أوهام حول إعجاز القرآن
===============
(80)
القرآن والقواعد. كيف يثبت الاعجاز لجميع البشر. قول النظام بالصرفة. مخالفة قصص القرآن لكتب العهدين. وجود التناقض في الانجيل. إبطال الجبر والتفويض. إثبات الامر بين الامرين في القرآن. القرآن كان مجموعا على عهد النبي. أسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة. سخافات وخرافات في معارضة سورتين من القرآن.
===============
(81)
لقد تحدى القرآن جميع البشر، وطالبهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطع أحد أن يقوم بمعارضته، ولما كبر على المعاندين أن يستظهر القرآن على خصومه، راموا أن يحطوا من كرامته بأوهام نسجتها الاخيلة حول عظمة القرآن، تأييدا لمذاهبهم الفاسدة. ومن الحسن أن نتعرض لهذه الاوهام التي أتعبوا بها أنفسهم ليتبين مبلغهم من العلم، وأن الاهواء كيف تذهب بهم يمينا وشمالا فترديهم في مهوى سحيق. قالوا:
1 ـ إن في القرآن امورا تنافى البلاغة لانها تخالف القواعد العربية، ومثل هذا لا يكون معجزا. وهذا القول باطل من وجهين: الاول: إن القرآن نزل بين بلغاء العرب وفصحائها، وقد تحداهم إلى معارضته، ولو بالاتيان بسورة واحدة، وذكر أن الخلق لا يقدرون على ذلك، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، فلو كان في القرآن ما يخالف كلام العرب فإن هؤلاء البلغاء العارفين بأساليب اللغة ومزاياها لاخذوه حجة عليه، ولعابوه بذلك، واستراحوا به عن معارضته باللسان أو السنان، ولو وقع شئ من ذلك لاحتفظ به التاريخ، ولتواتر نقله بين أعداء الاسلام، كيف ولم ينقل ذلك ولا بخبر واحد؟.
(البيان ـ 6)
===============
(82)
الثاني: أن القرآن نزل في زمان لم يكن فيه للقواعد العربية عين ولا أثر، وإنما اخذت هذه القواعد ـ بعد ذلك ـ من استقراء كلمات العرب البلغاء، وتتبع تراكيبها. والقرآن لو لم يكن وحيا إلهيا ـ كما يزعم الخصم ـ فلا ريب في أنه كلام عربي بليغ، فيكون أحد المصادر للقواعد العربية، ولا يكون القرآن أقل مرتبة من كلام البلغاء الاخرين المعاصرين لنبي الاسلام. ومعنى هذا: أن القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضا على تلك القاعدة، لا نقدا على ما استعمله القرآن. على أن هذا لوتم فإنما يتم فيما إذا اتفقت عليه القراءات، فإنا سنثبت ـ فيما يأتي ـ أن هذه القراءات المعروفة إنما هي اجتهادات من القراء أنفسهم، وليست متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) فلو ورد اعتراض على إحدى القراءات كان ذلك دليلا على بطلان تلك القراءة نفسها، دون أن يمس بعظمة القرآن وكرامته. وقالوا:
2 ـ إن الكلام البليغ ـ وإن عجز البشر عن الاتيان بمثله ـ لا يكون معجزا، فإن معرفة بلاغته تختص ببعض البشر دون بعض، والمعجز لا بد وأن يعرف إعجازه جميع أفراد البشر، لان كل فرد منهم مكلف بتصديق نبوة صاحب ذلك المعجز.
الجواب: وهذه شبهة تشبه ما تقدمها في ضعف الحجة، وتفكك القياس. فإن المعجز لا يشترط فيه أن يدرك إعجازه كل البشر، ولو اشترطنا ذلك لم يسلم لنا معجز أصلا، فإن إدراكه يختص بجماعة خاصة، ويثبت لغيرهم بالنقل المتواتر. وقد ذكرنا امتياز القرآن عن غيره من المعجزات، بأن التواتر قد ينقطع في مرور الزمان. وأما القرآن فهو معجزة باقية أبدية ببقاء الامة العربية، بل ببقاء من يعرف خصائص اللغة العربية، وإن لم يكن عربيا. وقالوا:
3 ـ إن العارف باللغة العربية قادر على أن يأتي بمثل كلمة من كلمات القرآن.
===============
(83)
وإذا أمكنه ذلك أمكنه أن يأتي بمثل القرآن، لان حكم الامثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
الجواب: إن هذه الشبهة لا تليق بالذكر، فإن القدرة على الاتيان بمثل كلمة من كلمات القرآن، بل على الاتيان بمثل جملة من جمله لا تقتضي القدرة على الاتيان بمثل القرآن، أو بمثل سورة من سوره، فإن القدرة على المادة لا تستلزم القدرة على التركيب. ولهذا لا يصح لنا أن نقول: إن كل فرد من أفراد البشر قادر على بناء القصور الفخمة، والصروح الضخمة، لانه قادر على وضع آجرة في البناء، أو نقول: إن كل عربي قادر على إنشاء الخطب والقصائد، لانه قادر على أن يتكلم بكل كلمة من كلماتها ومفرادتها. وكأن هذه الشبهة هي التي دعت " النظام " وأصحابه إلى القول بأن إعجاز القرآن بالصرفة. وهذا القول في غاية الضعف:
أولا: لان الصرفة التي يقولون بها، إن كان معناها أن الله قادر على أن يقدر بشرا على أن يأتي بمثل القرآن، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر، ولم يؤتها لاحد منهم فهو معنى صحيح، ولكنه لا يختص بالقرآن، بل هو جار في جميع المعجزات. وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن، ولكن الله صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان، لان كثيرا من الناس تصدوا لمعارضة القرآن، فلم يستطيعوا ذلك، واعترفوا بالعجز.
ثانيا: لانه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر، ويطالبهم بالاتيان بمثل القرآن، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر، لتكثر الدواعي إلى نقله، وإذ لم يوجد ولم ينقل كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازا إلهيا، خارجا عن طاقة البشر. وقالوا:
===============
(84)
4 ـ إن القرآن، وإن سلم إعجازه، إلا أنه لا يكشف عن صدق نبوة من جاء به، لان قصص القرآن تخالف قصص كتب العهدين التي ثبت كونها وحيا إلهيا بالتواتر.
الجواب: إن القرآن بمخالفته لكتب العهدين في قصصها الخرافية قد أزال ريب المرتاب في كونه وحيا إلهيا، لخلوه عن الخرافات والاوهام، وعما لا يجوز في حكم العقل نسبته إلى الله تعالى، وإلى أنبيائه، فمخالفة القرآن لكتب العهدين بنفسها دليل على أنه وحي إلهي. وقد أشرنا فيما تقدم إلى ذلك، وإلى جملة من الخرافات الموجودة في كتب العهدين. وقالوا:
5 ـ إن القرآن مشتمل على المناقضة فلا يكون وحيا إلهيا، وقد زعموا أن المناقضة وقعت في موردين: الاول: في قوله تعالى: " قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا 3: 41 ". فإنه يناقض قوله تعالى: " قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا 19: 10 ".
الجواب: إن لفظ اليوم قد يطلق ويراد منه بياض النهار فقط كما في قوله تعالى:
===============
(85)
" سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما 69: 7 ". وقد يطلق ويراد منه بياض النهار مع ليله كما في قوله تعالى: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام 11: 65 ". كما أن لفظ الليل قد يطلق ويراد به مدة مغيب الشمس واستتارها تحت الافق، وعليه جاء قوله تعالى: " والليل إذا يغشى 92: 1. سبع ليال وثمانية أيام حسوما 69: 7 ". وقد يطلق ويراد منه سواد الليل مع نهاره، وعليه جاء قوله تعالى: " وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة 2: 51 ".
واستعمال لفظي الليل والنهار في هذين المعنيين كثير جدا، وقد استعملا في الايتين الكريمتين على المعنى الثاني " مجموع بياض النهار وسواد النهار " فلا مناقضة. وتوهم المناقضة يبتني على أن لفظي الليل والنهار قد استعملا على المعنى الاول. وما ذكرناه بين لا خفاء فيه، ولكن المتوهم كابر الحقيقة ليحط من كرامة القرآن بزعمه هذا. وقد غفل أو تغافل عما في إنجيله من التناقض الصريح عند إطلاقه لهاتين الكلمتين!!!. فقد ذكر في الباب الثاني عشر من إنجيل متى: إخبار المسيح أنه يبقى
===============
(86)
مدفونا في بطن الارض ثلاثة أيام أو ثلاث ليال. مع أن إنجيل متى بنفسه والاناجيل الثلاثة الاخر قد اتفقت على أن المسيح لم يبق في بطن الارض إلا يسيرا من آخر يوم الجمعة، وليلة السبت ونهاره، وليلة الاحد إلى ما قبل الفجر. فانظر أخريات الاناجيل، ثم قل لكاتب إنجيل متى، ولكل من يعتقد أنه وحي إلهي: أين تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال. ومن الغريب جدا أن يؤمن علماء الغرب ومفكروه بكتب العهدين، وهي مليئة بالخرافات والمناقضات، وألا يؤمنوا بالقرآن، وهو الكتاب المتكفل بهداية البشر، وبسوقهم إلى سعادتهم في الدنيا والاخرة، ولكن التعصب داء عضال، وطلال الحق قليلون كما أشرنا اليه فيما تقدم. الثاني: إن القرآن قد يسند الفعل إلى العبد واختياره. فيقول: " فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر 18: 29 ". والايات بهذا المعنى كثيرة، فيدل على أن العبد مختار في عمله. وقد يسند الاختيار في الافعال إلى الله تعالى. فيقول: " وما تشآؤن إلا أن يشآء الله 76: 30 ".
فزعموا أنه يدل على أن العبد مجبور في فعله. وقالوا: هذا تناقض واضح، والتأويل في الايات خلاف الظاهر، وقول بغير دليل.
الجواب: إن كل أنسان يدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الافعال، فيمكنه أن يفعلها وأن يتركها، وهذا الحكم فطري لا يشك فيه أحد إلا أن تعتريه شبهة من خارج. وقد أطبق العقلاء كافة على ذم فاعل القبيح، ومدح فاعل الحسن، وهذا برهان
===============
(87)
على أن الانسان مختار في فعله، غير مجبور عليه عند إصداره. وكل عاقل يرى أن حركته على الارض عند مشيه عليها تغاير حركته عند سقوطه من شاهق إلى الارض، فيرى أنه مختار في الحركة الاولى، وأنه مجبور على الحركة الثانية. وكل إنسان عاقل يدرك بفطرته أنه وإن كان مختارا في بعض الافعال حين يصدرها وحين يتركها إلا أن أكثر مبادئ ذلك الفعل خارجة عن دائرة اختياره، فإن من جملة مبادئ صدور الفعل نفس وجود الانسان وحياته، وإدراكه للفعل، وشوقه اليه، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه، وقدرته على إيجاده، ومن البين أن هذا النوع من المبادئ خارج عن دائرة اختيار الانسان، وأن موجد هذه الاشياء في الانسان هو موجد الانسان نفسه. وقد ثبت في محله أن خالق هذه الاشياء في الانسان لم ينعزل عن خلقه بعد الايجاد، وأن بقاء الاشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل آن، وليس مثل خالق الاشياء معها كالبناء يقيم الجدار بصنعه، ثم يستغني الجدار عن بانيه، ويستمر وجوده وإن فني صانعه، أو كمثل الكاتب يحتاج اليه الكتاب في حدوثه، ثم يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره. بل مثل خالق الاشياء معها " ولله المثل الاعلى " كتأثير القوة الكهربائية في الضوء. فإن الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها، ولا يزال يفتقر في بقاء وجوده إلى مدد هذه القوة في كل حين، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في حين، انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن. وهكذا تستمد الاشياء وجميع الكائنات وجودها من مبدعها الاول في كل وقت من أوقات حدوثها وبقائها، وهي مفتقرة إلى مدده في كل حين، ومتصلة برحمته الواسعة التي وسعت كل شئ. وعلى ذلك ففعل العبد وسط بين الجبر والتفويض، وله حظ من كل منهما. فإن إعمال قدرته في الفعل أو الترك وإن كان باختياره. إلا أن هذه القدرة وسائر المبادئ حين الفعل تفاض من الله، فالفعل مستند إلى العبد من جهة والى الله من جهة اخرى والايات
===============
(88)
القرآنية المباركة ناظرة إلى هذا المعنى، وأن اختيار العبد في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة الله وسلطانه. ولنذكر مثلا تقريبيا يتضح به للقارئ حقيقة الامر بين الامرين الذي قالت به الشيعة الامامية، وصرحت به أئمتها، وأشار اليه الكتاب العزيز.
لنفرض إنسانا كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية وقتية بواسطة قوة الكهرباء، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه تحريكها أصلا، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلا، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده، ومباشرة الاعمال بها ـ والطبيب يمده بالقوة في كل آن ـ فلا شبهة في أن تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الامر بين الامرين، فلا يستند إلى الرجل مستقلا، لانه موقوف على إيصال القوة إلى يده، وقد فرضنا أنها بفعل الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلا، لان التحريك قد أصدره الرجل بإرادته، فالفاعل لم يجبر على فعله لانه مريد، ولم يفوض اليه الفعل بجميع مبادئه، لان المدد من غيره، والافعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلها من هذا النوع. فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئا إلا بمشيئة الله.
والايات القرآنية كلها تشير إلى هذا الغرض، فهي تبطل الجبر ـ الذي يقول به أكثر العامة ـ لانها تثبت الاختيار، وتبطل التفويض المحض ـ الذي يقول به بعضهم ـ لانها تسند الفعل إلى الله. وسنتعرض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلا، ولابطال هذين القولين حين تتعرض الايات لذلك. وهذا الذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت (عليهم السلام) وعلومهم وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. واليك بعض ما ورد منهم: سأل رجل الصادق (عليه السلام) فقال:
===============
(89)
" قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: لا. قلت: ففوض اليهم الامر؟ قال: قال: لا. قال: قلت: فماذا؟ قال: لطف من ربك بين ذلك " (1).
وفي رواية اخرى عنه: " لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما " (2).
وفي كتب الحديث للامامية جملة من هذه الروايات. وقالوا:
6 ـ لو كان الاتيان بكتاب ما معجزا " لعجز البشر عن الاتيان بمثله " لكان كتاب اقليدس وكتاب المجسطي معجزا، وهذا باطل فيكون المقدم باطلا أيضا.
الجواب:أولاً: إن الكتابين المذكورين لا يعجز البشر عن الاتيان بمثلهما، ولا يصح فيهما هذا التوهم، كيف وكتب المتأخرين التي وضعت في هذين العلمين أرقى بيانا منهما، وأيسر تحصيلا، وهذه الكتب المتأخرة تفضل عليهما في نواح اخرى، منها وجود اضافات كثيرة لا أثر لها فيهما.
ثانيا: إنا قد ذكرنا للمعجز شروطا، ومن هذه الشروط أن يكون الاتيان به في مقام التحدي. والاستشهاد به على صدق دعوى منصب إلهي. ومنها أن يكون خارجا عن نواميس الطبيعة، وكلا هذين الشرطين مفقود في الكتابين المذكورين. وقد أوضحنا ذلك أتم إيضاح في أول بحثنا عن الاعجاز. وقالوا:
7 ـ إن العرب لم تعارض القرآن، لا لكونه معجزا يعجز البشر عن الاتيان
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: كتاب التوحيد. باب الجبر والقدر والامر بين الامرين.
(2) نفس المصدر. (*)
===============
(90)
بمثله، ولكنهم لم يعارضوه لجهات اخرى لا تعود إلى الاعجاز. أما العرب الذين عاصروا الدعوة، أو تأخروا عنها قليلا، فقد كانت سيطرة المسلمين تمنعهم عن التصدي لذلك، فلم يعارضوا القرآن خوفا على أنفسهم وأموالهم من هؤلاء المسيطرين، ولما انقرضت سلطة الخلفاء الاربعة وآل الامر إلى الامويين الذين لم تقم خلافتهم على محور الدعوة الاسلامية، صار القرآن مأنوسا لجميع الاذهان بسبب رشاقة ألفاظه، ومتانة معانيه، وأصبح من المرتكزات الموروثة خلفا عن سلف، فانصرفوا عن معارضته لذلك.
الجواب: أولا: إن التحدي بالقرآن، وطلب المعارضة بسورة من مثله، قد كان من النبي (صلى الله عليه وآله) في مكة قبل أن تظهر شوكة الاسلام، وتقوى سلطة المسلمين، ومع ذلك لم يستطع أحد من بلغاء العرب أن يقوم بهذه المعارضة.
ثانيا: إن الخوف في زمان الخلفاء، وسيطرة المسلمين، لم يمنع الكافر من أن يظهره كفره، وإنكاره لدين الاسلام. وقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها بأهنأ عيش وأكرم نعمة، وكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ولا سيما في عصر خلافة أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ الذي اعترف بعدله ووفور علمه المسلمون وغيرهم. فلو كان أحد هؤلاء الكتابيين، أو غيرهم قادرا على الاتيان بمثل القرآن، لاظهره في مقام الاحتجاج.
ثالثا: إن الخوف لو سلم وجوده فهو إنما يمنع عن إظهار المعارضة والمجاهرة بها، فما الذي منع الكتابيين، أو غيرهم من معارضته سرا في بيوتهم ومجامعهم؟ ولو ثبتت هذه المعارضة لتحفظ بها الكتابيون ليظهروها بعد زوال الخوف عنهم، كما تحفظوا على قصص العهدين الخرافية، وسائر ما يرتبط بدينهم.
رابعا: إن الكلام ـ وإن ارتفع مقامه من حيث البلاغة ـ إلا أن المعهود
===============
(91)
من الطباع البشرية أنه إذا كرر على الاسماع هبط عن مقامه الاول، ولذلك نرى أن القصيدة البليغة إذا أعيدت على الانسان مرارا ملها، واشمأزت نفسه منها، فإذا سمع قصيدة اخرى فق يتراءى له في أول نظرة أنها أبلغ من القصيدة الاولى، فإذا كررت الثانية أيضا ظهر الفرق الحقيقي بين القصيدتين. وهذا جار في جميع ما يلتذ به الانسان، ويدرك حسنه من مأكول، وملبوس ومسموع وغيرها.
والقران لو لم يكن معجزا لكان اللازم أن يجري على هذا المقياس، وينحط في نفوس السامعين عن مقامه الاول، مهما طال به الزمان وطرأ عليه التكرار، وبذلك تسهل معارضته، ولكنا نرى القرآن على كثرة تكراره وترديده، لا يزداد إلا حسنا وبهجة، ولا يثمر إلا عرفانا ويقينا، ولا ينتج إلا إيمانا وتصديقا، فهو في هذه المزية على عكس الكلام مألوف. وإذن فهذا الوجه يؤكد إعجازه لا أنه ينافيه كما يتوهمه هذا الخصم.
خامسا: إن التكرار لو فرض أنه يوجب انس النفوس به، وانصرافها عن معارضته، فهو إنما يتم عند المسلمين الذين يصدقون به، ويستمعون اليه برغبة واشتياق كلما تكررت تلاوته، فلما ذا لا يعارضه غيره المسلمين من العرب الفصحاء؟ لتقع هذه المعارضة موقع القبول ولو من غير المسلمين. وقالوا:
8 ـ ذكر التاريخ أن أبا بكر لما أراد جمع القرآن، أمر عمر وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد، وأن يكتبا ما شهد شاهدان على أنه من كتاب الله، وفي هذا شهادة على أن القرآن ليس خارقا للعادة، لانه لو كان خارقا للعادة بنفسه لم يحتج إلى الشهادة عليه، ولكان بنفسه شاهدا على نفسه.
الجواب: أولا: إن القرآن معجزة في بلاغته واسلوبه، لا في كل كلمة من كلماته، وإذن فقد يقع الشك في تحريف بعض الكلمات المفردة، أو في زيادتها ونقصانها.
===============
(92)
وشهادة الشاهدين ـ إذا صحت أخبارها ـ إنما هي لرفع هذه الاحتمالات التي تعرض من سهو القارئ أو من عمده، على أن عجز البشر عن الاتيان بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الاتيان بآية، أو ما يشبه الاية، فإن ذلك أمر ممكن، ولم يدع المسلمون استحالة ذلك، ولم يذكره القرآن عند التحدي بالمعارضة.
ثانيا: إن هذه الاخبار التي دلت على جمع القرآن في عهد أبى بكر بشهادة شاهدين من الصحابة، كلها أخبار آحاد: لا تصلح أن تكون دليلا في أمثال ذلك.
ثالثا: إنها معارضة بأخبار كثيرة دلت على أن القرآن قد جمع في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وكان كثير من الصحابة يحفظ جميع القرآن. وأما الحافظون منهم لبعض سوره وأجزائه فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى. على أن النظرة العقلية البسيطة تشهد بكذب تلك الاخبار التي استدل بها الخصم. فإن القرآن هو السبب الاعظم في هداية المسلمين، وفي خروجهم من ظلمات الشقاء والجهل إلى نور السعادة والعلم، وقد بلغ المسلمون في العناية بالقرآن الدرجة القصوى، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار، وكانوا يتفاخرون في حفظه واتقانه ويتبركون بسوره وآياته، والنبي يحثهم على ذلك. فهل يحتمل عاقل بعد هذا كله أن يقع الشك فيه عندهم حتى يحتاج إثباته إلى شاهدين؟. وسنثبت ـ إن شاء الله تعالى ـ فيما يأتي ان القرآن كان مجموعا في عهد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وقالوا:
9 ـ إن للقرآن اسلوبا يباين أساليب البلغاء المعروفة، فقد خلط بين المواضيع المتعددة، فبينا هو يتكلم في التاريخ إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد، إلى الحكم والامثال، إلى جهات اخرى. ولو كان القرآن مبوبا يجمع في كل موضوع ما يتصل به من الايات، لكانت فائدته أعظم، وكانت الاستفادة منه أسهل.
===============
(93)
الجواب: إن القرآن أنزل لهداية البشر، وسوقهم إلى سعادتهم في الاولى والاخرى، وليس هو بكتاب تاريخ، أو فقه، أو أخلاق. أو ما يشبه ذلك ليعقد لكل من هذه الجهات بابا مستقلا. ولا ريب في أن اسلوبه هذا أقرب الاساليب إلى حصول النتيجة المقصودة، فإن القارئ لبعض سور القرآن يمكنه أن يحيط بكثير من أغراضه، وأهدافه في أقرب وقت وأقل كلفة، فيتوجه نظره إلى المبدأ والمعاد، ويطلع على أحوال الماضين فيعتبر بهم. ويستفيد من الاخلاق الفاضلة، والمعارف العالية، ويتعلم جانبا من أحكامه في عباداته ومعاملاته. كل ذلك مع حفظ نظام الكلام، وتوفية حقوق البيان، ورعاية مقتضى الحال. وهذه الفوائد لا يمكن حصولها من القرآن إذا كان مبوبا، لان القارئ لا يحيط بأغراض القرآن إلا حين يتم تلاوة القرآن جميعه، وقد يعوقه عائق عن الاتمام فلا يستفيد إلا من باب أو بابين. ولعمري أن هذه إحدى الجهات المحسنة لاسلوب القرآن، الذي حاز به الجمال والبهاء، فإنه مع انتقاله من موضوع إلى موضوع يتحفظ على كمال الربط بينهما، كأن كل جملة منه درة في عقد منتظم، ولكن بغض الاسلام أعمى بصر هذا المستشكل وأصم سمعه، حتى توهم الجمال قبحا، والمحاسن مساوئ. على أن القرآن قد كرر بعض القصص مرارا بعبارات مختلفة، حسب المناسبات المقتضية للتكرار، فلو جمعت تلك العبارات كلها في باب واحد لا نتفت تلك الفائدة الملحوظة، وكان التكرار لغير فائدة ملموسة للقارئ. سخافات وخرافات: ذكر كاتب رسالة " حسن الايجاز " (1) في رسالته هذه أنه يمكن معارضة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) كتيب صدر من المطبعة الانكليزية الامريكانية ببولاق مصر سنة 1912. (*)
===============
(94)
القرآن بمثله، وذكر جملا اقتبسها من نفس القرآن، وحور بعض ألفاظها وزعم أنه يعارض بها القرآن، فأظهر مبلغه من العلم، ومقدار معرفته بفنون البلاغة وهنا نذكر للقارئ تلك العبارات، ونوضح له وجوه الفساد في المعارضة الوهمية وقد تعرضنا لها في كتابنا " نفحات الاعجاز " (1).
ذكر هذا المتوهم في معارضة سورة الفاتحة قوله: " الحمد الرحمن رب الاكوان، الملك الديان، لك العبادة، وبك المستعان، إهدنا صراط الايمان " وتخيل أن قوله هذا واف بجميع معاني سورة الفاتحة، مع أنه أخصر منها. ولست أدري ماذا أقول لكاتب هذه الجمل، وهو بهذا المقدار من التمييز بين غث الكلام وسمينه؟! وليته عرض قوله هذا على علماء النصارى العارفين منهم بأساليب الكلام، وفنون البلاغة قل أن يفضح نفسه بهذه الدعوى، أو لم يشعر بأن المألوف في معارضة كلام بمثله، أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلام يتحد مع الكلام المعارض في جهة من الجهات، أو غرض من الاغراض، ولكنه يأتي بكلام مستقل في ألفاظه وتركيبه واسلوبه؟ وليس معنى المعارضة أن يقلد الكلام المعارض في تركيبه واسلوبه، ويتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض، وإلا لامكنت معارضة كل كلام بهذا النحو من المعارضة. وقد كان أيسر شئ لمعاصري النبي (صلى الله عليه واله وسلم) من العرب، ولكنهم لمعرفتهم بمعنى المعارضة الصحيحة ومعرفتهم بوجوه البلاغة في القرآن لم تمكنهم العارضة، واعترفوا بالعجز فآمن به من آمن منهم وجحد به من جحد: " فقال إن هذا إلا سحر يؤثر 74: 24 ". على أنه كيف تصح المقايسة بين جمله هذه التي أتعب بها نفسه، وبين فاتحة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) كتبناه ردا على " حسن الايجاز " طبع في المطبعة العلوية في النجف الاشرف سنة 1342. (*)
===============
(95)
الكتاب حتى يتوهم أنها وافية بمعناها؟ أو لم يكف هذا الكاتب جهله بفنون البلاغة حتى دل الناس على عيوبه بالجهر بها؟!!. وكيف تصح المقايسة بين قوله " الحمد للرحمن " مع قول الله تعالى: " الحمد لله 1: 2 ". وقد فوت بجملته هذه المعنى المقصود من قول الله تعالى. فإن كلمة " الله " علم للذات المقدسة الجامعة لجميع صفات الكمال، ومن صفات الكمال الرحمة التي أشار اليها في البسملة، فذكر كلمة " الرحمن " يوجب فوت الدلالة على بقية جهات الكمال المجتمعة في الذات المقدسة، والتي يستوجب بها الحمد من غير ناحية الرحمة. وكذلك استبدال قوله: " رب الاكوان " بقوله تعالى: " رب العالمين الرحمن الرحيم 1: 3 ". فإن فيه تفويتا لمعنى هاتين الايتين، فإن فيهما دلالة على تعدد العوالم الطولية والعرضية، وأنه تعالى مالك لجميعها ومربيها، وأن رحمته تشمل جميع هذه العوالم على نحو مستمر غير منقطع، كما يدل عليه ذكر لفظ " الرحيم " بعد لفظ " الرحمن ". وسنوضح ذلك في تفسير البسملة. وأين من هذه المعاني قول هذا القائل: " رب الاكوان؟ " فإن الكون معناه الحدوث والوقوع والصيرورة والكفالة (1) وهو بجميع هذه المعاني معنى مصدري لا يصح إضافة كلمة الرب اليه وهي بمعنى المالك المربي. نعم يصح إضافة كلمة الخالق اليه. فيقال: خالق الاكوان. على أن لفظ الاكوان لا يدل على تعدد
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع لسان العرب. (*)
===============
(96)
عوالم الموجودات الذي يدل عليه لفظ العالمين، ولا على سائر الجهات التي تدل عليها الاية الكريمة. وكذلك استبداله جملة " الملك الديان " بقول الله تعالى: " مالك يوم الدين 1: 4 ". مع أن جملته تلك لا تدل على وجود عالم آخر لجزاء الاعمال، وأن الله تعالى هو مالك ذلك اليوم، وليس فيه لاحد تصرف ولا اختيار، وأن الناس كلهم في ذلك اليوم تحت حكم الله تعالى ينفذ فيهم أمره، فبعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار. وغاية ما تدل عليه جملته تلك أن الله ملك يجازي بالاعمال، وأين هذا من معنى الاية الكريمة؟! أما قوله تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين 1: 5 ". فقد فهم هذا الكاتب من معناه أن العبادة لا بد من أن تكون لله، وأن الاستعانة لا تكون إلا به تعالى، فأبدلها بقوله: " لك العبادة، وبك المستعان " وقد فاته أن المقصود بالاية تلقين المؤمن أن يظهر توحيده في العبادة، وحاجته وافتقاره إلى إعانة الله عز وجل في عباداته وسائر أعماله، وأن يعترف بأنه وجميع المؤمنين لا يعبدون غير الله، ولا يستعينون بأحد سوى الله، بل يعبدونه وحده ويستعينون به. وأين هذا من عبارة هذا الكاتب على أنها ليست أخصر من الاية المباركة؟!! وقوله تعالى: " إهدنا الصراط المستقيم 1: 6 ". أراد به طلب الهداية إلى أقرب طريق يوصل سالكه إلى مقاصده، من أعماله وملكاته وعقائده، ولم يحصره بطريق الايمان فقط، وهذا لا يفي به قول
===============
(97)
الكاتب " إهدنا صراط الايمان ". على أن معنى هذه الجملة طلب الهداية إلى طريق الايمان، ولا دلالة فيها على أن ذلك الطريق مستقيم لا يضل سالكه. وقد استغنى الكاتب بجملته هذه عن بقية السورة المباركة، وزعم أن هذه البقية غير محتاج اليها، وهذا يدل على قصوره عن فهم معناها. فإن قوله تعالى: " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 1: 7 ". فيه دلالة على وجود طريق مستقيم سلكه الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ووجود طرق اخرى غير مستقيمة سلكها المغضوب عليهم، من المعاندين للحق، والمنكرين له بعد وضوحه، والضالون الذين ضلوا طريق الهدى بجهلهم، وتقصيرهم في الفحص عنه، وفي اقتناعهم بما ورثوه من آثار آبائهم، فاتبعوهم تقليدا على غير هدى من الله ولا برهان. والقارئ المتدبر لهذه الاية الكريمة يتذكر ذلك فيحضر في ذهنه لزوم التأسي بأولياء الله المقربين في أعمالهم، وأخلاقهم وعقائدهم، والتجنب عن مسالك هؤلاء المتمردين الذين غضب الله عليهم بما فعلوا، والذين ضلوا طريق الحق بعد اتضاحه، وهل يعد هذا المعنى من الامور التي لا يهتم بها كما يتوهمه هذا الكاتب؟!!. وذكر في معارضة سورة الكوثر: قوله: " إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر، ولا تعتمد قول ساحر " انظر كيف يقلد القرآن في نظمه وتركيبه ويغير بعض ألفاظه، ويوهم الناس أنه يعارض القرآن ثم انظر كيف يسرق قوله هذا من مسيلمة الكذاب الذي يقول: " إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك (البيان ـ 7).
===============
(98)
وجاهر، وإن مبغضك رجل كافر ". ومن الغريب أنه توهم أن المشابهة في السجع بين الكلامين تقتضي مشاركتهما في البلاغة، ولم يلتفت إلى أن إعطاء الجواهر لا تترتب عليه إقامة الصلاة والمجاهرة بها. وأن لله على عبده نعما عظيمة هي أشرف وأعظم من نعمة المال، كنعمة الحياة والعقل والايمان، فكيف يكون السبب الموجب للصلاة لله هو إعطاء المال دون تلك النعم العظيمة؟! ولكن الذي يستأجر بالمال للتبشير يكون المال قبلته التي يصلي اليها، وهدفه الذي يسعى إلى تحصيله، وغايته التي يقدمها على كل غاية " وكل إناء بالذي فيه ينضح ". ولسائل أن يسأل هذا الكاتب عن معنى كلمة " الجواهر " التي جاء بها معرفة بالالف واللام، فإن أراد بها جواهر معينة فليست في اللفظ قرينة تعين هذه الجواهر المقصودة، وإن أراد بها جميع الجواهر الموجودة في العالم من حيث أن الجمع المعرف بالالف واللام يدل على الاستغراق فهو كذب صريح. وما هو وجه المناسبة بين الجملتين السابقتين وبين قوله: " ولا تعتمد قول ساحر ". وما هو المراد من لفظ ساحر، ومن قوله الذي لا يعتمد عليه؟ فإن أراد به ساحرا معينا، وقولا مخصوصا من أقواله، كان عليه أن ينصب قرينة على هذا التعيين. وليس في جملته هذا ما يصلح للدلالة عليه، وإن أراد به كل قول لكل ساحر لانهما نكرتان في سياق النهي لزوم اللغو في هذا الكلام، لانه لا يوجد سبب معقول لعدم الاعتماد على قول كل ساحر، ولو كان هذا القول في الامور الاعتيادية مع الاطمئنان بقوله. وإن أراد أن لا يعتمد قول الساحر بما هو ساحر فهو غلط، لان الساحر من حيث هو ساحر لا قول له، وإنما يسحر الناس ويفسد عليهم حالهم بحيله وأعماله. وأما سورة الكوثر فقد نزلت في من شنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إنه أبتر وسيموت وينقطع دينه واسمه، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 52: 30 ".
===============
(99)
فأنزل الله تبارك وتعالى: " إنا أعطيناك الكوثر 108: 1 ". وهو الخير الكثير من جميع الجهات. أما في الدنيا فشرف الرسالة، وهداية الخلق وزعامة المسلمين، وكثرة الانصار، والنصر على الاعداء. وكثرة الذرية ـ من بضعته الصديقة الطاهرة ـ التي توجب بقاء اسمه ما دامت لدنيا باقية. وأما في الاخرة فالشفاعة الكبرى، والجنان العالية، والحوض الذي لا يشرب منه إلا هو وأولياؤه إلى ما سوى ذلك من نعم الله عليه. " فصل لربك وانحر: 2 ". شكرا له على هذه النعم، والمراد بالنحر: النحر بمنى، أو نحر الاضحية في الاضحى، أو رفع اليدين إلى النحر في تكبير الصلاة، أو استقبال القبلة بالنحر، والاعتدال في القيام، وجميع ذلك يناسب المقام لانه نحو من الشكر لتلك النعم. وقد أنزل الله سبحانه: " إن شانئك هو الابتر: 3 ". فلا يبقى له اسم ولا رسم، فكانت العاقبة لهؤلاء الشانئين ما أخبر الله عنهم، فلم يبق لهم اسم ولا ذكر خير في الدنيا زيادة على جزائهم في الاخرة من العذاب الاليم، والخزي الدائم. وهل تقاس هذه السورة المباركة في معانيها السامية، وبلاغتها الكاملة بتلك الجمل الساقطة التي أجهد هذا الكاتب بها نفسه فقلد القرآن في نحوه تركيبه، وأخذ من مسيلمة الكذاب ألفاظها وأسلوبها، وأتى بها كما شاء له العناد، بل كما شاء له الجهل الفاحش ليعارض بها عظمة القرآن في بلاغته وإعجازه؟!
===============
(100)
===============
حول سائر المعجزات
===============
(102)
إثبات المعجزات بالبراهين المنطقية. محاسبة المدارك التي استند اليها منكرو تلك المعجزات. بشارة التوراة والانجيل بنبوة محمد. إسلام كثير من اليهود والنصارى. الدليل القطعي على إثبات هذه البشارة. معجزات النبي أولى بالتصديق من معجزات الانبياء السايقين.
===============
(103)
لا يشك باحث مطلع في أن القرآن أعظم معجزة جاء بها نبي الاسلام، ومعنى هذا أنه أعظم المعجزات التي جاء بها الانبياء والمرسلون جميعا. وقد ذكرنا في المباحث المتقدمة بعضا من نواحي إعجازه، وأوضحنا تفوق كتاب الله على جميع المعجزات، ولكنا نقول ههنا: إن معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن منحصرة بالقرآن الكريم، ولقد شارك جميع الانبياء في معجزاتهم واختص من بينهم بمعجزة الكتاب العزيز. والدليل على قولنا هذا أمران: الاول: أخبار المسلمين المتواترة الدالة على صدور المعجزات منه، وقد ألف المسلمون ـ على اختلاف مللهم ونحلهم في هذه المعجزات ـ مؤلفات كثيرة فليراجعها من يرغب في الاطلاع عليها. ولهذه الاخبار جهتان من الامتياز على أخبار أهل الكتاب بمعجزات أنبيائهم: الجهة الاولى: قرب الزمان، فإن الشئ إذا قرب زمانه كان تحصيلى الجزم بوقوعه أيسر منه إذا بعد زمانه. الجهة الثانية: كثرة الرواة: فإن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين شاهدوا معجزاته أكثر ـ بالوف المرات ـ من بني إسرائيل، ومن المؤمنين بعيسى الناقلين لمعجزاتهما. فإن المؤمنين بعيسى ـ (عليه السلام) ـ في عصره كانوا لقلتهم يعدون بالاصابع، وإن نقل معجزاته لا بد وأن ينتهي إلى هؤلاء المؤمنين القليلين في العدد، فإذا صحت دعوى التواتر في معجزات موسى وعيسى صحت دعوى
===============
(104)
التواتر في معجزات نبي الاسلام بطريق أولى. وقد أوضحنا فيما تقدم أن التواتر في معجزات الانبياء السابقين غير ثابت في الازمنة اللاحقة، ودعواه دعوى باطلة. الثاني: ان نبي الاسلام (صلى الله عليه وآله) قد أثبت للانبياء السابقين معجزات كثيرة، ثم ادعى أنه هو أفضل هؤلاء الانبياء جميعا، وأنه خاتمهم. وهذا يقتضي صدور تلك المعجزات منه على نحو أتم، فإنه لا يعقل أن يدعي أحد أنه أفضل من غيره، وهو يعترف بنقصانه عن ذلك الغير في بعض صفات الكمال. وهل يعقل أن يدعي أحد أنه أعلم الاطباء جميعا، وهو يعترف بأن بعض الاطباء الاخرين قادر على معالجة مرض هو غير قادر عليها؟! إن ضرورة العقل تمنع ذلك. ولهذه الجهة نرى أن جملة من المتنبين الكاذبين قد أنكروا الاعجاز، وجحدوا كل معجزة للانبياء السابقين، وصرفوا اهتمامهم إلى تأويل كل آية دلت على وقوع الاعجاز، حذرا من أن يطالبهم الناس بأمثالها فيستبين عجزهم. وقد كتب بعض الجهلاء، والمموهين على البسطاء أن في آيات القرآن ما يدل على نفي كل معجزة للنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) غير القرآن وأن القرآن هو معجزته الوحيدة ليس غير، وهو حجته على نبوته. ونحن نذكر هذه الايات التي احتجوا بها، ونذكر وجه احتجاجهم، ثم نوضح فساد ذلك. فمن هذه الايات قوله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالايات إلا تخويفا 17: 59 ". ووجه دلالتها ـ على ما يزعمون ـ أنها ظاهرة في النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأت
===============
(105)
بآية غير القرآن. وأن السبب في عدم الارسال بالايات هو أن الاولين من الامم السابقة قد كذبوا بالايات التي أرسلت اليهم.
الجواب: إن المراد بالايات التي نفتها الاية الكريمة، والتي كذب بها الاولون من الامم هي الايات التي اقترحتها الامم على أنبيائها، فالاية الكريمة تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يجب المشركين إلى ما اقترحوه عليه من الايات، ولا تنفي عنه صدور المعجزة مطلقا، ويدل على أن المراد هي الايات الاقتراحية أمور: الاول: ان الايات جمع آية بمعنى العلامة، وهو جمع معرف بالالف واللام. والوجوه المحتملة في معناه ثلاثة: فإما أن يراد منه جنس الاية الذي يصلح للانطباق على كل فرد من الايات، ومعنى هذا أن الاية الكريمة تنفي وقوع كل آية تدل على صدق مدعي النبوة، ولازم هذا أن يكون بعث الرسول لغوا، إذا لا فائدة في إرساله إذا لم تكن معه بينة تقوم على صدقه، وأن يكون تكليف الناس بتصديقه، ولزوم اتباعه تكليفا بما لا يطاق. وأما أن يراد به جميع الايات، وهذا التوهم أيضا فاسد، لان إثبات صدق النبي يتوقف على آية ما من الايات، ولا يتوقف على إرساله بجميع الايات. ولم يقترح المقترحون عليه أن يأتي بجميعها، فلا معنى لحمل الاية عليه. فلا بد وأن يراد بهذه الاية الممنوعة خصوص آيات معهودة من الايات الالهية. الثاني: أن تكذيب المكذبين لو صلح أن يكون مانعا عن الارسال بالايات، لكان مانعا عن الارسال بالقرآن أيضا إذ لا وجه لتخصيص المنع بالايات الاخرى. وقد أوضحنا أن القرآن أعظم المعجزات التي جاء بها الانبياء، وقد تحدى به النبي (صلى الله عليه وآله) جميع الامم لاثبات نبوته ما دامت الليالي والايام. وهذا يدلنا أيضا على أن الايات الممنوعة قسم خاص وليست مطلق الايات.
===============
(106)
الثالث: أن الاية الكريمة صرحت بأن السبب المانع عن الارسال بالايات هو تكذيب الاولين بها، وهذا من قبيل تعليل عدم الشئ بوجود مانعه. ومن البين أن التعليل بوجود المانع لا يحسن في نظر العقل إلا إذا كان السبب المقتضي لوجود ذلك الشئ موجودا. ولذلك يقبح عند العقلاء أن يعلل عدم احتراق الخشبة ـ مثلا ـ بوجود الرطوبة عليها إذا كانت النار غير موجودة، وذلك واضح لا يقبل الشك. وإذن فلا بد وأن يكون المقتضي للارسال بالايات موجودا، ليصح تعليل عدمه بوجود التكذيب. والمقتضي للارسال لا يخلو من أن يكون هي الحكمة الالهية لارشاد العباد وهدايتهم إلى سعادتهم. وأن يكون اقتراح الامة على النبي شيئا من الايات زائدا على المقدار اللازم من الايات لاتمام الحجة. أما إذا كان المقتضي للارسال بالايات هي الحكمة الالهية، فلا بد من إرسال هذه الايات، ويستحيل أن يمنع من تأثير الحكمة الالهية شئ لانه يستحيل على الحكيم أن يختار في عمله ما تنافيه حكمته، سواء في ذلك وجود التكذيب وعدمه، على أن تكذيب الامم السابقة لو صلح أن يكون مانعا عن تأثير الحكمة الالهية في الارسال بالايات، لصلح أن يكون مانعا عن إرسال الرسول. وهذا باطل بالضرورة. وخلاف للمفروض أيضا. فتعين أن يكون المقتضي للارسال بالايات هو اقتراح المقترحين. ومن الضروري أن المقترحين إنما يقترحون امورا زائدة على الايات التى تتم بها الحجة، فإن هذا المقدار من الايات مما يلزم على الله أن يرسل به لاثبات نبوة نبيه، وما زاد على هذا المقدار من الايات لا يجب على الله أن يرسل به ابتداء، ولا يجب عليه أن يجيب اليه إذا اقترحه المقترحون. نعم لا يستحيل عليه ذلك إذا اقتضت المصلحة أن يقيم الحجة مرة ثانية وثالثة، أو أن يجيب المقترحين إلى ما طلبوا. وعلى هذا فاقتراح المقترحين إنما يكون بعد إتمام الحجة عليهم بما يلزم من الايات، وتكذيبهم إياها. وإنما كان تكذيب الامم السابقة مانعا عن الارسال
===============
(107)
بالايات المقترحة في هذه الامة، لان تكذيب الايات المقترحة يوجب نزول العذاب على المكذبين. وقد ضمن الله تعالى رفع العذاب الدنيوي عن هذه الامة إكراما لنبيه (صلى الله عليه واله وسلم) وتعظيما لشأنه. فقد قال الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم 8: 33 ". أما أن تكذيب الايات المقترحة يوجب نزول العذاب على المكذبين فلان الاية الالهية إذا كانت مبتدأة كانت متمحضة في إثبات نبوة النبي، ولم يترتب على تكذيبها أكثر مما يترتب على تكذيب النبي من العقاب الاخروي. وأما إذا كانت مقترحة كانت كاشفة عن لجاجة المقترح، وشدة عناده، إذ لو كان طالبا للحق لصدق بالاية الاولى لانها كافية في إثباته، ولان معنى اقتراحه هذا أنه قد التزم على نفسه بتصديق النبي إذا أجابه إلى هذا الاقتراح، فإذا كذب الاية المقترحة بعد صدورها كان مستهزئا بالنبي وبالحق الذي دعا اليه، وبالاية التي طلبها منه، ولذلك سمى الله تعالى هذا النوع من الايات " آيات التخويف " كما في آخر هذه الاية الكريمة، وإلا فلا معنى لحصر مطلق الايات بالتخويف، فإن منها ما يكون للرحمة بالعباد وهدايتهم وإنارة سبيلهم. ومما يدلنا على أن المراد من الايات الممنوعة هي آيات التعذيب والتخويف: ملاحظة مورد هذه الاية الكريمة وسياقها. فإن الاية التي قبها هي قوله تعالى: " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا 17: 58 ".
===============
(108)
وقد ذكرت فيها آية ثمود التي أعقبها نزول العذاب عليهم. وقصتهم مذكورة في سورة الشعراء، وختمت هذه الاية بقوله تعالى: " وما نرسل بالايات إلا تخويفا ". وكل هذه القرائن دالة على أن المراد بالايات الممنوعة هي الايات المقترحة التي تستلزم نزول العذاب. ونحن إذا سبرنا الايات القرآنية يظهر لنا ظهورا تاما لا يقبل التشكيك أن المشركين كانوا يقترحون إنزال العذاب عليهم، أو يقترحون آيات اخرى نزل العذاب على الامم السابقة بسبب تكذيبها. فمن القسم الاول قوله تعالى: " وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم 8: 32. وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون: 33. قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون 10: 50. ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه 11: 8. ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون 29: 53 ".
===============
(109)
ومن القسم الثاني وقوله تعالى: " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ألله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين ظلموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون 6: 124. فليأتنا بآية كما أرسل الاولون 21: 5. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون 28: 48 ". ويدلنا على أن نظير هذه الآيات المقترحة قد كذبها الاولون فاستحقوا به نزول العذاب قوله تعالى: " قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون 16: 26. كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حبث لا يشعرون 39: 25 " وما أكثر الشواهد على ذلك من الكتاب العزيز. وقد ورد في تفسير الآية عن طريق الشيعة وأهل السنة ما يؤكد هذا الذي استفدناه من ظاهرها.
===============
(110)
فعن الباقر (عليه السلام): " أن محمدا (صلى الله عليه وآله) سأله قومه أن يأتي بآية فنزل جبريل وقال: إن الله يقول: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون. وكنا إذا أرسلنا إلى قريش آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم، فلذلك أخرنا عن قومك الآيات " (1).
وعن ابن عباس قال: " سأل أهل مكة النبي أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتبي، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا اهلكوا كما اهلك من قبلهم. قال: بل تستأني بهم فأنزل الله تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات.. " (2).
وهناك روايات اخرى من أراد الاطلاع عليها فليراجع كتب الروايات وتفسير الطبري. ومن الآيات التي استدل بها الخصم على نفي المعجزات للنبي (صلى الله عليه وآله) غير القرآن قوله تعالى: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا 17: 90. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير البرهان ج 1 ص 607.
(2) تفسير الطبري ج 15 ص 74. (*)
===============
(111)
فتفجر الانهار خلالها تفجيرا: 91. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا: 92. أو يكون لك بيت من زخرف أوترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا: 93 ". ووجه استدلال الخصم بهذه الآيات الكريمة: أن المشركين قد دعوا النبي إلى إقامة المعجزة شاهدة على صدقه بالنبوة، فامتنع عن ذلك واعترف لهم بالعجز، ولم يثبت لنفسه إلا أنه بشر ارسل اليهم. فالآيات دالة على نفي صدور المعجزة منه.
الجواب: أولا: أنا قد أوضحنا للقارئ حال الآيات المقترحة في جواب الاستدلال المتقدم. ولا شك في أن هذه المعجزات التي طلبها المشركون من النبي آيات مقترحة، وأن هؤلاء المشركين في مقام العناد للحق. ويدلنا على ذلك أمران:
1 ـ أنهم قد جعلوا تصديقهم بالنبي موقوفا على أحد هذه الامور التي اقترحوها، ولو كانوا غير معاندين للحق لاكتفوا بكل آية تدل على صدقه، ولم تكن لهذه الامور التي اقترحوها خصوصية على ما سواها من الآيات.
2 ـ قولهم: " أوترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤة " وأي معنى لهذا التقييد بإنزال الكتاب أفليس الرقي إلى
===============
(112)
السماء وحده آية كافية في الدلالة على صدقه؟ أو ليست في هذه التشهيات الباردة دلالة واضحة على عنادهم للحق. وتمردهم عليه؟!!.
ثانيا: إن هذه الامور التي اقترحها المشركون في الآيات المتقدمة منها ما يستحيل وجوده، ومنها ما لا يدل على صدق دعوى النبوة. فلو وجب على النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجيب المقترحين إلى ما يطلبونه، فليس هذا النوع من الامور المقترحة مما تجب إجابته. وإيضاح هذا: أن الامور المقترحة على النبي (صلى الله عليه وآله) المذكورة في هذه الآيات ستة: ثلاثة منها مستحيلة الوقوع، وثلاثة منها غير مستحيلة، ولكنها لا تدل على صدق المدعي للنبوة (1).
فالثلاثة المستحيلة: أولها: سقوط السماء عليهم كسفا. فان هذا يلازم خراب الارض، وهلاك أهلها، وهو إنما يكون في آخر الدنيا. وقد أخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك، ويدل عليه قولهم: " كما زعمت " وقد ذكر هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: " إذا السماء انشقت 84: 1. إذا السماء انفطرت 82: 1. إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء 34: 9 ". وإنما كان ذلك مستحيلا، لان وقوعه قبل وقته خلاف ما تقتضيه الحكمة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر الحديث الكامل ـ الذي يقص محاورة قريش مع النبي (صلى الله عليه وآله) في فرض هذه الامور المستحيلة عليه، محاولة تعجيزه وتبكيته ـ في قسم التعليقات برقم (6). (*)
===============
(113)
الالهية من بقاء الخلق، وإرشادهم إلى كمالهم. ويستحيل على الحكيم أن يجري في أعماله على خلاف ما تقتضيه حكمته.
ثانيها: أن يأتي بالله بأن يقابلوه، وينظروا اليه. وذلك ممتنع لان الله لا تدركه الابصار، وإلا لكان محدودا في جهة، وكان له لون وله صورة. وجميع ذلك مستحيل عليه تعالى. ثالثها: تنزيل كتاب من الله. ووجه استحالة ذلك أنهم أرادوا تنزيل كتاب كتبه الله بيده، لا مجرد تنزيل كتاب ما، وإن كان تنزيله بطريق الخلق والايجاد، لانهم لو أرادوا تنزيل كتاب من الله بأي طريق اتفق لم يكن وجه معقول لطلبهم إنزاله من السماء، وكان في الكتاب الارضي ما في الكتاب السماوي من الفائدة والغرض، ولا شك ان هذا الذي طلبوه مستحيل لانه يستلزم أن يكون الله جسما ذا جارحة. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأما الامور الثلاثة الاخرى فهي وإن كانت غير مستحيلة، لكنها لا تدل على صدق دعوى النبوة.
فإن فجر الينبوع من الارض، أوكون النبي (صلى الله عليه وآله) مالكا لجنة من نخيل وعنب مفجرة الانهار. أو كونه يملك بيتا من زخرف، امور لا ترتبط بدعوى النبوة، وكثيرا ما يتحقق أحدها لبعض الناس ثم لا يكون نبيا. بل فيهم من يتحقق له جميع هذه الامور الثلاثة، ثم لا يحتمل فيه أن يكون مؤمنا، فضلا عن أن يكون نبيا، وإذا لم ترتبط هذه الامور بدعوى النبوة، ولم تدل على صدقها كان الاتيان بها في مقام الاحتجاج عبثا، لا يصدر من نبي حكيم. وقد يتوهم متوهم أن هذه الامور الثلاثة لا تدل على صدق النبوه، إذا وجدت من أسباب عادية مألوفة. أما إذا وجدت بأسباب غير عادية فلا ريب أنها تكون آيات إلهية، وتدل على صدق النبوة.
(البيان ـ 8)
===============
(114)
الجواب: إن هذا في نفسه صحيح، ولكن مطلوب المشركين أن تصدر هذه الاشياء ولو من أسبابها العادية، لانهم استبعدوا أن يكون الرسول الالهي فقيرا لا يملك شيئا. " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 43: 31 ". فطلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يكون ذا مال كثير. ويدلنا على ذلك أنهم قيدوا طلبهم بأن تكون الجنة والبيت من الزخرف للنبي دون غيره، ولو أرادوا صدور هذه الامور على وجه الاعجاز لم يكن لهذا التقييد وجه صحيح، بل ولا وجه لطلب الجنة أو البيت، فإنه يكفي إيجاد حبة من عنب أو مثقال من ذهب. وأما قولهم: " حتى تفجر لنامن الارض ينبوعا " فلا يدل على أنهم يطلبون الينبوع لهم لا للنبي وإنما يدل على أنهم يطلبون منه فجر الينبوع لاجلهم، وبين المعنيين فرق واضح. ولم يظهر النبي لهم عجزه عن الاتيان بالمعجزة كما توهمه هؤلاء القائلون. وإنما أظهر بقوله: " سبحان ربي " أن الله تعالى منزه عن العجز، وأنه قادر على كل أمر ممكن، وأنه منزه عن الرؤية والمقابلة. وعن أن يحكم عليه بشئ من اقتراح المقترحين وأن النبي بشر محكوم بأمر الله تعالى، والامر كله لله وحده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن الآيات التي استدل بها القائلون بنفي المعجزات للنبي عدا القرآن قوله تعالى:
===============
(115)
" لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين 10: 20 ".
ووجه الاستدلال: أن المشركين طالبوا النبي بآية من ربه، فلم يذكر لنفسه معجزة. وأجابهم بأن الغيب لله، وهذا يدل على أنه لم يكن له معجزة غيرما أتى به من القرآن. وبسياق هذه الآية آيات اخرى تقاربها في المعنى، كقوله تعالى: " ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 13: 7. وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون 6: 37 ".
الجواب: أولا: هو ما تقدم. فإن هؤلاء المشركين وغيرهم لم يطلبوا من النبي إقامة آية ما من الآيات التي تدل على صدقه، وإنما اقترحوا عليه إقامة آيات خاصة. وقد صرح القرآن بها في مواضع كثيره، منها ما تقدم. ومنها قوله تعالى: " وقالوا لولا أنزل عليه ملك 6: 8. وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون 15: 6. لو ما تأتينا
===============
(116)
بالملائكة إن كنت من الصادقين: 7. وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا 25: 7. أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا: 8 ". وقد علمنا أن الآيات المقترحة لا تجب الاجابة اليها، ويدلنا على أن المشركين إنما يريدون الاتيان بما اقترحوه من الآيات: أنهم لو أرادوا من النبي أن يأتي بآية ما، تدل على صدقه لاجابهم على الاقل بالاتيان بالقرآن الذي تحدى به في كثير من مواضعه. نعم يظهر من الآيات المتقدمة التي استدل بها الخصم، ومما يشبهها من الآيات أمران:
1 ـ إن تحدي النبي (صلى الله عليه وآله) لعامة البشر إنما كان بالقرآن خاصة من بين سائر معجزاته. وقد أوضحنا فيما سبق أن الامر لا بد وأن يكون كذلك، لان النبوة الابدية العامة تستدعي معجزة خالدة عامة، وهي منحصرة بالقرآن، وليس في سائر معجزاته (صلى الله عليه وآله) ما يتصور له البقاء والاستمرار.
2 ـ إن الاتيان بالمعجزة ليس اختياريا للنبي (صلى الله عليه واله وسلم) وإنما هو رسول يتبع في ذلك اذن الله تعالى، ولا دخل لاقتراح المقترحين في شئ من ذلك. وهذا المعنى ثابت لجميع الانبياء. ويدل عليه قوله تعالى: " وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب 13: 38. وماكان لرسول أن يأتي بآية إلا
===============
(117)
بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون 40: 78 ".
ثانيا: ان في القرآن أيضا آيات دالة على صدور الآيات من النبي (صلى الله عليه واله وسلم). منها قوله تعالى: " إقتربت الساعة وانشق القمر 54: 1. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر: 2. وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله 6: 124 ". ويدلنا على أن المراد من الآية هنا هي المعجزة: أنه عبر برؤية الآية، ولو كان المراد هو آيات القرآن لكان الصحيح أن يعبر بالسماع دون الرؤية وأنه ضم إلى ذلك انشقاق القمر. وأنه نسب إلى الآية المجئ دون الانزال وما يشبهه. بل وفي قولهم: " سحر مستمر " دلالة على تكرر صدور المعجزة عنه (صلى الله عليه واله وسلم) وإذا: فلو سلمنا دلالة الآيات السابقة على نفي صدور المعجزة عنه، فلا بد وأن يراد من ذلك نفيه في زمان نزول هذه الآيات الكريمة، وما بمعناها، ولا يمكن أن يراد منه نفي الآية حتى بعد ذلك. وحاصل جميع ما ذكرناه في هذا المبحث امور:
1 ـ إنه لا دلالة لشئ من آيات القرآن على نفي المعجزات الاخرى سوى القرآن، بل وفي جملة من الآيات دلالة على وجود هذه المعجزات التي يدعي الخصم نفيها.
===============
(118)
2 ـ إن إقامة المعجزة ليست أمرا اختياريا للرسول (صلى الله عليه وآله) وإن ذلك بيد الله سبحانه.
3 ـ إن اللازم في دعوى النبوة هو إقامة المعجزة التي تتم بها الحجة ويتوقف عليها التصديق. وأما الزائدة على ذلك، فلا يجب على الله إظهارها ولا تجب على النبي الاجابة اليها.
4 ـ إن كل معجزة يكون فيها هلاك الامة وتعذيبها، فهي ممنوعة في هذه الامة. ولا تسوغ إقامتها باقتراح الامة، سواء أكان الاقتراح من الجميع أم كان من البعض.
5 ـ إن المعجزة الخالدة للنبي (صلى الله عليه وآله) التي تحدى بها جميع الامم إلى يوم القيامة، إنما هي كتاب الله المنزل اليه، وأما غيره من المعجزات، فهي وإن كثرت إلا أنها ليست معجزة باقية، وهي في هذه الناحية تشارك معجزات الانبياء السابقين. بشارة التوراة والانجيل بنبوة محمد: صرح القرآن المجيد في جملة من آياته الكريمة أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا برسالة محمد (صلى الله عليه وآله) وأن هذه البشارة مذكورة في التوراة والانجيل. فقد قال تعالى: " الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر 7: 157. وإذقال پيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من
===============
(119)
التوراة ومبشرا برسوله يأتي من بعدي اسمه أحمد 61: 6 ". وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوته في زمن حياته وبعد مماته. وهذا يدلنا دلالة قطعية على وجودهذه البشارة في الكتابين المذكورين في زمان دعوته. ولولم تكن هذه البشارة مذكورة فيهما، لكان ذلك دليلا كافيا لليهود والنصارى على تكذيب القرآن في دعواه، وتكذيب النبي في دعوته، ولانكروا عليه أشد الانكار. فيكون إسلام الكثير منهم في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد مماته، وتصديقهم دعوته دليلا قطعيا على وجودهذه البشارة في ذلك العصر. وعلى هذا فإن الايمان بموسى وعيسى عليهما السلام يستلزم الايمان بمحمد (صلى الله عليه وآله) من غير حاجة إلى وجود معجزة تدل على صدقه. نعم يحتاج إلى ذلك بالنسبة إلى الامم الاخرى التي لم تؤمن بموسى وعيسى عليهما السلام وبكتابيهما. وقد عرفت بالادلة المتقدمة أن القرآن المجيد هو المعجزة الباقية والحجة الالهية على صدق النبي الاكرم، وصحة دعواه، وأن غير القرآن ـ من معجزاته الكثيرة المنقولة بالتواتر الاجمالي ـ أولى بالتصديق من معجزات سائر الانبياء المتقدمين.
===============
(120)
===============
أضواء على القرآن
===============
(122)
حال القراء السبعة وهم: عبد الله بن عامر. ابن كثير المكي. عاصم بن بهدلة الكوفي. أبو عمرو البصري. حمزة الكوفي. نافع المدني. الكسائي الكوفي. ثلاثة قراءآخرون. هم: خلف بن هشام البزار. يعقوب بن اسحاق. يزيد بن القعقاع.
===============
(123)
تمهيد: لقد اختلفت الآراء حول القراءات السبع المشهورة بين الناس، فذهب جمع من علماء أهل السنة إلى تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) وربما ينسب هذا القول إلى المشهور بينهم. ونقل عن السبكي القول بتواتر القراءات العشر (1) وأفرط بعضهم فزعم أن من قال إن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر. ونسب هذا الرأي إلى مفتي البلاد الاندلسية أبي سعيد فرج ابن لب (2).
والمعروف عند الشيعة أنها غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء أهل السنة. وغير بعيد أن يكون هذا هوالمشهور بينهم ـ كما ستعرف ذلك ـ وهذا القول هوالصحيح. ولتحقيق هذه النتيجة لا بد لنا من ذكر أمرين: الاول: قد أطبق المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أن ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر. واستدل كثير من علماء السنة والشيعة يعلى ذلك: بأن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) مناهل العرفان للزرقاني ص 433.
(2) نفس المصدر ص 428. (*)
===============
(124)
القرآن تتوافر الدواعي لنقله، لانه الاساس للدين الاسلامي، والمعجز الالهي لدعوة نبي المسلمين، وكل شئ تتوفر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواترا. وعلى ذلك فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعا. نعم ذكر السيوطي: " أن القاضي أبا بكر قال في الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق، وامتنعوا منه " (1).
وهذا القول الذي نقله القاضي واضح الفساد ـ لنفس الدليل المتقدم ـ وهو أن توفر الدواعي للنقل دليل قطعي على كذب الخبر إذا اختص نقله بواحد أو اثنين. فإذا أخبرنا شخص أو شخصان بدخول ملك عظيم إلى بلد، وكان دخول ذلك الملك إلى ذلك البلد مما يمتنع في العادة أن يخفى على الناس، فإنا لا نشك في كذب هذا الخبر إذا لم ينقله غير ذلك الشخص أو الشخصين، ومع العلم بكذبه كيف يكون موجبا لاثبات الآثار التي تترتب على دخول الملك ذلك البلد. وعلى ذلك، فإذا نقل القرآن بخبر الواحد، كان ذلك دليلا قطعيا على عدم كون هذا المنقول كلاما إلهيا، وإذا علم بكذبه، فكيف يمكن التعبد بالحكم الذي يشتمل عليه. وعلى كل حال فلم يختلف المسلمون في أن القرآن ينحصر طريق ثبوته والحكم بأنه كلام إلهي بالخبر المتواتر. وبهذا يتضح أنه ليست بين تواتر القرآن، وبين عدم تواتر القراءات أية ملازمة، لان أدلة تواتر القرآن وضرورته لا تثبت ـ بحال من الاحوال ـ تواتر
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتقان في النوع 22 ـ 27 ج 1 ص 243 الطبعة الثالثة. (*)
===============
(125)
قراءاته، كما ان أدلة نفي تواتر القراءات لا تتسرب إلى تواتر القرآن بأي وجه وسيأتي بيان ذلك ـ في بحث " نظرة في القراءات " ـ على وجه التفصيل. الثاني: ان الطريق الافضل إلى إثبات عدم تواتر القراءات هو معرفة القراء أنفسهم، وطرق رواتهم، وهم سبعة قراء. وهناك ثلاثة آخرون تتم بهم العشرة، نذكرهم عقيب هؤلاء. وإليك تراجمهم، واستقراء أحوالهم واحدا بعد واحد:
===============
(1) عبد الله بن عامر الدمشقي
هو أبو عمران اليحصبي. قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب. قال الهيثم بن عمران: " كان عبد الله بن عامررئيس أهل المسجد زمان الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه ". وقال العجلي والنسائي: " ثقة ". وقال أبو عمرو والداني: " ولي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء... اتخذه أهل الشام إماما في قراءته واختياره " (1).
وقال ابن الجزري: " وقد ورد في اسناده تسعة أقوال أصحها أنه قرأ على المغيرة ". ونقل عن بعض أنه قال: " لا يدري على من قرأ ". ولد سنة ثمان من الهجرة. وتوفي سنة 118 (2).
ولعبد الله راويان رويا قراءته ـ بوسائط ـ وهما: هشام، وابن ذكوان. أما هشام: فهوابن عمار بن نصير بن ميسرة، أخذ القراءة عرضا عن أيوب ابن تميم، قال يحيى بن معين: " ثقة ". وقال النسائي: " لا بأس به ". وقال
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب ج 5 ص 274.
(2) طبقات القراء ج 1 ص 404. (*)
===============
(127)
الدارقطني: " صدوق كبير المحل ". ولد سنة 153 وتوفي سنة 245 (1).
وقال الآجري عن أبي داود: " إن أبا أيوب ـ يعني سليمان بن عبد الرحمن ـ خير منه، حدث هشام بأربعمائة حديث مسند ليس لهاأصل ". وقال ابن وارة: " عزمت زمانا أن امسك عن حديث هشام، لانه كان يبيع الحديث ". وقال صالح بن محمد: " كان يأخذ علي الحديث، ولا يحدث ما لم يأخذ... قال المروزي: ذكر أحمد هشاما فقال: " طياش خفيف " وذكر له قصة في اللفظ بالقرآن أنكر عليه أحمد حتى أنه قال: " إن صلوا خلفه، فليعيدوا الصلاة " (2).
أقول: فيمن روى القراءة عنه خلاف، فليراجع كتاب الطبقات وغيره. وأما ابن ذكوان: فهو عبد الله بن أحمد بن بشير، ويقال: بشير ابن ذكوان. أخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم. قال أبو عمرو الحافظ: " وقرأ على الكسائي حين قدم الشام ". ولد يوم عاشوراء سنة 173، وتوفي سنة 242 (3).
أقول: والحال في من روى القراءة عنه كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 2 ص 354 ـ 356.
(2) تهذيب التهذيب ج 11 ص 52 ـ 54.
(3) طبقات القراء ج 1 ص 403. (*)
===============
2 ـ ابن كثير المكي
هو عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان بن هرمز المكي الداري، فارسي الاصل. أخذ القراءة عرضا ـ على ما في كتاب التيسير ـ عن عبد الله بن السائب فيما قطع به الحافظ أبو عمرو الداني وغيره، وضعف الحافظ ـ أبو العلاء الهمداني ـ هذا القول، وقال: " إنه ليس بمشهور عندنا " وعرض أيضا على مجاهد بن جبر، ودرباس عبد الله بن عباس. ولد بمكة سنة 45 وتوفي سنة 120 (1).
قال علي بن المديني: " كان ثقة ". وقال ابن سعد: " ثقة ". وذكر أو عمرو الداني أنه: " أخذ القراءة عن عبد الله بن السائب المخزومي ". والمعروف أنه إنما أخذها عن مجاهد (2).
ولعبد الله بن كثير راويان ـ بوسائط ـ هما: البزي، وقنبل. أما البزي: فهو أحمد بن محمدبن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، اسمه بشار، فارسي من أهل همدان، أسلم على يد السائب بن أبي السائب المخزومي.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر ص 443 ـ 445.
(2) تهذيب التهذيب ج 5 ص 37. (*)
===============
(129)
قال ابن الجزري: " استاذ محقق ضابط متقن ". ولد سنة 170 وتوفي 250 (1).
قرأ البزي على أبي الحسن أحمد بن محمدبن علقمة المعروف بالقواس، وعلى أبي الاخريط وهب بن واضح المكي، وعلى عبد الله ابن زياد بن عبد الله بن يسار المكي (2). قال العقيلى: " منكر الحديث "، وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث لا احدث عنه " (3).
أقول: الكلام في من أخذ القراءة عنه كما تقدم. وأما قنبل: فهو محمد بن عبد الرحمن بن خالدبن محمد أبو عمرو المخزومي مولاهم المكي. أخذ القراءة عرضاعن أحمد بن محمد بن عون النبال، وهوالذي خلفه بالقيام بها بمكة، وروى القراءة عن البزي. انتهت إلى قنبل رئاسة الاقراء بالحجاز... وكان على الشرطة بمكة. ولد سنة 195 وتوفي 291 (4).
ولي الشرطة فخربت سيرته، وكبر سنه وهرم، وتغير تغيرا شديدا، فقطع الاقراء قبل موته بسبع سنين (5).
أقول: الكلام في رواة قراءته كما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات القراء ج 1 ص 119.
(2) النشر في القراءات العشرج 1 ص 120.
(3) لسان الميزان ج 1 ص 283.
(4) طبقات القراء ج 2 ص 205.
(5) لسان الميزان ج 5 ص 249. (*)
(البيان ـ 9)