7. الدعوة العامة وتطوّر ردود أفعال قريش تجاهها
بعد تلك السنوات الثلاث، عمد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى
إعلان الدعوة جهراً، حين وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً
بصوت عالٍ: «أرأيتكم إن أخبرتكم إنّالعدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم
تصدّقونني؟» قالوا: بلى. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد».(1)
فرد عليه أحدهم: تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ فتفرّق الناس على أثر ذلك. إلاّ أنّه
بعد فترة من الدعوة العامة، تشكلت جماعة قوية متعاطفة متحابّة، من السابقين
واللاحقين، أو القدامى والجدد، كانت بمثابة إنذار لاَوساط الكفر والشرك
والوثنية، وهم المخالفون،وقد تألّفت تلك الجماعة من قبائل مختلفة منعوا الكفّار
من التعرض لهم، إذ لم يكن اتّخاذ أي قرار حاسم بحقّهم، أمراً سهلاً ومريحاً. ولذا
قرر سادة قريش مواجهة قائد تلك الجماعة ومحركهم، بوسائل الترغيب
والترهيب، بالاِغراء والتطميع، والاِيذاء والتهديد، واستمرت برامج قريش و
موقفها من الدعوة بهذه الاَساليب طيلة عشر سنوات هي عمر الدعوة العامة في
مكة، حتى اتّخذوا قرارهم النهائي بالتخلّص منه بقتله،في الوقت الذي تمكن
(صلى الله عليه وآله وسلم) من إبطال موَامرتهم وإفشالها بالهجرة إلى المدينة.
وقد بدأوا التحرك في مطالبة كفيله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي طالب
بأن يبعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم قائلين له: يا أبا طالب إنّ ابن
أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا،
وإمّا أن تُخلّي بينا و بينه. إلاّ أنّأبا طالب رَدّهم بقولٍجميلٍ حكيمٍ.(2)
ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، والقادمين إلى مكّة خلال
الاَشهر الحرم، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداًبدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع
القبائل، فكثّر أنصاره منها، الاَمر الذي دفعهم إلى مقابلة أبي طالب مرةً أُخرى،
ليذكّروه إشارة وتصريحاً، بالاَخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ
الاِسلام وقوّته : إنّا واللّه لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه
____________
1 . السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية:1|194.
2 . السيرة النبوية: 1|264.
===============
===============
8. استخدام الاَساليب المتعدّدة لمنع انتشار الدعوة الجديدة
بعد استخدام أُسلوب الاَخذ والردّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن
طريق كفيله، وعدم جدواه، اضطرّت قريش إلى تغيير أُسلوبها ونهجها مع الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) في منع انتشار دينه، مهما كلّف الثمن. فقرّروا اتخاذ
سلاح السخرية والاستهزاء، والاِيذاء والتهديد.
وكان أبو طالب من جانب آخر، قد طلب من بني هاشم جميعاً القيام
بحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلبّوا نداءه سواء بدافع الاِيمان أو
الرحم، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من إيقاع الاَذى بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
كلّما وجدوا الفرصة السانحة، وخاصةً إذا وجدوه وحيداً بعيداً عن أعين حماته.
إنّ التاريخ يشهد بأنّ وجود رجال ذوي بأس شديد وقوة بين صفوف
المسلمين، مثل «حمزة» الذي أصبح فيما بعد أحد كبار قادة الاِسلام، كان لهم أثر
كبير في حفظ الاِسلام وحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعم
جماعته.فقد جاء عنه: لما أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه
وآله وسلم» قد عزّ وامتنع، فكفّوا عمّا كانوا يتناولون منه.(2)
أمّا أساليب قريش فتعددت في الاِيذاء والاِيقاع بالرسولوجماعته، فقد
كمن أبو جهل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما وقف للصلاة بين الركن
اليماني والحجر الاَسود، ليضربه بحجر، إلاّ أنّه رجع عن عزمه دون أن ينفّذ خطته،
مجيباً أصحابه في ذلك: قمت إليه لاَفعل به ما قلت لكم البارحة، فلمّا دنوتُ منه
____________
1 . السيرة الحلبية:1|303؛ تاريخ الطبري:2|65.
2 . الكامل: 2|56.
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============