(1)

 

البيان في تفسير القرآن

 

 

===============

(2)

 

===============

(3)

المدخل

وفاتحة الكتاب

 

 

البيان في تفسير القرآن

 

للامام الاكبر زعيم الحوزة العلمية

السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي

 

دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت ـ لبنان

 

===============

(4)

الطبعة الرابعة حقوق الطبع محفوظة للمؤلف 1395 ـ 1975 م

 

===============

(5)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين

 

===============

(6)

 

===============

(7)

 

المدخل

 

===============

(8)

 

بحوث تحليلية في معارف القرآن وعظمته، وأسراره الكونية والتشريعية، ومناهجه، واصول تفسيره، ونواحي إعجازه وميزاته، ومختلف قراءاته، وصيانته عن النقص والتحريف، وسموه عن الاوهام والتخرصات والطعون.

 

===============

(9)

خطبة الكتاب

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين. ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون.

 

===============

(10)

" وأفضل صلوات الله وأكمل تسليماته على رسوله الذي أرسله " بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.. النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. " وعلى آله " المصطفين الاخيار. الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم. رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. " واللعنة الدائمة على أعدائهم " الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

 

===============

(11)

مقدمة الطبعة الاولى

لماذا وضعت هذا التفسير؟ كنت ولعا منذ أيام الصبا بتلاوة كتاب الله الاعظم، واستكشاف غوامضه واستجلاء معانيه. وجدير بالمسلم الصحيح، بل بكل مفكر من البشر أن يصرف عنايته إلى فهم القرآن، واستيضاح أسراره، واقتباس أنواره، لانه الكتاب الذي يضمن إصلاح البشر، ويتكفل بسعادتهم وإسعادهم. والقرآن مرجع اللغوي، ودليل النحوي، وحجة الفقيه، ومثل الاديب، وضالة الحكيم، ومرشد الواعظ، وهدف الخلقي، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع والسياسة المدنية، وعليه تؤسس علوم الدين، ومن إرشاداته تكتشف أسرار الكون، ونواميس التكوين. والقرآن هو المعجزة الخالدة للدين الخالد، والنظام السامي الرفيع للشريعة السامية الرفيعة. أولعت منذ صباي بتلاوته، واستيضاح معانيه، واستظهار مراميه، فكان هذا الولع يشتد بي كلما استوضحت ناحية من نواحيه، واكتشفت سرا من أسراره، وكان هذا الولع الشديد باعثا قويا يضطرني إلى مراجعة كتب التفسير، وإلى سبر أغوارها. وهنا رأيت ما أدهشني وحيرني: رأيت صغارة الانسان في تفسيره وتفكيره أمام عظمة الله في قرآنه. رأيت نقص المخلوق في تناهيه وخضوعه أمام كمال الخالق في وجوبه وكبريائه.

 

===============

(12)

رأيت القرآن يترفع ويرتفع، ورأيت هذه الكتب تصغر وتتصاغر. رأيت الانسان يجهد نفسه ليكتشف ناحية خاصة أوناحيتين، فيحرر ما اكتشفه في كتاب، ثم يسمي ذلك الكتاب تفسيرا يجلو غوامض القرآن، ويكشف أسراره، وكيف يصح في العقول أن يحيط الناقص بالكامل. على أن هؤلاء العلماء مشكورون في سعيهم، مبرورون في جهادهم. فإن كتاب الله ألقى على نفوسهم شعاعا من نوره، ووضحا من هداه، وليس من الانصاف أن نكلف أحدا ـ وإن بلغ ما بلغ من العلم والتبحر ـ أن يحيط بمعاني كتاب الله الاعظم، ولكن الشئ الذي يؤخذ على المفسرين أن يقتصروا على بعض النواحي الممكنة، ويتركوا نواحي عظمة القرآن الاخرى، فيفسره بعضهم من ناحية الادب أو الاعراب، ويفسره الآخر من ناحية الفلسفة، وثالث من ناحية العلوم الحديثة أو نحو ذلك، كأن القرآن لم ينزل إلا لهذه الناحية التي يختارها ذلك المفسر، وتلك الوجهة التي يتوجه اليها. وهناك قوم كتبوا في التفسير غير أنه لا يوجد في كتبهم من التفسير إلا الشئ اليسير، وقوم آخرون فسروه بآرائهم، أو اتبعوا فيه قول من لم يجعله الله حجة بينه وبين عباده.

 على المفسر: أن يجري مع الآية حيث تجري، ويكشف معناها حيث تشير، ويوضح دلالتها حيث تدل. عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة، وخلقيا حين ترشد الآية إلى الاخلاق، وفقيها حين تتعرص للفقه، واجتماعيا حين تبحث في الاجتماع، وشيئا آخر حين تنظر في أشياء أخر. على المفسر: أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية، والادب الذي يتجلى بلفظها، عليه أن يحرر دائرة لمعارف القرآن إذا أراد أن يكون مفسرا. والحق أني لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسرين. من أجل ذلك صمت على وضع هذا الكتاب في التفسير، آملا من الحق تعالى أن يسعفني بما أملت، ويعفو عني فيما قصرت. وقد التزمت في كتابي هذا أن أجمع فيه ما يسعني فهمه من علوم القرآن التي تعود إلى المعنى. أما علوم

 

===============

(13)

أدب القرآن فلست أتعرض لها غالبا لكثرة من كتب فيها من علماء التفسير، كالشيخ الطوسي في (التبيان) والطبرسي في (مجمع البيان) والزمخشري في (الكشاف). نعم قد أتعرض لهذه الجهات إذا أوجب البحث علي أن أتعرض لها أو رأيت جهة مهمة أغفلها علماء التفسير وقد أتعرض لبعض الجهات المهمة وإن لم يغفلها العلماء. وسيجد القارئ أني لا أحيد في تفسيري هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته وما ثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة، من ذرية الرسول ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ وما استقل به العقل الفطري الصحيح الذي جعله الله حجة باطنة كما جعل نبيه ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) حجة ظاهرة (1).

وسيجد القارئ أيضا أني كثيرا ما أستعين بالآية على فهم اختها، واسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثم أجعل الاثر المروي مرشدا إلى هذه الاستفادة. وهنا مباحث مهمة لها صلة وثقى بالمقصود تلقي أضواء على نواح شتى قدمتها لتكون:

 مدخل التفسير: وهو يشتمل على موضوعات علمية تتصل بالقرآن من حيث عظمته وإعجازه ومن حيث صيانته عن التحريف، وسلامته من التناقض، والنسخ في تشريعاته، وما إلى ذلك من مسائل علمية ينبغي تصفيتها كمدخل لفهم القرآن ومعرفته، والبدء بتفسيره على أساس علمي سليم. واليه جل شأنه ابتهل أن يمدني بالتوفيق، ويلحظ عملي بعين القبول. انه حميد مجيد. المؤلف

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الكافى " كتاب العقل والجهل " الرواية 12. (*)

 

===============

(14)

 

===============

(15)

فضل القرآن

 

===============

(16)

عجز الانسان عن وصف القرآن. من هم أعرف الناس بمنزلته. حديث الرسول في فضل القرآن. صيانة القرآن من التلاعب. عاصميته للامة من الاختلاف. خلوده وشموله. فضل قراءة القرآن. الاحاديث الموضوعة في قراءته. التدبر في القرآن. معرفة تفسيره. حث الكتاب، والسنة، وحكم العقل على التدبر في القرآن.

 

===============

(17)

من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب، وأن يتصاغر أمام هذه لعظمة، وقد يكون الاعتراف بالعجز خيرا من المضي في البيان. ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن، وعلو كعبه؟ وماذا يقول في بيان فضله، وسمو مقامه؟ وكيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب؟ وماذا يكتب لكاتب في هذا الباب؟ وماذا يتفؤه به الخطيب؟ وهل يصف المحدود إلا محدودا؟.

 وحسب القرآن عظمة، وكفاه منزلة وفخرا أنه كلام الله العظيم، ومعجزة نبيه الكريم، وأن آياته هي المتكفلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم 17: 9.

 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد 14: 1. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 3: 138 ". (*)

(البيان ـ 2)

 

===============

(18)

وقد ورد في الاثر عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم): " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (1).

نعم من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب، وأن يكل بيان فضل القرآن إلى نظراء القرآن، فإنهم أعرف الناس بمنزلته، وأدلهم على سمو قدره، وهم قرناؤه في الفضل، وشركاؤه في الهداية، أما جدهم الاعظم فهو الصادع بالقرآن، والهادي إلى أحكامه، والناشر لتعاليمه. وقد قال (صلى الله عليه واله وسلم): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (2).

فالعترة هم الادلاء على القرآن، والعالمون بفضله. فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم، ونستضئ بإرشاداتهم. ولهم في فضل القرآن أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسي في (البحار) الجزء التاسع عشر منه.

 ونحن نكتفي بذكر بعض ما ورد:

 روى الحارث الهمداني (3) قال: " دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أن أناسا يخوضون في الاحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الانوار ج 19 ص 6، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج 11 ص 47، أبواب فضائل القرآن.

(2) رواه الترمذي ج 13 ص 200، 201 مناقب أهل البيت. راجع بقية المصادر في قسم التعليقات رقم (1).

(3) انظر ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه في قسم التعليقات رقم (2). (*)

 

===============

(19)

ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الاهواء، ولا تلتبس به الالسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به اجر، ومن دعا اليه هدى إلى صراط مستقيم، خذها اليك يا أعور " (1).

وفي الحديث مغاز جليلة يحسن أن نتعرض لبيان أهمها. يقول (صلى الله عليه واله وسلم): " فيه نبأ ما كان قبلكم. وخبر ما بعدكم " والذي يحتمل في هذه الجملة وجوه: الاول: أن تكون إشارة إلى اخبار النشأة الاخرى من عالمي البرزخ والحساب والجزاء على الاعمال. ولعل هذا الاحتمال هو الاقرب، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته: " فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم " (2).

الثاني: أن تكون إشارة إلى المغيبات التي أنبأ عنها القرآن، مما يقع في الاجيال المقبلة.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) هكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 435، كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في صحيح الترمذي ج 11 ص 30 أبواب فضائل القرآن. وفي بحار الانوار ج 9 ص 7 عن تفسير العياشي.

(2) بحار الانوار ج 19 ص 6. (*)

 

===============

(20)

الثالث: أن يكون معناها أن حوادث الامم السابقة تجري بعينها في هذه الامة، فهي بمعنى قوله تعالى:

* (لتركبن طبقا عن طبق 84: 19) *، وبمعنى الحديث المأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) " لتركبن سنن من قبلكم " (1).

أما قوله (صلى الله عليه واله وسلم): " من تركه من جبار قصمه الله " فلعل فيه ضمانا بحفظ القرآن عن تلاعب الجبارين، بحيث يؤدي ذلك إلى ترك تلاوته وترك العمل به، والى جمعه من أيدي الناس كما صنع بالكتب الالهية السابقة (2) فتكون إشارة إلى حفظ القرآن من التحريف. وسنبحث عنه مفصلا. وهذا أيضا هو معنى قوله في الحديث: " لا تزيغ به الاهواء " بمعنى لا تغيره عما هو عليه، لان معاني القرآن قد زاغت بها الاهواء فغيرتها. وسنبين ذلك مفصلا عند تفسير الآيات إن شاء الله تعالى. وأشار الحديث إلى أن الامة لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم، وما يلتبس عليهم في عقائدهم وأعمالهم لاوضح لهم السبيل. ولوجدوه الحكم العدل، والفاصل بين الحق والباطل. نعم، لو أقامت الامة حدود القرآن، واتبعت مواقع إشاراته وإرشاداته، لعرفت لحق وأهله، وعرفت حق العترة الطاهرة الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) قرناء الكتاب، وأنهم الخليفة الثانية على الامة من بعده (3) ولو استضاءت الامة بأنوار معارف القرآن، لامنت العذاب الواصب، ولما تردت في العمى، ولا غشيتهم حنادس الضلال، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا زلت قدم عن الصراط السوي، ولكنها أبت إلا الانقلاب على الاعقاب، واتباع الاهواء، والانضواء

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد هذا اللفظ في كنز العمال ج 6 ص 40، من حديث سهل بن سعد. انظر بقية المصادر في قسم التعليقات رقم (3).

(2) راجع الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 34، لآية الله الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي.

(3) تقدم مصادر حديث الثقلين في ص 26 رقم (2)، وفي بعض نصوصه تصريح بأن القرآن والعترة خليفتا الرسول " ص ". (*)

 

===============

(21)

إلى راية الباطل حق آل الامر إلى أن يكفر بعض المسلمين بعضا، ويتقرب إلى الله بقتله، وهتك حرمته، وإباحة ماله، وأي دليل على إهمال الامة للقرآن أكبرمن هذا التشتت العظيم؟!!

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفة القرآن: " ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، وسراجا لا يخبو توقده، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه، وشعاعا لا يظلم ضوءه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وتبيانا (1) لا تهدم أركانه، وشفاء لا تخشى أسقامه، وعزا لا تهزم أنصاره، وحقا لا تخذل أعوانه، فهومعدن الايمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الاسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المنتزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون، جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونورا ليس معه ظلمة، وحبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وحاملا لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم،

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) في بحار الانوار " بنيانا " بدل " تبيانا ". (*)

 

===============

(22)

وجنة لمن استلام، وعلما لمن وعى، وحديث لمن روى وحكما لمن قضى " (1).

وقد استعرضت هذه الخطبة الشريفة كثيرا من الامور المهمة التي يجب الوقوف عليها، والتدبر في معانيها.

 فقوله: " لا يخبو توقده " (2) يريد بقوله هذا وبكثير من جمل هذه الخطبة أن القرآن لا تنتهي معانيه، وأنه غض جديد إلى يوم القيامة. فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم، ولكنها لا تختص بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم، فهي عامة المعنى. وقد روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى، * (ولكل قوم هاد 12: 8) *.

 أنه قال: " علي: الهادي، ومنا الهادي، فقلت: فأنت جعلت فداك الهادي.

قال: صدقت إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الاقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين ".

 وعن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن القرآن حي لم يمت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا ".

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة من خطبة أولها: " يعلم عجيج الوحوش ".

(2) خبت النار: خمد لهبها. (*)

 

===============

(23)

وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لعمر بن يزيد لما سأله عن قوله تعالى: " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل 13: 21 ": " هذه نزلت في رحم آل محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وقد تكون في قرابتك، فلا تكونن ممن يقول للشئ: إنه في شئ واحد ".

 وفي تفسير الفرات: " ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ، ولكن القرآن يجري أوله على آخره مادامت السماوات والارض، ولكل قوم آية يتلوها هم منها من خير أو شر ". إلى غير هذه من الروايات الواردة في المقام (1).

" ومنها جالا يضل نهجه " يريدبه: أن القرآن طريق لا يضل سالكه، فقد أنزله الله تعالى هداية لخلقه، فهو حافظ لمن اتبعه عن الضلال. " وتبيانا لا تهدم أركانه " المحتمل في المراد من هذه الجملة أحد وجهين: (الاول) أن أركان القرآن في معارفه وتعاليمه، وجميع ما فيه من الحقائق محكمة لا تقبل التضعضع والانهدام.

(الثاني) أن القرآن بألفاظه لا يتسرب اليه الخلل والنقصان، فيكون فيها إيماء إلى حفظ القرآن عن التحريف. " ورياض العدل وغدرانه " (2) معنى هذه الجملة: أن العدل بجميع نواحيه

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مرآة الانوار ص 3، 4.

(2) الرياض جمع روضة، وهي الارض الخضرة بحسن النبات. والغدران جمع غدير وهو الماء الذي تغدره السيول. والعدل الاستقامة. (*)

 

===============

(24)

من الاستقامة في العقيدة والعمل والاخلاق قد اجتمع في الكتاب العزيز، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرقاتها.

 " وأثافي الاسلام " (1) ومعنى ذلك: أن استقامة الاسلام وثباته بالقرآن كما أن استقامة القدر على وضعه الخاص تكون بسبب الاثافي.

 " وأودية الحق وغيطانه " يريد بذلك: أن القرآن منابت الحق، وفى الجملة تشبيه القرآن بالارض الواسعة المطمئنة، وتشبيه الحق بالنبات النابت فيها. وفي ذلك دلالة على أن المتمسك بغير القرآن لا يمكن أن يصيب الحق، لان القرآن هو منبت الحق، ولا حق في غيره.

" وبحر لا ينزفه المنتزفون " (2) ومعنى هذه الجملة والجمل التي بعدها: أن المتصدين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه، لانه غير متناهي المعاني، بل وفيها دلالة على أن معاني القرآن لا تنقص أصلا، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقاية منها.

 " وآكام لا يجوز عنها القاصدون " (3) والمراد أن القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها. وفي هذا القول إشارة إلى أن للقرآن بواطن لا تصل اليها أفهام اولي الافهام. وسنبين هذا في ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد يكون المراد أن القاصدين إذا وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها، لانهم يجدون مقاصدهم عندها على الوجه الاتم.

فضل قراءة القرآن: القرآن هو الناموس الالهي الذي تكفل للناس بإصلاح الدين والدنيا، وضمن

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاثافي كأماني جمع اثفية ـ بالضم والكسر ـ وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر.

(2) نزف ماء البئر: نزح كله.

(3) والآكام جمع اكم، كقصب، وهو جمع أكمة، كقصبة، وهي التل. (*)

 

===============

(25)

لهم سعادة الآخرة والاولى، فكل آية من آياته منبع فياض بالهداية ومعدن من معادن الارشاد والرحمة، فالذي تروقه السعادة الخالدة والنجاح في مسالك الدين والدنيا، عليه أن يتعاهد كتاب الله العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويجعل آياته الكريمة قيد ذاكرته، ومزاج تفكيره، ليسير على ضوء الذكر الحكيم إلى نجاح غير منصرم وتجارة لن تبور. وما أكثر الاحاديث الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) وعن جدهم الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) في فضل تلاوة القرآن.

 منها: ما عن الامام الباقر (عليه السلام). قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة أية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة أية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر... " ومنها: ما عن الامام الصادق (عليه السلام). قال:

 " القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية ".

 وقال: " ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن فيكتب له مكان كل آية يقرأها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات؟ ".

وقال:

 

===============

(26)

" عليكم بتلاوة القرآن، فإن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: إقرأ وارق، فكلما قرأ آية رقى درجة ". وقد جمعت كتب الاصحاب من جوامع الحديث كثيرا من هذه الآثار الشريفة من أرادها فليطلبها. وفي التاسع عشر من كتاب بحار الانوار الشئ الكثير من ذلك. وقد دلت جملة من هذه الآثار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. ومن هذه الاحاديث قول اسحق بن عمار للصادق (عليه السلام):

 " جعلت فداك إني أحفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف قال: فقال لي: لا. بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل.

أما علمت أن النظر في المصحف عبادة "؟.

 وقال: " من قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه وإن كانا كافرين " (1).

وفي الحث على القراءة في نفس المصحف نكتة جليلة ينبغي الالتفات اليها، وهو الالماع إلى كلاءة القرآن عن الاندراس بتكثر نسخه، فإنه لو اكتفى بالقراءة عن ظهر القلب لهجرت نسخ الكتاب، وأدى ذلك إلى قلتها، ولعله يؤدي أخيرا إلى انمحاء آثارها. على أن هناك آثارا جزيلة نصت عليها الاحاديث لا تحصل إلا بالقراءة في المصحف، منها قوله: " متع ببصره " وهذه الكلمة من جوامع الكلم، فيراد

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه الروايات في اصول الكافي، كتاب فضل القرآن، وفي الوسائل طبعة عين الدولة ج 1 ص 370. (*)

 

===============

(27)

منها أن القراءة في المصحف سبب لحفظ البصر من العمى والرمد، أو يرادمنها أن القراءة في المصحف سبب لتمتع القارئ بمغازي القرآن الجليلة ونكاته الدقيقة، لان الانسان عند النظر إلى ما يروقه من المرئيات تبتهج نفسه، ويجد انتعاشا في بصره وبصيرته.

وكذلك قارئ القرآن إذا سرح بصره في ألفاظه، وأطلق فكره في معانيه وتعمق في معارفه الراقية وتعاليمه الثمينة يجد في نفسه لذة الوقوف عليها، ومتعة الطموح اليها، ويشاهد هشة من روحه وتطلعا من قلبه. وقد أرشدتنا الاحاديث الشريفة إلى فضل القراءة في البيوت. ومن أسرار ذلك إذاعة أمر الاسلام، وانتشار قراءة القرآن، فإن الرجل إذا قرأه في بيته قرأته المرأة، وقرأه الطفل، وذاع أمره وانتشر.

 أما إذا جعل لقراءة القرآن أماكن مخصوصة فإن القراءة لا تتهيأ لكل أحد، وفي كل وقت، وهذا من أعظم الاسباب في نشر الاسلام. ولعل من أسراره أيضا إقامة الشعار الالهي، إذا ارتفعت الاصوات بالقراءة في البيوت بكرة وعشيا، فيعظم أمر الاسلام في نفوس السامعين لما يعروهم من الدهشة عند ارتفاع أصوات القراء في مختلف نواحي البلد. ومن آثار القراءة في البيوت ما ورد في الاحاديث:

 " إن البيت الذى يقرأ فيه القرآن ويذكر الله تعالى فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضئ لاهل السماء كما يضئ الكوكب الدري لاهل الارض، وان البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، ولا يذكر الله تعالى فيه تقل بركته، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الكافي، كتاب فضل القرآن. (*)

 

===============

(28)

نعم قد ورد في الاحاديث في فضل القرآن، وفي الكرامات التي يختص الله بها قارءه ما يذهل العقول ويحير الالباب. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم):

 " من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ".

 وقد ورد هذا الحديث من طرق العامة، فقد نقله القرطبي (1) عن الترمذي عن ابن مسعود وروى الكليني قريبا منه عن الصادق (عليه السلام). وإن الناظر في جوامع كتب الحديث ومفرداتها يرى من أمثال هذا الحديث الشئ الكثير في فضل القرآن وقراءته، وخواص سوره وآياته.

 وهناك حثالة من كذبة الرواة، توهموا نقصان ما ورد في ذلك، فوضعوا من أنفسهم أحاديث ـ في فضل القرآن وسوره ـ لم ينزل بها وحي ولم ترد بها سنة وهؤلاء كأبي عصمة فرج بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري. وقد اعترف أبو عصمة المروزي بذلك، فقد قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟

 فقال: " إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحق، فوضعت هذا الحديث حسبة ". وقال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في شأن الحديث الذي يروى عن أبي بن كعب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  في فضل القرآن سورة سورة: " قد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي ج 1 ص 7. وفي الكافي كتاب فضل القرآن. (*)

 

===============

(29)

اعترف بأنه وجماعة وضعوه. وقد أخطأ الواحدي وجماعة من المفسرين حيث أو دعوه في تفاسيرهم " (1).

انظر إلى هؤلاء المجترئين على الله كيف يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في الحديث؟ ثم يجعلون هذا الافتراء حسبة يتقربون به إلى الله: " كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون 10: 12 ". التدبر في القرآن ومعرفة تفسيره: ورد الحث الشديد في الكتاب العزيز، وفى السنة الصحيحة على التدبر في معاني القرآن والتفكر في مقاصده وأهدافه. قال الله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها 47: 24 ". وفى هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على ترك التدبر في القرآن. وفي الحديث عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله)  أنه قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ". وعن ابي عبد الرحمن السلمي قال: " حدثنا من كان يقرئنا من الصحابة انهم كانوا يأخذون من رسول الله (صلى الله عليه وآله)  عشر آيات فلا يأخذون في العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل " (2).

وعن عثمان وابن مسعود وأبي: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)  كان يقرئهم العشر فلا

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر ج 1 ص 78، 79.

(2) تفسير القرطبي ج 1 ص 26. (*)

 

===============

(30)

يجاوزونها إلى عشر اخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعا " (1).

وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك تصف جابرا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف (2) تفسير قوله تعالى: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد 28: 85 ".

 والاحاديث في فضل التدبر في القرآن كثيرة. ففي الجزء التاسع عشر من بحار الانوار طائفة كبيرة من هذه الاحاديث، على أن ذلك لا يحتاج إلى تتبع أخبار وآثار، فإن القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله نظاما يقتدي الناس به في دنياهم، ويستضيؤن بنوره في سلوكهم إلى اخراهم. وهذه النتائج لا تحصل إلا بالتدبر فيه والتفكر في معانيه. وهذا أمر يحكم به العقل. وكل ما ورد من الاحاديث أو من الآيات في فضل التدبر فهي ترشد اليه. ففي الكافي بإسناده عن الزهري. قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: " آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيها " (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الكافي، كتاب فضل القرآن.

(2) تفسير القرطبي ج 1 ص 26.

(3) اصول الكافي، كتاب فضل القرآن. (*)

 

===============

(31)

 

 

إعجاز القرآن

 

===============

(32)

معنى الاعجاز. لا بد للنبي من إقامة المعجز، خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر. القرآن معجزة إلهية. القرآن معجزة خالدة. القرآن والمعارف. القرآن والاستقامة في البيان. القرآن في نظامه وتشريعه. القرآن والاتقان في المعاني. القرآن والاخبار بالغيب. القرآن وأسراره الخليقة.

 

===============

(33)

قد ذكر للاعجاز في اللغة عدة معان: الفوت. وجدان العجز. إحدائه كالتعجيز. فيقال: أعجزه الامر الفلاني أي فاته، ويقال: أعجزت زيدا أي وجدته عاجزا، أو جعلته عاجزا. وهو في الاصطلاح أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الالهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه. وإنما يكون المعجز شاهدا على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبي، أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق، ولا يسمى معجزا في الاصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله:

 مثال الاول: ما إذا ادعى أحد أنه إله، فإن هذه الدعوى يستحيل أن تكون صادقة بحكم العقل، للبراهين الصحيحة الدالة على استحالة ذلك.

 ومثال الثاني: ما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الاسلام، فإن هذه الدعوى كاذبة قطعا بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الاسلام، وعن خلفائه المعصومين بأن نبوته خاتمة النبوات، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعا، فماذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي؟ ولا يجب على الله جل شأنه أن يبطل ذلك بعد حكم العقل باستحالة دعواه، أو شهادة النقل ببطلانها.

(البيان ـ 3)

 

===============

(34)

وقد يدعي أحد منصبا إلهيا ثم يأتي بشئ يعجز عنه غيره من البشر ويكون ذلك الشئ شاهدا على كذب ذلك المدعي، كما يروى أن " مسيلمة " تقل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء، وأنه أمر يده على رؤوس صبيان بني حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كل صبي مسح رأسه، ولثغ كل صبي حنكه (1) فإذا أتى المدعي بمثل هذا الشاهد لا يجب على الله أن يبطله، فإن في هذا كفاية لابطال دعواه، ولا يسمى ذلك معجزا في الاصطلاح.

 وليس من الاعجاز المصطلح عليه ما يظهره الساحر والمشعوذ، أو العالم ببعض العلوم النظرية الدقيقة، وإن أتى بشئ عنه غيره، ولا يجب على الله إبطاله إذا علم استناده في عمله إلى أمر طبيعي من سحر، أو شعبذة، أو نحو ذلك وإن ادعى ذلك الشخص منصبا إلهيا، وقد أتى بذلك الفعل شاهدا على صدقه، فإن العلوم النظرية الدقيقة لها قواعد معلومة عند أهلها، وتلك القواعد لا بد من أن توصل إلى نتائجها، وإن احتاجت إلى دقة في التطبيق، وعلى هذا القياس تخرج غرائب علم الطب المنوطة بطبايع الاشياء، وإن كانت خفية على عامة الناس، وبل وإن كانت خفية على الاطباء أنفسهم.

 وليس من القبيح أن يختص الله أحدا من خلقه بمعرفة شئ من تلك الاشياء، وإن كانت دقيقة وبعيدة عن متناول أيدي عامة الناس، ولكن القبيح أن يغري الجاهل بجهله، وأن يجري المعجز على يد الكاذب فيضل الناس عن طريق الهدى. لا بد للنبي من إقامة المعجز: تكليف عامة البشر واجب على الله سبحانه، وهذا الحكم قطعي قد ثبت بالبراهين الصحيحة، والادلة العقلية الواضحة، فإنهم محتاجون إلى التكليف في

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 138. (*)

 

===============

(35)

طريق تكاملهم، وحصولهم على السعادة الكبرى، والتجارة الرابحة. فإذا لم يكلفهم الله سبحانه، فإما أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف، وهذا جهل يتنزه عنه الحق تعالى، وإما لان الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق، وإما لانه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك، وهو عجز يمتنع على القادر المطلق، وإذن فلا بد من تكليف البشر، ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم على خفي التكليف وجليه: " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة 8: 44 ".

 ومن الضروري أيضا أن السفارة الالهية من المناصب العظيمة التى يكثر لها المدعون، ويرغب في الحصول عليها الراغبون، ونتيجه هذا أن يشتبه الصادق بالكاذب، ويختلط المضل بالهادي.

 وإذن فلا بد لمدعي السفارة أن يقيم شاهدا واصحا يدل على صدقه في الدعوى، وأمانته في التبليغ، ولا يكون هذا الشاهد من الافعال العادية التي يمكن غيره أن يأتي بنظيرها، فينحصر الطريق بما يخرق النواميس الطبيعية. وإنما يكون الاعجاز دليلا على صدق المدعي، لان المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من الله تعالى، وإقدار منه، فلو كان مدعي النبوة كاذبا في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى. فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقه، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته. وما ذكرناه قاعدة مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما بشبه هذه الامور، ولا يشكون فيها أبدا، فإذا ادعى أحد من الناس سفارة عن ملك

 

===============

(36)

من الملوك في امور تختص برعيته، كان من الواجب عليه أولا أن يقيم على دعواه دليلا يعضدها، حين تشك الرعية في صدقه، ولا بد من أن يكون ذلك الدليل في غاية الوضوح، فإذا قال لهم ذلك السفير: الشاهد على صدقي أن الملك غدا سيحييني بتحيته الخاصة التي يحيي بها سفراءه الاخرين. فإذا علم الملك ما جرى بين السفير وبين الرعية، ثم حياه في الوقت المعين بتلك التحية، كان فعل الملك هذا تصديقا للمدعي في السفارة ولا يرتاب العقلاء في ذلك لان الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه أن يصدق هذا المدعي إذا كان كاذبا، لانه يريد إفساد الرعية. وإذا كان هذا الفعل قبيحا من سائر العقلاء كان محلا على الحكيم المطلق، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله في كتابه الكريم: " ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين 69: 44 ـ 46 ".

 والمراد من الاية الكريمة أن محمدا الذي أثبتنا نبوته، وأظهرنا المعجزة لتصديقه، لا يمكن أن يتقول علينا بعض الاقاويل، ولو صنع ذلك لاخذنا منه باليمين، ولقطعنا منه الوتين، فإن سكوتنا عن هذه الاقاويل إمضاء منا لها، وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث.

ولكن دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة متوقفة على القول بأن العقل يحكم بالحسن والقبح. أما الاشاعرة الذين ينكرون هذا القول، ويمنعون حكم العقل بذلك فلا بد لهم من سد باب التصديق بالنبوة. وهذا أحد مفاسد هذا القول، وإنما لزم من قولهم هذا سد باب التصديق بالنبوة، لان المعجز إنما يكون دليلا على صدق النبوة إذا قبح في العقل أن يظهر المعجز على يد الكاذب وإذا لم يحكم العقل بذلك لم يستطع أحد أن يميز بين الصادق والكاذب.

 

===============

(37)

وقد أجاب " الفضل بن روزبهان " عن هذا الاشكال بأن فعل القبيح وإن كان ممكنا على الله تعالى ولكن عادة الله قد جرت على تخصيص المعجزة بالصادق، فلا تظهر معجزة على يد الكاذب، ولا يلزم سد باب التصديق بالنبوة على قول الاشعريين. وهذا الجواب بين الضعف، متفكك العرى.

أولا: أن عادة الله التي يخبر عنها " ابن روز بهان " ليست من الامور التي تدرك بالحس، ويقع عليها السمع والبصر، فينحصر طريق العلم بها بالعقل، وإذا امتنع على العقل أن يحكم بالحسن والقبح ـ كما يراه الاشعري ـ لم يمكن لاحد أن يعلم باستقرار هذه العادة لله تعالى.

ثانيا: إن إثبات هذه العادة يتوقف على تصديق الانبياء السابقين، الذين جاءوا بالمعجزات حتى نعلم أن عادة الله قد استقرت على تخصيص المعجزة بالصادق. أما المنكرون لتلك النبوات، أو المشككون فيها فلا طريق لهم إلى إثبات هذه العادة التي يدعيها " ابن روزبهان " فلا تقوم عليهم الحجة بالمعجزة.

ثالثا: إذا تساوى الفعل والترك في نظر العقل، ولم يحكم في ذلك بقبح ولا حسن، فأي مانع يمنع الله أن يغير عادته؟ وهو القادر المطلق الذي لا يسأل عما يفعل، فيظهر المعجزة على يد الكاذب.

 رابعا: إن العادة من الامور الحادثة التي تحصل من تكرر العمل، وهو يحتاج إلى مضي زمان. وعلى هذا فما هي الحجة على ثبوت النبوة الاولى الثابتة قبل أن تستقر هذه العادة؟ وسنتعرض لاقوال الاشعريين فيما يأتي، ونوضح وجوه فسادها. خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر: المعجز ـ كما عرفت ـ هو ما يخرق نواميس الطبيعة، ويعجز عنه سائر أفراد البشر إذا أتى به المدعي شاهدا على سفارة إلهية. ومما لا يرتاب فيه أن

 

===============

(38)

معرفة ذلك تختص بعلماء الصنعة التي يشابهها ذلك المعجز، فإن علماء أي صنعة أعرف بخصوصياتها، وأكثر إحاطة بمزاياها، فهم يميزون بين ما يعجز البشر عن الاتيان بمثله وبين ما يمكنهم. ولذلك فالعلماء أسرع تصديقا بالمعجز. أما الجاهل فباب الشك عنده مفتوح على مصراعيه ما دام جاهلا بمبادئ الصنعة، وما دام يحتمل أن المدعي قد اعتمد على مبادئ معلومة عند الخاصة من أهل تلك الصنعة، فيكون متباطئا عن الاذعان. ولذلك اقتضت الحكمة الالهية أن يخص كل نبي بمعجزة تشابه الصنعة المعروفة في زمانه، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنه أسرع للتصديق وأقوم للحجة، فكان من الحكمة أن يخص موسى (عليه السلام) بالعصا واليد البيضاء لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون. ولذلك كانت السحرة أسرع الناس إلى تصديق ذلك البرهان والاذعان به، حين رأوا العصا تنقلب ثعبانا، وتلقف ما يأفكون ثم ترجع إلى حالتها الاولى. رأى علماء السحر ذلك فعلموا أنه خارج عن حدود السحر وآمنوا بأنه معجزة إلهية. وأعلنوا إيمانهم في مجلس فرعون ولم يعبأوا بسخط فرعون ولا بوعيده.

 وشاع الطب اليوناني في عصر المسيح (عليه السلام) وأتى الاطباء في زمانه بالعجب العجاب، وكان للطب رواج باهر في سوريا وفلسطين، لانهما كانتا مستعمرتين لليونان، وحين بعث الله نبيه المسيح في هذين القطرين شاءت الحكمة أن تجعل برهانه شيئا يشبه الطب، فكان من معجزاته أن يحيي الموتى، وأن يبرئ الاكمه والابرص. ليعلم أهل زمانه أن ذلك شئ خارج عن قدرة البشر، وغير مرتبط بمبادئ الطب، وأنه ناشئ عما وراء الطبيعة. وأما العرب فقد برعت في البلاغة، وامتازت بالفصاحة، وبلغت الذروة في فنون الادب، حتى عقدت النوادي وأقامت الاسواق للمباراة في الشعر والخطابة. فكان المرء يقدر على ما يحسنه من الكلام، وبلغ من تقدير هم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم، وكتبوها بماء الذهب في القباطي،

 

===============

(39)

وعلقت على الكعبة، فكان يقال هذه مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره (1).

واهتمت بشأن الادب رجال العرب ونساؤهم، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في شعر الشعراء. يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبة حمراء من الادم، فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها ليحكم فيها (2) ولذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الاسلام بمعجزة البيان، وبلاغة القرآن فعلم كل عربي أن هذا من كلام الله، وأنه خارج ببلاغته عن طوق البشر، واعترف بذلك كل عربي غير معاند. ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لابي الحسن الرضا (عليه السلام): " لماذا بعث الله موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمدا ـ (صلى الله عليه واله وسلم) وعلى جميع الانبياء ـ بالكلام والخطب؟.

 فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الاكمه والابرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) العمدة: لابن رشيق ج 1 ص 78.

(2) شعراء النصرانية ج 2 ص 640 طبع بيروت. (*)

 

===============

(40)

وإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه واله وسلم) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنه قال: الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم " (1).. وقد كانت للنبي معجزات اخرى غير القرآن، كشق القمر، وتكلم الثعبان، وتسبيح الحصى، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأنا، وأقومها بالحجة، لان العربي الجاهل بعلوم الطبيعة وأسرار التكوين، قد يشك في هذه المعجزات، وينسبها إلى أسباب علمية يجهلها. وأقرب هذه الاسباب إلى ذهنه هو السحر فهو ينسبها اليه، ولكنه لا يشك في بلاغة القرآن وإعجازه، لانه يحيط بفنون البلاغة، ويدرك أسرارها.

على أن تلك المعجزات الاخرى موقتة لا يمكن لها البقاء فسرعان ما تعود خبرا من الاخبار ينقله السابق للاحق، وينفتح فيه باب التشكيك. أما القرآن فهو باق إلى الابد، وإعجازه مستمر مع الاجيال. وسنضع بحثا خاصا عن معجزات النبي غير القرآن، ونتفرغ فيه لمحاسبة من أنكر هذه المعجزات من الكتاب المعاصرين وغيرهم.

القرآن معجزة إلهية: قد علم كان عاقل بلغته الدعوة الاسلامية، أن محمدا (صلى الله عليه وآله)  بشر جميع الامم بدعوتهم إلى الاسلام، وأقام الحجة عليهم بالقرآن، وتحداهم بإعجازه، وطلب منهم أن يأتوا بمثله وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا، ثم تنزل عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، ثم تحداهم إلى الاتيان بسورة واحدة. وكان من الجدير بالعرب ـ وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة ـ أن

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) اصول الكافي " كتاب العقل والجهل " الرواية 20. (*)

 

===============

(41)

يجيبوه إلى ما يريد، ويسقطوا حجته بالمعارضة، لو كان ذلك ممكنا غير مستحيل. نعم كان من الجدير بهم أن يعارضوا سورة واحدة من سور القرآن، ويأتوا بنظيرها في البلاغة، فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحداهم في أبرع كمالاتهم، وأظهر ميزاتهم، ويسجلوا لانفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر، وسمو الشرف والمكانة، ويستريحوا بهذه المعارضة البسيطة من حروب طاحنة، وبذل أموال، ومفارقة أوطان، وتحمل شدائد ومكاره. ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لاعجازه، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة، فصدق منها قوم داعي الحق، وخضعوا لدعوة القرآن، وفازوا بشرف الاسلام، وركب آخرون جادة العناد، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر.

 وقد يدعي جاهل من غير المسلمين: أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان.

 وجواب ذلك: أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لاعلنتها العرب في أنديتها، وشهرتها في مواسمها وأسواقها. ولاخذ منه أعداء الاسلام نشيدا يوقعونه في كل مجلس، وذكرا يرددونه في كل مناسبة، وللقنه السلف للخلف، وتحفظوا عليه تحفظ المدعي على حجته، وكان ذلك أقر لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف، وأشعار الجاهلية التي ملات كتب التاريخ، وجوامع الادب، مع أنا لا نرى أثرا لهذه المعارضة، ولا نسمع لها بذكر. على أن القرآن الكريم قد تحدى جميع البشر بذلك، بل جميع الانس والجن، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة. فقال عز من قائل: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل

 

===============

(42)

هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 17: 88 ".

 ونحن نرى النصارى وأعداء الاسلام، يبذلون الاموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين، والنيل من نبيه الاعظم، وكتابه المقدس، ويتكرر هذا العمل منهم في كل عام بل في كل شهر. فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن، ولو بمقدار سورة منه، لكان هذا أعظم لهم في الحجة، وأقرب لحصول الامنية، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الاموال، وإتعاب النفوس.

 " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون 61: 8 ". على أن من مارس كلاما بليغا، وبالغ في ممارسته زمانا، أمكنه أن يأتي بمثله أو بما يقاربه في الاسلوب، وهذا مشاهد في العادة، ولا يجري مثل هذا في القرآن، فإن كثرة ممارسته ودراسته، لا تمكن الانسان من مشابهته في قليل ولا كثير، وهذا يكشف لنا أن للقرآن اسلوبا خارجا عن حدود التعليم والتعلم، ولو كان القرآن من كلام الرسول وإنشائه، لوجدنا في بعض خطبه وكلماته ما يشبه القرآن في اسلوبه، ويضارعه في بلاغته. وكلمات الرسول (صلى الله عليه وآله)  وخطبه محفوظة مدونة تختص باسلوب آخر.

 ولو كان في كلماته ما يشبه القران لشاع نقله وتدوينه، وخصوصا من أعدائه الذين يريدون كيد الاسلام بكل وسيلة وذريعة. مع أن للبلاغة المألوفة حدودا لا تتعداها في الاغلب، فإنا نرى البليغ العربي الشاعر أو الناثر تختص بلاغته في جهة واحدة، أو جهتين أو ثلاث جهات، فيجيد في الحماسة مثلا دون المديح، أو في الرثاء دون النسيب، والقرآن قد استطرد مواضيع عديدة، وتعرض لفنون من

 

===============

(43)

الكلام كثيرة، وأتى في جميع ذلك بما يعجز عنه غيره، وهذا ممتنع على البشر في العادة. القرآن معجزة خالدة: قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والايمان بها، ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهدا لدعواه، ولما كانت نبوءات الانبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الامد، ومحدودة، لانها شواهد على نبوءات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الازمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الاخر تنقل اليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر، فتقوم عليه الحجة أيضا.

 أما الشريعة الخالدة، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا، لان المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الامد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة، فإذا كلفه الله بالايمان بها كان من التكليف بالممتنع، والتكليف بالممتنع مستحيل على الله تعالى، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة.

 وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهانا على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة على السلف. وقد نتج لنا عما قدمناه أمران:

 الاول: تفوق القرآن على جميع المعجزات التي ثبتت للانبياء السابقين، وعلى المعجزات الاخرى التي ثبتت لنبينا محمد (صلى الله عليه واله وسلم) لكون القرآن باقيا خالدا، وكون إعجازه مستمرا يسمع الاجيال ويحتج على القرون.

 الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لانقطاع زمان المعجزة التى شهدت بصدقها (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر في قسم التعليقات محادثة علمية جرت بين المؤلف وبين حبر يهودي يتصل بهذا الموضوع برقم (4). (*)

 

===============

(44)

ثم ان القرآن يختص بخاصة اخرى، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الانبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر (1)، وسوقهم إلى غاية كمالهم. فإن القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب الجفاة الطغاة، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الاصنام، والمشتغلين ـ عن تحصيل المعارف وتهذيب النفوس ـ بالحروب الداخلية، والمفاخرات الجاهلية فتكونت منهم ـ في مدة يسيرة ـ أمة ذات خطر في معارفها، وذات عظمة في تاريخها، وذات سمو في عاداتها. ومن نظر في تاريخ الاسلام وسبر تراجم أصحاب النبي (صلى الله عليه واله وسلم) المستشهدين بين يديه، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته، وكبير أثره، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء الشريعة، ولا يعبأون بما تركوا من مال وولد وأزواج. وإن كلمة المقداد لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر شاهد عدل على ما قلنا: " يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ـ يعني مدينة الحبشة ـ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) خيرا، ودعا له بخير " (2).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر قسم التعليقات لمعرفة الحاجة إلى ترجمة القرآن وشروطها برقم (5).

(2) تاريخ الطبري غزوة بدر ج 2 ص 140 الطبعة الثاينة. (*)

 

===============

(45)

هذا واحد من المسلمين، يعرب عن عقيدته وعزمه، وتفانيه في إحياء الحق، وإماتة الشرك. وكان الكثير منهم على هذه العقيدة، متذرعين بالاخلاص. إن القرآن هو الذي نور قلوب أولئك العاكفين على الاصنام، المشتغلين بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية، فجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. يؤثر أحدهم حياة صاحبه على نفسه، فحصل للمسلمين بفضل الاسلام من فتوح البلدان في ثمانين سنة ما لم يحصل لغيرهم في ثمانمائة سنة.

 ومن قارن بين سيرة أصحاب النبي وسيرة أصحاب الانبياء السابقين علم أن في ذلك سرا إلهيا، وأن مبدأ هذا السر هو كتاب الله الذي أشرق على النفوس، وطهر القلوب والارواح بسمو العقيدة، وثبات المبدأ. انظر إلى تاريخ الحواريين، والى تاريخ غيرهم من أصحاب الانبياء تعلم كيف كانوا. كانوا يخذلون أنبياءهم عند الشدائد، ويسلمونهم عند خشية الهلاك!! ولذلك لم يكن لاولئك الانبياء تقدم على طواغيت زمانهم بل كانوا يتسترون عنهم بالكهوف والاودية. وهذه هي الخاصة الثانية التي تفضل القرآن على سائر المعجزات. وإذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية، في بلاغته وأسلوبه فاعلم أن اعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربانية، وبرهان صدق على نبوة من انزل اليه من جهات شتى، فيحسن بنا أن نتعرض إلى جملة منها على نحو الاختصار:

 1 ـ القرآن والمعارف: صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمدا (صلى الله عليه واله وسلم) أمي، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بنى ملا من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم، وتربى في أوساطهم، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه. ومع أميته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الاسلام إلى هذا اليوم، وسيبقى

 

===============

(46)

موضعا لدهشة المفكرين، وحيرتهم إلى اليوم الاخير، وهذا من أعظم نواحي الاعجاز. ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمدا (صلى الله عليه واله وسلم) لم يكن أميا، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم، أفليس لازم هذا أنه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بينهم، منهم وثنيون يعتقدون بالاوهام، ويؤمنون بالخرافات، وذلك ظاهر. ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم، وأحكامهم من كتب العهدين التى ينسبونها إلى الوحي، ويعزونها إلى الانبياء. وإذ فرضنا أن محمدا (صلى الله عليه واله وسلم) أخذ تعاليمه من أهل عصره، أفليس لازم هذا أن ينعكس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التي اكتسبها من معلميه ومرشديه ومن هذه الكتب التي كانت مصدر ثقافته وعلومه؟ ونحن نرى مخالفة القرآن لكتب العهدين في جميع النواحي، وتنزيهه لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافية التي ملات كتب العهدين وغيرها من مصادر التعلم في ذلك العصر. وقد تعرض القرآن الكريم لصفات الله جل شأنه في آيات كثيرة، فوصفه بما يليق بشأنه من صفات الكمال، ونزهه عن لوازم النقص والحدوث. وهذه نماذج منها: " وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون 2: 116.

بديع السماوات والارض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون: 117.

 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم: 163.

 ألله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في

 

===============

(47)

السماوات وما في الارض: 255.

 إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء 3: 5.

 هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم: 6.

 ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل 6: 102.

 لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير: 103.

قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون 10: 34.

 ألله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون 13: 2.

 وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم وإليه ترجعون 28: 70.

 هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم 59: 22.

 هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون: 23. هو الله خالق البارئ

 

===============

(48)

المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم: 24 ".

 هكذا يصف القرآن إلى العالمين، ويأتي بالمعارف التي تتمشى مع البرهان الصريح، ويسير مع العقل الصحيح، وهل يمكن لبشر أمي نشأ في محيط جاهل أن يأتي بمثل هذه المعارف العالية؟.

 ويتعرض القرآن لذكر الانبياء فيصفهم بكل جميل ينبغي أن يوصفوا به، وينسب اليهم كل مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوة، ونزاهة السفارة الالهية، وإليك نماذج منها: " ألذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث 7: 157.

 هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 62: 2.

 وإن لك لاجرا غير ممنون 68: 3.

 وإنك لعلى خلق عظيم: 4. إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين 3: 23. وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني براء مما

 

===============

(49)

تعبدون 43: 26. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين: 27. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين 6: 75.

 ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين: 84.

 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين: 85.

 وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين: 86.

 ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم: 87.

 ولقد آتينا داود ولسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين 27: 15.

 واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الاخيار 38: 48.

 أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا 19: 58 ".

(البيان ـ 4)

 

===============

(50)

هذه جملة من الآيات التي جا