع المدني هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. قال ابن الجزري: " أحد القراء السبعة والاعلام ثقة صالح، أصله من اصبهان ". أخذ القراءة عرضا عن جماعة من تابعي أهل المدينة. قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: " قراءة أهل المدينة سنة، قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم ". وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " سألت أبي أي القراءة أحب اليك؟ قال: قراءة أهل المدينة. قلت: فإن لم يكن قال: عاصم ". مات سنة 169 (1) قال أبو طالب عن أحمد: " كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشئ ". وقال الدوري عن ابن معين: " ثقة ". وقال النسائي: " ليس به بأس ". وذكر ابن حيان في الثقات، وقال الساجي: " صدوق... اختلف فيه أحمد ويحيى. فقال أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى: ثقة " (2).
ولقراءة نافع راويان بلا واسطة. هما قالون، وورش: أما قالون: فهو عيسى بن ميناء بن وردان أبو موسى. مولى بني زهرة يقال
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراءج 2 ص 330.
(2) تهذيب التهذيب ج 10 ص 407. (*)
===============
(140)
إنه ربيب نافع، وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته. فإن قالون باللغة الرومية جيد. قال عبد الله بن علي: " إنما يكلمه بذلك لان قالون أصله من الروم كان جد جده عبد الله بن سبي الروم "، أخذ القراءة عرضا عن نافع. قال ابن أبي حاتم: " كان أصم، يقرئ القرآن ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة ". ولد سنة 120، وتوفي سنة 220 (1). قال ابن حجر: " أما في القراءة فثبت، وأما في الحديث فيكتب حديثه في الجملة ". سئل أحمد بن صالح المصري عن حديثه فضحك وقال: " تكتبون عن كل أحد " (2).
أقول: والكلام فيمن روى القراءة عنه كما تقدم. وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد. قال ابن الجزري: " انتهت اليه رئاسة الاقراء في الديار المصرية في زمانه، وله اختيار خالف فيه نافعا، وكان ثقة حجة في القراءة ". ولد سنة 110 بمصر، وتوفي فيها سنة 197 (3).
أقول الكلام في رواة قراءته كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 615.
(2) لسان الميزان ج 4 ص 408.
(3) طبقات القراء ج 1 ص 502. (*)
===============
(7) الكسائي الكوفي هو علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الاسدي، مولاهم من أولاد الفرس. قال ابن الجزري: " الامام الذي انتهت اليه رئاسة الاقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات. أخذ القراءة عرضا عن حمزة أربع مرات وعليه اعتماده ". وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: " كان الكسائي: يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا " واختلف في تاريخ موته، فالصحيح الذي أرخه غير واحد من العلماء والحفاظ سنة 189 (1). أخذ القراءة عن حمزة الزيات مذاكرة، وعن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وعيسى بن عمرو الاعمش، وأبي بكر بن عياش، وسمع منهم الحديث، ومن سليمان بن أرقم، وجعفر الصادق (عليه السلام)، والعزرمي، وابن عيينة... وعلم الرشيد، ثم علم ولده الامين (2) وحدث المرزباني فيما رفعه إلى ابن الاعرابي، قال: " كان الكسائي أعلم الناس على رهق فيه، كان يديم شرب النبيذ، ويجاهر ب... إلا أنه كان
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 535.
(2) تهذيب التهذيب ج 7 ص 313. (*)
===============
(142)
ضابطا قارئا علما بالعربية صدوقا " (1).
وللكسائي راويان بغير واسطة. هما الليث بن خالد، وحفص بن عمر.
أما الليث: فهو أبو الحارث بن خالد البغدادي. قال ابن الجزري: " ثقة معروف حاذق ضابط ". عرض على الكسائي وهو من أجلة أصحابه مات سنة 240 (2).
أقول: الكلام في رواة قراءته كما تقدم.وأما حفص بن عمر الدوري فقد تقدمت ترجمته عند ترجمة عاصم.
هذا ما أردنا نقله من ترجمة القراء السبعة، ورواة قراءاتهم، وقد نظم أسماءهم، وأسماء رواتهم " القاسم بن فيره " في قصيدته اللامية المعروفة بالشاطبية.وأما الثلاثة المتممة للعشرة فهم: خلف، ويعقوب، ويزيد بن القعقاع.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم الادباء ج 5 ص 185.
(2) طبقات القراء ج 2 ص 34. (*)
===============
(8) خلف بن هشام البزار تقدمت ترجمته عند ترجمة حمزة، ولقراءته راويان، هما: إسحاق، وإدريس. أما إسحاق: فقال فيه ابن الجزري: " إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله أبو يعقوب المروزي ثم البغدادي، وراق خلف، وراوي اختياره عنه، ثقة ". توفي سنة 286 (1).
أقول: الكلام فيمن قرأ عليه كما تقدم.
وأما إدريس: فقال فيه ابن الجزري: " إدريس بن عبد الكريم الحداد أبو الحسن البغدادي، إمام ضابط، متقن ثقة. قرأ على خلف بن هشام. سئل عنه الدارقطني فقال: " ثقة وفوق الثقة بدرجة ". توفي سنة 292 (2).
أقول: الكلام فيمن روى القراءة عنه كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 155.
(2) نفس المصدر ص 154. (*)
===============
(9) يعقوب بن إسحاق هو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله أبو محمد الحضرمي، مولاهم البصري. قال ابن الجزري: " أحد القراء العشرة ". قال يعقوب: " قرأت على سلام في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شرنفة المجاشعي في خمسة أيام، وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب المحاربي في تسعة أيام، وقرأ مسلمة على أبي الاسود الدؤلي على علي (عليه السلام) ". مات في ذي الحجة سنة 205، وله ثمان وثمانون سنة (1). قال أحمد وأبو حاتم: " صدوق ". وذكره ابن حيان في الثقات. وقال ابن سعد: " ليس هو عندهم بذاك الثبت " (2).
وليعقوب راويان، هما: رويس، وروح. أما رويس: فهو محمدبن المتوكل أبو عبد الله اللؤلؤي البصري. قال ابن الجزري: مقرئ حاذق ضابط مشهور أخذ القراءة عرضا عن يعقوب الحضرمي ". قال الداني: " وهو من أحذق أصحابه ". روى القراءة عنه
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 2 ص 38.
(2) تهذيب التهذيب ج 11 ص 382. (*)
===============
(145)
عرضا محمد بن هارون التمار، والامام أبو عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري الشافعي. توفي سنة 338 (1).
وأما روح: فهو أبو الحسن بن عبد المؤمن الهذلي، مولاهم البصري النحوي. قال ابن الجزري: " مقرئ جليل ثقة ضابط مشهور ". عرض على يعقوب الحضرمي، وهو من أجلة أصحابه، توفي سنة 235 أو 234 (2).
أقول: الكلام فيمن عرض القراءة عليه كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 2 ص 234.
(2) نفس المصدر ج 1 ص 285. (*)
(البيان ـ 10)
===============
(10) يزيد بن القعقاع (10) قال ابن الجزري: " يزيد بن القعقاع الامام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ. أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر ". عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. قال يحيى بن معين: " كان إمام أهل المدينة في القراءة فسمي القارئ بذلك، وكان ثقة قليل الحديث ". وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث ". مات بالمدينة سنة 130 (1).
ولابي جعفر راويان، هما: عيسى، وابن جماز. أما عيسى: فهو أبو الحارث عيسى بن وردان المدني الحذاء. قال ابن الجزري: " إمام مقرئ حاذق، وراو محقق ضابط ". عرض على أبي جعفر وشيبة ثم عرض على نافع. قال الداني: " هو من أجلة أصحاب نافع وقد مائهم، وقد شاركه في الاسناد ". مات ـ فيما أحسبب ـ في حدود سنة 160 (2).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 2 ص 382.
(2) نفس المصدر ج 1 ص 616. (*)
===============
(147)
أقول: الكلام فيمن عرض عليه كما تقدم. وأما ابن جماز: فهو سليمان بن مسلم بن جماز أبو الربيع الزهري مولاهم المدني. قال ابن الجزري: " مقرئ جليل ضابط ". عرض على أبي جعفر، وشيبة على ما في كتابي " الكامل والمستنير "، ثم عرض على نافع على مافي " الكامل ". مات بعد سنة 170 فيما أحسب (1).
إن من ذكرناهم من رواة القراء العشرة هم المعروفون بين أهل التراجم. وأما القراءة المروية بغير ما ذكرناه من الطرق فغير مضبوطة. وقد وقع الخلاف بين المترجمين في رواة اخرى لهم. وقد أشرنا إلى هذا ـ فيما تقدم ـ ولذلك لم نتعرض ـ هنا ـ لذكرهم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراءج 1 ص 315. (*)
===============
(148)
===============
نظرة في القراءات
===============
(150)
تواتر القران من الضروريات. ليست القراءات متواترة. تصريحات أرباب الفن بعدم تواتر القراءات. نقد ما استدل به على تواتر القراءات. ليست الاحرف السبع هي القراءات السبع. حجية القراءات. جواز القراءة بها في الصلاة.
===============
(151)
قد أسلفنا في التمهيد من بحث " أضواء على القراء " بعض الآراء حول تواتر القراءات وعدمه وأشرنا إلى ما ذهب اليه المحققون من نفي تواتر القراءات، مع أن المسلمين قد أطبقوا على تواتر القرآن نفسه. والآن نبدأ بالاستدلال على ما اخترناه من عدم تواترها بأمور: الاول: إن استقراء حال الرواة يورث القطع بأن القراءات نقلت الينا بأخبار الآحاد. وقد اتضح ذلك فيما أسلفناه في تراجمهم فكيف تصح دعوى القطع بتواترها عن القراء. على أن بعض هؤلاء الرواة لم تثبت وثاقته. الثاني: إن التأمل في الطرق التي أخذ عنها القراء، يدلنا دلالة قطعية على أن هذه القراءات إنما نقلت اليهم بطريق الآحاد. الثالث: اتصال أسانيد القراءات بالقراء أنفسهم يقطع تواتر الاسانيد حتى لو كانت رواتها في جميع الطبقات ممن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإن كل قارئ إنما ينقل قراءته بنفسه. الرابع: احتجاج كل قارئ من هؤلاء على صحة قراءته، واحتجاج تابعيه على ذلك أيضا، وإعراضه عن قراة غيره دليل قطعي على أن القراءات تستند إلى اجتهاد القراء وآرائهم، لانها لو كانت متواترة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لم يحتج في إثبات صحتها إلى الاستدلال والاحتجاج. الخامس: ان في إنكار جملة من أعلام المحققين على جملة من القراءات دلالة
===============
(152)
واضحة على عدم تواترها، إذلو كانت متواترة لما صح هذا الانكار فهذا ابن جرير الطبري أنكرقراءة ابن عامر، وطعن في كثير من المواضع في بعض القراءات المذكورة في السبع، وطعن بعضهم على قراءة حمزة، وبعضهم على قراءة أبي عمرو، وبعضهم على قراءة ابن كثير. وأن كثيرا من العلماء أنكروا تواتر ما لا يظهر وجهه في اللغة العربية، وحكموا بوقوع الخطأ فيه من بعض القراء (1) وقد تقدم في ترجمة حمزة إنكار قراءته من إمام الحنابلة أحمد، ومن يزيد بن هارون، ومن ابن مهدى (2) ومن أبي بكر بن عياش، ومن ابن دريد. قال الزركشي: ـ بعدما اختار أن القراءات توقيفية ـ خلافا لجماعة منهم الزمخشرى، حيث ظنوا أنها اختيارية، تدور مع اختيار الفصحاء، واجتهاد البلغاء، ورد على حمزة قراءة " والارحام " بالخفض، ومثل ما حكي عن أبي زيد، والاصمعي، ويعقوب الحضرمي أنهم خطأوا حمزة في قراءته " وما أنتم بمصر خي " بكسرالياء المشددة، وكذلك أنكروا على أبي عمرو إدغامه الراء في اللام في " يغفر لكم ". وقال الزجاج: " إنه غلط فاحش " (3).
تصريحات نفاة تواتر القراءات: وقد رأينا من المناسب أن نذكر من كلمات خبراء الفن ممن صرح بعدم تواتر القراءات ليظهر الحق في السمألة بأجلى صوره:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان ص 106 للمعتصم بالله طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري. طبع في مطبعة النار سنة 1334.
(2) هو عبد الرحمن بن مهدي قال في تهذيب التهذيب ج 6 ص 280: قال أحمد بن سنان: سمعت علي بن المديني يقول: " كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس "، قالها مرارا. وقال الخليلي: " هو إمام بلا مدافعة ". وقال الشافعي: " لاأعرف له نظيرا في الدنيا ".
(3) التبيان ص 87. (*)
===============
(153)
(1) قال ابن الجزري: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمال، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الائمة السبعة أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الائمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الاركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم ". هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف. صرح بذلك الامام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الامام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الامام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الامام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.
(2) وقال أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز: " فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الائمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وانها هكذا أنزلت، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا يتفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الاوصاف لا على من تنسب اليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم: تركتن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم " (1).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) النشر في القراءات العشر ج 1 ص 9. (*)
===============
(154)
(3) وقال ابن الجزري أيضا: " وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وان ما جاء مجئ الآحاد لا يثبت به قرآن. هذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الاخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف، الثابت عن هؤلاء الائمة السبعة وغيرهم. ولقد كنت ـ قبل ـ اجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف ".
(4) وقال الامام الكبير أبو شامة في مرشده: " وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين، وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي كل فردفرد ما روي عن هؤلاء السبعة. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق، من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها " (1).
(5) وقال السيوطي: وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير ابن الجزري. قال في أول كتابه ـ النشر ـ كل قراءة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) النشر في القراءات العشر ج 1 ص 13. (*)
===============
(155)
وافقت العربية... فنقل كلام ابن الجزري بطوله الذي نقلنا جملة منه آنفا. ثم قال: قلت: أتقن الامام ابن الجزري هذا الفصل جدا " (1).
(6) وقال أبو شامة في كتاب البسملة: " إنا لسنا ممن يلتزم بالتواتر في الكلمات المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بين لمن أنصف وعرف، وتصفح القراءات وطرقها " (2).
(7) وذكر بعضهم: " إنه لم يقع لاحد من الائمة الاصوليين تصريح بتواتر القراءات، وقد صرح بعضهم بأن التحقيق ان القراءات السبع متواترة عن الائمة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد " (3).
(8) وقال بعض المتأخرين من علماء الاثر: " ادعى بعض أهل الاصول تواتر كل واحد من القراءات السبع، وادعى بعضهم تواتر القراءات العشر وليس على ذلك إثارة من علم... وقد نقل جماعة من القراء الاجماع على أن في هذه القراءات ما هو متواتر، وفيها ما هو آحاد، ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحد من السبع
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتقان النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 129.
(2) التبيان ص 102.
(3) نفس المصدر ص 105. (*)
===============
(156)
فضلا عن العشر، وإنما هو قول قاله بعض أهل الاصول. وأهل الفن أخبر بفنهم " (1).
(9) وقال مكي في جملة ما قال: " وربما جعلوا الاعتبار بما اتفق عليه عاصم ونافع فإن قراءة هذين الامامين أولى القراءات، وأصحها سندا، وأفصحها في العربية " (2).
(10) وممن اعترف بعدم التواتر حتى في القراءات السبع: الشيخ محمد سعيد العريان في تعليقاته، حيث قال: " لا تخلوا إحدى القراءات من شواذ فيها حتى السبع المشهورة فإن فيها من ذلك أشياء ". وقال أيضا: " وعندهم أن أصح القراءات من جهة توثيق سندها نافع وعاصم، وأكثرها توخيا للوجوه التي هي أفصح أبو عمرو، والكسائي " (3).
ولقد اقتصرنا في نقل الكلمات على المقدار اللازم، وستقف على بعضها الآخر أيضا بعيد ذلك. تأمل بربك. هل تبقى قيمة لدعوى التواتر في القراءات بعد شهادة هؤلاء الاعلام كلهم بعدمه؟ وهل يمكن إثبات التواتر بالتقليد، وباتباع بعض من ذهب إلى تحققه من غير أن يطالب بدليل، ولا سيما إذا كانت دعوى التواتر مما
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان ص 106.
(2) نفس المصدر ص 90.
(3) اعجاز القرآن للرافعي، الطبعة الرابعة ص 52، 53. (*)
===============
(157)
يكذبها الوجدان؟ وأعجب من جميع ذلك أن يحكم مفتي الديار الاندلسية أبو سعيد بكفر من أنكر تواترها!!! لنفرض أن القراءات متواترة، عند الجميع، فهل يكفر من أنكر تواترها إذا لم تكن من ضروريات الدين، ثم لنفرض أنها بهذا التواتر الموهوم أصبحت من ضروريات الدين، فهل يكفر كل أحد بإنكارها حتى من لم يثبت عنده ذلك؟! أللهم إن هذه الدعوى جرأة عليك، وتعد لحدودك، وتفريق لكلمة أهل دينك!!! أدلة تواتر القراءات: وأما القائلون بتواتر القراءات السبع فقد استدلوا على رأيهم بوجوه: الاول: دعوى قيام الاجماع عليه من السلف إلى الخلف. وقد وضح للقارئ فساد هذه الدعوى، على أن الاجماع لا يتحقق باتفاق أهل مذهب واحد عند مخالفة الآخرين. وسنوضح ذلك في الموضع المناسب إن شاء الله تعالى. الثاني: ان اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءته، وإن ذلك واضح لمن أنصف نفسه وعدل.
الجواب: إن هذا الدليل إنما يثبت تواتر نفس القرآن، لا تواتر كيفية قراءته، وخصوصا مع كون القراءة عند جمع منهم مبتنية على الاجتهاد، أو على السماع ولو من الواحد. وقد عرفت ذلك مما تقدم، ولولا ذلك لكان مقتضى هذا الدليل أن تكون جميع القراءات متواترة، ولا وجه لتخصيص الحكم بالسبع أو العشر. وسنوضح للقارئ أن حصر القراءات في السبع إنما حدث في القرن الثالث الهجري، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر، ولازم ذلك أن
===============
(158)
نلتزم إما بتواتر الجميع من غير تفرقة بين القراءات، وإما بعدم تواتر شئ منها في مورد الاختلاف، والاول باطل قطعا فيكون الثاني هو المتعين. الثالث: ان القراءات السبع لو لم تكن متواترة لم يكن القرآن متواترا والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله: ووجه التلازم أن القرآن إنما وصل الينا بتوسط حفاظه، والقراء المعروفين، فإن كانت قراءاتهم متواترة فالقرآن متواتر، وإلا فلا. وإذن فلا محيص من القول بتواتر القراءات.
الجواب:
1 ـ ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، لان الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها، ولهذا نجد أن اختلاف الرواة في بعض ألفاظ قصائد المتنبي ـ مثلا ـ لا يصادم تواتر القصيدة عنه وثبوتها له، وان اختلاف الرواة في خصوصيات هجرة النبي لا ينافي تواتر الهجرة نفسها.
2 ـ ان الواصل الينا بتوسط القراء إنما هو خصوصيات قراءاتهم. وأما أصل القرآن فهو واصل الينا بالتواتر بين المسلمين، وبنقل الخلف عن السلف. وتحفظهم على ذلك في صدورهم وفي كتاباتهم، ولا دخل للقراء في ذلك أصلا، ولذلك فإن القرآن ثابت التواتر حتى لو فرضنا أن هؤلاء القراء السبعة أو العشرة لم يكونوا موجودين أصلا. وعظمة القرآن أرقى من أن تتوقف على نقل اولئك النفر المحصورين. الرابع: ان القراءات لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر مثل " ملك " و " مالك " ونحوهما، فإن تخصيص أحدهما تحكم باطل. وهذا الدليل ذكره ابن الحاجب وتبعه جماعة من بعده.
الجواب:
1 ـ ان مقتضى هذا الدليل الحكم بتواتر جميع القراءات، وتخصيصه بالسبع
===============
(159)
أيضا تحكم باطل. ولا سيما أن في غير القراء السبعة من هو أعظم منهم وأوثق، كما اعترف به بعضهم، وستعرف ذلك. ولو سلمنا أن القراء السبعة أو ثق من غيرهم، وأعرف بوجوه القراءات، فلا يكون هذا سببا لتخصيص التواتر بقراءاتهم دون غيرهم. نعم ذلك يوجب ترجيح قراءاتهم على غيرها في مقام العمل، وبين الامرين بعد المشرقين، والحكم بتواتر جميع القراءات باطل بالضرورة.
2 ـ ان الاختلاف في القراءة إنما يكون سببا لالتباس ما هو القرآن بغيره، وعدم تميزه من حيث الهيئة أومن حيث الاعراب، وهذا لا ينافي تواتر أصل القرآن، فالمادة متواترة وإن اختلف في هيئتها أو في إعرابها، وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعا وإن لم تعلم بخصوصها. تعقيب: ومن الحق إن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات. وقد اعترف بذلك الزرقاني حيث قال: يبالغ بعضهم في الاشادة بالقراءات السبع، ويقول من زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر، لانه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة، ويعزى هذا الرأي إلى مفتي البلاد الاندلسية الاستاذ أبي سعيد فرج ابن لب، وقد تحيس لرأيه كثيرا وألف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه. والرد على من رد عليه، ولكن دليلة الذي استند اليه لا يسلم. فإن القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن، كيف وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع، بحيث يصح أن يكون القرآن، متواترا في غير القراءات السبع، أو في القدر الذي اتفق عليه القراء جميعا. أو في القدر الذي اتفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قراء كانوا أو غير قراء (1).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) مناهل العرفان ص 248. (*)
===============
(160)
وذكر بعضهم: ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، وانه لم يقع لاحد من أئمة الاصوليين تصريح بتواتر القراءات وتوقف تواتر القرآن على تواترها، كما وقع لابن الحاجب (1). قال الزركشي في البرهان: للقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد (صلى الله عليه واله وسلم) للبيان والاعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، وكيفيتها من تخفيف وتشديد غيرهما، والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة. وقال أيضا: والتحقيق انها متواترة عن الائمة السبعة. أما تواترها عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ففيه نظر، فإن اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد (2).
القراءات والاحرف السبعة: قد يتخيل أن الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع، فيتمسك لاثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلت على أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا بد لنا أن ننبه على هذا الغلط، وان ذلك شئ لم يتوهمه أحد من العلماء المحققين. هذا إذا سلمنا ورود هذه الروايات، ولم نتعرض لها بقليل ولا كثير. وسيأتي الكلام على هذه الناحية. والاولى أن نذكر كلام الجزائري في هذا الموضع. قال: " لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها، حتى قام الامام أبو بكر أحمد ابن موسى بن العباس بن مجاهد ـ وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد ـ فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام، وهم: نافع، وعبد الله ابن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن عامر، وعاصم وحمزة، وعلي
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان ص 105.
(2) الاتقان النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 138. (*)
===============
(161)
الكسائي. وقد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هي الاحرف السبعة، وليس الامر كذلك... وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة، لما فيه من الايهام... قال أحمد ابن عمار المهدوي: لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الامر على العامة بايهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة... ". وقال الاستاذ اسماعيل بن إبراهيم بن محمد القراب في الشافي: " التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، لم يكن قرأ بأكثر من السبع، فصنف كتابا، وسماه كتاب السبعة، فانتشر ذلك في العامة... ". وقال الامام أبو محمد مكي: " قد ذكر الناس من الائمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة، وأجل قدرا من هؤلاء السبعة... فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين، قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها ـ هذا تخلف عظيم ـ أكان ذلك بنص من النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أم كيف ذلك!!! وكيف يكون ذلك؟ والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالامس في أيام المأمون وغيره ـ وكان السابع يعقوب الحضرمي ـ فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة ونحوها الكسائي موضع يعقوب " (1).
وقال الشرف المرسي:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان ص 82. (*)
(البيان ـ 11)
===============
(162)
" وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها ـ الاحرف السبعة ـ القراءات السبع، وهو جهل قبيح " (1).
وقال القرطبي: " قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن أبي سفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع، التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الاحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الائمة القراء " (2).
وتعرض ابن الجزري لابطال توهم من زعم أن الاحرف السبعة، التي نزل بها القرآن مستمرة إلى اليوم. فقال: " وأنت ترى ما في هذا القول، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الاعصار الاول، قل من كثر، ونزر من بحر، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الائمة المتقدمين من السبعة، وغيرهم كانوا أمما لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر وهلم جرا. فلما كانت المائة الثالثة، واتسع الخرق وقل الضبط، وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر، تصدى بعض الائمة لضبط ما رواه من القراءات، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم ـ فيما أحسب ـ خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة وتوفي سنة 224 وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية، جمع كتابا في قراءات الخمسة، من كل مصر واحد. وتوفي سنة 258 وكان بعده القاضي اسماعيل بن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر ص 61.
(2) تفسير القرطبي ج 1 ص 46. (*)
===============
(163)
اسحاق المالكي صاحب قالون، ألف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما، منهم هؤلاء السبعة. توفي سنة 282 وكان بعده الامام أبو جعفر محمدبن جرير الطبري، جمع كتابا سماه " الجامع " فيه نيف وعشرون قراءة. توفي سنة 310 وكان بعيده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني، جمع كتابا في القراءات، وأدخل معهم أباجعفر أحد العشرة. وتوفي سنة 324، وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وروى فيه عن هذا الداجوني، وعن ابن جرير أيضا. وتوفي سنة 324 ".
ثم ذكر ابن الجزري جماعة ممن كتب في القراءة. فقال: " وإنما أطلنا هذا الفصل، لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أن الاحرف السبعة التي أشار اليها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في " الشاطبية والتيسير "، وأنها هي المشار اليها بقوله (صلى الله عليه واله وسلم) أنزل القرآن على سبعة أحرف، حتى أن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ، وكثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذا، وربما كان كثير مما لم يكن في " الشاطبية والتيسير "، وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما، وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا " أنزل القرآن على سبعة أحرف " وسمعوا قراءات السبعة فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار اليها، ولذلك كره كثير من الائمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطأوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة. ثم نقل ابن الجزري ـ بعد ذلك ـ عن ابن عمار المهدوي، وأبي محمد مكي ما تقدم نقله عنهما آنفا " (1).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) النشرفي القراءات العشر ج 1 ص 33 ـ 37. (*)
===============
(164)
قال أبو شامة: " ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " (1).
وبهذا الاستعراض قد استبان للقارئ، وظهر له ظهورا تاما أن القراءات ليست متواترة عن النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ ولا عن القراء أنفسهم، من غير فرق بين السبع وغيرها، ولو سلمنا تواترها عن القراء فهي ليست متواترة عن النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ قطعا. فالقراءات إما أن تكون منقولة بالآحاد، وإما أن تكون اجتهادات من القراء أنفسهم، فلا بد لنامن البحث في موردين:
1 ـ حجية القراءات: ذهب جماعة إلى حجية هذه القراءات، فجوزوا أن يستدل بها على الحكم الشرعي، كما استدل على حرمة وطئ الحائض بعد نقائها من الحيض وقبل أن تغتسل، بقراءة الكوفيين ـ غير حفص ـ قوله تعالى: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " بالتشديد.
الجواب: ولكن الحق عدم حجية هذه القراءات، فلا يستدل بها على الحكم الشرعي. والدليل على ذلك أن كل واحد من هؤلاء القراء يحتمل فيه الغلط والاشتباه، ولم يرد دليل من العقل، ولا من الشرع على وجوب اتباع قارئ منهم بالخصوص، وقد استقل العقل، وحكم الشرع بالمنع عن اتباع غير العلم. وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتقان النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 138. (*)
===============
(165)
ولعل أحدا يحاول أن يقول: إن القراءات ـ وإن لم تكن متواترة ـ إلا أنها منقولة عن النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ فتشملها الادلة القطعية التي أثبتت حجية الخبر الواحد، وإذا شملتها هذه الادلة القطعية خرج الاستناد اليها عن العمل بالظن بالورود، أوالحكومة، أو التخصيص (1).
الجواب:
أولا: ان القراءات لم يتضح كونها رواية، لتشملها هذه الادلة، فلعلها اجتهادات من القراء، ويؤيد هذا الاحتمال ما تقدم من تصريح بعض الاعلام بذلك، بل إذا لاحظنا السبب الذي من أجله اختلف القراء في قراءاتهم ـ وهو خلو المصاحف المرسلة إلى الجهات من النقط والشكل ـ يقوى هذا الاحتمال جدا. قال ابن أبي هاشم: " إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها. ان الجهات التي وجهت اليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل. قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط... فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الامصار " (2).
وقال الزرقاني: " كان العلماء في الصدر الاول يرون كراهة نقط المصحف وشكله، مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفا من أن يؤدي ذلك
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد أوضحنا الفرق بين هذه المعاني في مبحث " التعادل والترجيح " في محاضراتنا الاصولية المنتشرة.
(2) التبيان ص 86. (*)
===============
(166)
إلى التغيير فيه... ولكن الزمان تغير ـ كما علمت ـ فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب، أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه " (1).
ثانيا: ان رواة كل قراءة من هذه القراءات، لم تثبت وثاقتهم أجمع، فلا تشمل أدلة حجية خبر الثقة روايتهم. ويظهر ذلك مما قدمناه في ترجمة أحوال القراء ورواتهم.
ثالثا: إنا لو سلمنا أن القراءات كلها تستند إلى الرواية، وأن جميع رواتها ثقات، إلا أنا نعلم علما إجماليا أن بعض هذه القراءات لم تصدر عن النبي قطعا، ومن الواضح أن مثل هذا العلم يوجب التعارض بين تلك الروايات وتكون كل واحدة منها مكذبة للاخرى، فتسقط جميعها عن الحجية، فإن تخصيص بعضها بالاعتبار ترجيح بلا مرجح، فلا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة، وبدونه لا يجوز الاحتجاج على الحكم الشرعي بواحدة من تلك القراءات. وهذه النتيجة حاصلة أيضا إذا قلنا بتواتر القراءات. فإن تواتر القراءتين المختلفتين عن النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ يورث القطع بأن كلا من القراءتين قرآن منزل من الله، فلا يكون بينهما تعارض بحسب السند، بل يكون التعارض بينهما بحسب الدلالة.
فإذا علمنا إجمالا أن أحد الظاهرين غير مراد في الواقع فلا بد من القول بتساقطهما، والرجوع إلى الاصل اللفظي أو العملي، لان أدلة الترجيح، أو التخيير تختص بالادلة التي يكون سندها ظنيا، فلا تعم ما يكون صدوره قطعيا. وتفصيل ذلك كله في بحث " التعادل والترجيح " من علم الاصول.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) مناهل العرفان ص 402 الطبعة الثانية. (*)
===============
(167)
2 ـ جواز القراءة بها في الصلاة: ذهب الجمهور من علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكل واحدة من القراءات السبع في الصلاة، بل ادعي على ذلك الاجماع في كلمات غير واحد منهم وجوز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر، وقال بعضهم بجواز القراءة بكل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، ولم يحصرها في عدد معين. والحق: ان الذي تقتضيه القاعدة الاولية، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الاكرم ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ أو من أحد أوصيائه المعصومين (عليهم السلام)، لان الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شئ لم يحرز كونه قرآنا، وقد استقل العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة، وعلى ذلك فلا بد من تكرار الصلاة بعد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة، لاحراز الامتثال القطعي، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة " مالك "، وقراءة " ملك ". أما السورة التامة التي تجب قراءتها بعد الحمد ـ بناء على الاظهر ـ فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة، وإما التكرار على النحو المتقدم. وأما بالنظر إلى ما ثبت قطعيا من تقرير المعصومين (عليهم السلام) شيعتهم على القراءة، بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية كل واحدة منها. فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها، ولو ثبت الردع لوصل الينا بالتواتر، ولا أقل من نقله بالآحاد، بل ورد عنهم (عليهم السلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم: " إقرأ كما يقرأ الناس. إقرؤا كما علمتم " (1).
وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: باب النوادر كتاب فضل القرآن. (*)
===============
(168)
الجواز بالقراءات السبع أو العشر، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة، ولا موضوعة، أما الشاذة فمثالها قراءة " ملك يوم الدين " بصيغة الماضي ونصب يوم، وأما الموضوعة فمثالها قراءة " إنما يخشى الله من عباده العلماء " برفع كلمة الله ونصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة. وصفوة القول: أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت (عليهم السلام).
===============
هل نزل القرآن على سبعة أحرف؟!!
===============
(170)
عرض الروايات حول نزول القرآن على سبعة أحرف. تفنيد تلك الروايات. عدم رجوع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول. الوجوه العشرة التي ذكروها تفسيرا للاحرف السبعة. بيان فساد تلك الوجوه.
===============
(171)
لقد ورد في روايات أهل السنة: أن القرآن انزل على سبعة أحرف، فيحسن بناأن نتعرض إلى التحقيق في ذلك بعد ذكر هذه الروايات:
1 ـ أخرج الطبري عن يونس وأبي كريب، بإسنادهما عن ابن شهاب، بإسناده عن ابن عباس، حدثه أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال: " أقر أني جبرئيل على حرف فراجعته، فلم أزل استزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف ". ورواها مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس (1) ورواها البخاري بسند آخر (2) وروى مضمونها عن ابن البرقي، بإسناده عن ابن عباس.
2 ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده عن أبي بن كعب قال: " كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم باب ان القرآن انزل على سبعة أحرف ج 2 ص 202 طبعة محمد علي صبيح بمصر.
(2) صحيح البخاري باب انزل القرآن على سبعة أحرف ج 6 ص 100 طبعة دار الخلافة. المطبعة العامرة. (*)
===============
(172)
غير قراءة صاحبه، فدخلنا جميعا على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال: فقلت يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقرءا، فحسن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) شأنهما، فوقع في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ما غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا كأنما أنظر إلى الله فرقا. فقال لي: يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هون على امتي، فرد علي في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف (1) فرددت عليه أن هون على امتي، فرد علي في الثالثة ان اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لامتي. اللهم اغفر لامتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم (عليه السلام) ". وهذه الرواية رواها مسلم أيضا بأدنى اختلاف (2).
وأخرجها الطبري عن أبي كريب بطرق أخرق باختلاف يسير أيضا. وروى ما يقرب من مضمونها عن طريق يونس بن عبد الاعلى وعن طريق محمد بن عبد الاعلى الصنعاني عن أبي.
3 ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن سليمان بن صرد عن أبي ابن كعب قال:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا في النسخة، وفي صحيح مسلم: على حرفين.
(2) صحيح مسلم ج 2 ص 203. (*)
===============
(173)
" رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ. فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فانطلقت به إلى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقلت: استقرئ هذا، فقرأ. فقال: أحسنت. قال: فقلت إنك أقرأتني كذا وكذا فقال: وأنت قد أحسنت. قال: فقلت قد أحسنت قد أحسنت. قال: فضرت بيده على صدري، ثم قال: اللهم أذهب عن ابي الشك. قال: ففضت عرقا وامتلا جوفي فرقا، ثم قال (صلى الله عليه واله وسلم): إن الملكين أتياني. فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده قال: فقلت زدني. قال: اقرأه على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف. فقال: اقرأ على سبعة أحرف ".
4 ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: " قال رسول الله ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ: قال جبرئيل: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ـ والشك من أبي كريب ـ فقال: كلها شاف كاف. ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب كقولك: هلم وتعال ".
5 ـ وأخرج عن أحمد بن منصور، بإسناده عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال: " قرأ رجل عند عمر بن الخطاب فغير عليه فقال: لقد قرأت على رسول الله ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ فلم يغير
===============
(174)
علي قال: فاختصما عند النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ فقال: يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى. فوقع في صدر عمر شئ فعرف النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ ذلك في وجهه. قال: فضرب صدره. وقال: أبعد شيطانا، قالها ثلاثا ثم قال: يا عمر إن القرآن كله سواء، ما لم تجعل رحمة عذابا وعذابا رحمة ". وأخرج عن يونس بن عبد الاعلى، بإسناده عن عمر بن الخطاب قضية مع هشام بن حكيم تشبه هذه القصة. وروى البخاري ومسلم والترمذي قصة عمر مع هشام بإسناد غير ذلك، واختلاف في ألفاظ الحديث (1).
6 ـ وأخرج عن محمد بن المثنى، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ كان عند أضاءة بني غفار قال: " فأتاه جبرئيل. فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقال: اسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك. قال: ثم أتاه الثانية. فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن امتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة. فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن امتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة. فقال: إن الله يأمرك أن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم ج 2 ص 202، وصحيح البخاري ج 3 ص 90، وج 6 ص 100، 111، وج 8 ص 53، 215، وصحيح الترمذي بشرح ابن العربي باب ما جاء انزل القرآن على سبعة أحرف ج 11 ص 60. (*)
===============
(175)
تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا ". ورواها مسلم أيضا في صحيحه (1). وأخرج الطبري أيضا نحوها عن أبي كريب، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب. وأخرج أيضا بعضها عن أحمدبن محمد الطوسي، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب باختلاف يسير. وأخرجها أيضاعن محمدبن المثنى، بإسناده عن أبي بن كعب.
7 ـ وأخرج عن أبي كريب باسناده عن زر عن أبي قال: " لقي رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) جبرئيل عند أحجار المراء. فقال: إني بعثت إلى أمة أميين منهم الغلام والخادم، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز. فقال جبرئيل: فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف " (2).
8 ـ وأخرج عن عمروبن عثمان العثماني، بإسناده عن المقبري عن أبي هريرة أنه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): إن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة ".
ناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم ج 2 ص 203.
(2) ورواها الترمذي أيضا بأدنى اختلاف ج 11 ص 62. (*)
===============
(176)
قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): " انزل القرآن على سبعة أحرف. عليم. حكيم. غفور. رحيم ". وأخرج عن أبي كريب، باسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله. 10 ـ وأخرج ع