===============
الفصل التاسع
===============
===============
أحداث السنة التاسعة من الهجرة
1. عام الوفود ===============
انتهت السنة الثامنة بسقوط أكبر قاعدة من قواعد الوثنية والشرك، في أيدي
المسلمين، الذين انتصروا على أعدائهم تماماً، فأخذت القبائل المتمردة تتقرب
إليهم تدريجياً، وتوالت وفودُها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقدم ولاءها
وتعلن إسلامها وتتقبل الرسالة المحمّدية، ممّا دعت تلك الكثرة من الاَعداد
الوافدة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسمى بعام الوفود.(1)
إنّ دراسة الوفود وما دار بينهم و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
تفيد بوضوح بأنّ الاِسلام انتشر في الجزيرة العربية عن طريق الدعوة والتبليغ.
وتحدث القرآن الكريم في سورة خاصة عن حضور تلك الوفود على النبي «صلى
الله عليه وآله وسلم» وما حقّقه الاِسلام من فتح وانتصار:(إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِوَالْفَتْح *
وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ
تَوّاباً) .(2)
إلاّ أنّه بالرغم من ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعدّ في هذا
____________
1 . سجل الموَرخ محمد ابن سعد في الطبقات:1|291 ، أسماء 73 وفداً قدموا على الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) طوال السنة9هـ.
2 . سورة النصر.
2. هدم الاَصنام
أدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضوء تعاليم الوحي أنّ الوثنية
كجرثومة الكوليرا، تهدم فضائل الاِنسان وشرفه، وتقضي على مكارم الاَخلاق،
وتحط من مكانة الاِنسان الرفيعة، وتجعله كائناً حقيراً أمام الطين والحجر. وعلى
هذا الاَساس أمره اللّه تعالى أن يجتث جذور الشرك من كيان ذلك المجتمع
الموبوء، بإزالة كلّمظاهر الوثنية وأنواعها وأشكالها، مستخدماً القوة تجاه
الجماعات المعارضة. وعلم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ في قبيلة طيء صنماً
كبيراً يقدَّس حتى ذلك الوقت، فأرسل الاِمام علياً (عليه السلام) مع 150 فارساً
ليحطم هذا الصنم ويهدم بيته.
ونجح الاِمام (عليه السلام) في مهمته، وعاد بالغنائم والاَسرى إلى المدينة،
وهرب رئيسها «عدي بن حاتم الطائي» إلى الشام ملتحقاً بأهل دينه، لاَنّه كان
نصرانياً حسب ما ذكر بنفسه، وترك أُخته في قومه. إلاّ أنّ النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» أرجعها إلى أخيها بالشام، فأخذت توبخه ممّا صنع من هروبه مع أهله،
وتركها وحيدة، ثمّ طلبت منه أن يذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
ويعلن إسلامه، فاحترمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قدم إليه في
المدينة، وقدم له ما يليق به كأمير وسيد على قومه.
ولما شاهد من سيرته وأفعاله ما يدل ويوَكد على أنّه نبي اللّه، أسلم على
===============
3. غزوة تبوك: وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام. ===============
أعدّ إمبراطور الروم قوّة عسكرية لمهاجمة المسلمين الذين ازدادت قوّتهم
وأعدادهم وخطرهم على الدولة الرومانية. وتألفت هذه القوّة من 40 ألف فارس و
كانت مجهزة بأحدث الاَسلحة و المعدات، وتقدمت إلى منطقة البلقاء، فأمر النبي
ص عندها أصحابه بالتهيّوَ والاستعداد لغزو الروم، في موسمٍ شديد الحرارة،
وجدب وعسرة، إلاّ أنّ الدوافع المقدّسة والجهاد في سبيل اللّه غَلَبَ على كلّتلك
الاَُمور الدنيوية، فشارك 30 ألف من المسلمين في هذه الغزوة تحددت نفقاتها
من الزكاة من أهل الغنى والثروة. وقد اعتبرت هذه الغزوة خيرَ مَحَكٍّ لمعرفة
المجاهدين الصادقين من المنافقين والمبدعين، إذ أنّ بعضهم تخلّف بحجّة
الخوف من أن يفتتن بالنساء الروميات، وهو عذر صبياني أقبح من الذنب: (وَمِنْهُمْ
مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمُحيطَةٌ بِالكافِرين) .(2)
وكان منهم أيضاً المنافقون الذين تظاهروا بالاِسلام، فثبَّطوا الناس عن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وخوفوهم من قوّة الرومان، و اعتذروا بالحر الشديد:
(وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُون) .(3)
كما أنّ مجموعة من الخونة ألّفت شبكة جاسوسية في المدينة، تمكن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) من القضاء عليها بهدم المكان الذي اجتمعت به
وحرقة، وهو بيت سويلم اليهودي.
____________
1 . مغازي الواقدي:2|988؛ السيرة النبوية:3|578؛ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة
الاِمامية:352.
2 . التوبة:49.
3 . التوبة:81.
===============
===============
===============
===============
4. مسجد ضرار ===============
أصبح أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة، الذي استشهد في أُحد، من
المتعاونين مع المنافقين، الذين خططوا دائماً للتخريب و إفساد أعمال
الاِسلام،ولذا قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتقاله فهرب إلى مكّة و منها
إلى الطائف ثمّ إلى الشام، فقاد منها شبكة تجسسية لصالح المنافقين. وكتب في
إحدى رسائله إلى جماعته، يطلب منهم أن يبنوا مسجداً في قباء في مقابل مسجد
المسلمين ليتخذوه مركزاً لتخطيط وتنفيذ موَامراتهم. وكان النبي «صلى الله عليه
وآله وسلم» قد رفض من قبل طلبهم هذا قبل مسيره إلى تبوك، فاستغلوا غيابه
فأقاموه. و لمّا عاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبوا منه أن يوَدي ركعتين فيه
ليسبغوا عليه الصفة الشرعية، إلاّ أنّ جبرائيل (عليه السلام) أوحى إليه «صلى الله
عليه وآله وسلم» بحقيقة الاَمر والنية، وسمّاه مسجد ضرار ووصفه بأنّه مركز
لاِيجاد الفرقة والتآمر بين المسلمين:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً
وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُوَْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْحارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلفُن إِنْ أَردْنا
إِلاّالحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى
مِنْ أَوَّل يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهّرِينَ).(2)
____________
1 . السيرة الحلبية: 3|165.
2 . التوبة:107.
5. وفد ثقيف
وهي من القبائل العنيدة التي تصلبت في موقفها أمام المسلمين،وخاصة
عندما حاصرهم الجيش الاِسلامي، فلم يتنازلوا أو يسلموا، إلاّ أنّ موقفهم تغيّر بعد
غزوة تبوك التي أشهرت قوّة المسلمين،وخوفت عدّة جهات، ممّا دفع عروة بن
مسعود الثقفي أحد سادتهم إلى أن يقدم إلى المدينة ويعلن إسلامه على يدي
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يرجع إلى قومه داعياً لهم إلى الاِسلام،
فرشقوه بالنبال والسهام حتى استشهد.
إلاّ أنّ موقفهم المتصلب تغيّر بعد فترة حينما علموا أنّمصالحهم التجارية
وغيرها معرضة للخطر إذا لم يحسنوا علاقاتهم بالمسلمين، فقرروا التوجه إلى
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلان إسلامهم، فأوفدوا عنهم عبد ياليل مع
خمسة رجال للتفاوض مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،وهناك أمر
النبيبإكرامهم،وعين «خالد بن سعيد» قائماً بشوَون صيافتهم.
وفي المفاوضات التي جرت بين الطرفين، اشترط عليهم الرسول «صلى
الله عليه وآله وسلم» أن يهدموا الاَصنام فرفضوا أوّل الاَمر، ولكنّهم أطاعوه بالتالي
على أن يقوم أشخاص غرباء ـ ليسوا من قبيلتهم ـ بهدمها. كما طلبوا إعفاءهم من
الصلاة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا خير في دين لا صلاة فيه». ثمّ وقّع
____________
1 . السيرة النبوية:2|530؛ بحار الاَنوار: 20|253.
===============
6. إعلان البراءة من المشركين في منى
في أواخر هذا العام ـ 9هـ ـ نزل جبرائيل (عليه السلام) على النبي «صلى الله
عليه وآله وسلم» مع عدّة آيات من سورة البراءة، يطلب أن يتلوها رجل يختاره
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في موسم الحج. وقد تضمنت الآيات رفع
الاَمان عن المشركين، وإلغاء جميع العهود ـ إلاّما التزم بها أصحابها ولم ينقضوها ـ
فيبلغ ذلك إلى روَوس المشركين ليوضحوا موقفهم تجاه الدولة الاِسلامية خلال
أربعة أشهر، فإذا لم يتركوا ما هم عليه من شرك ووثنية خلال الاَربعة أشهر، نزعت
عنهم الحصانة ورفع عنهم الاَمان. أمّا الدوافع التي كانت وراء صدور هذا العهد:
البراءة:
1. كان التقليد السائد عند العرب جاهلياً أن يعطي زائر الكعبة ثوبه الذي
يدخل به مكة إلى فقير، ويطوف بثوب آخر، وإذا لم يكن له ثوب آخر، فإنّه
يستعيره ليطوف به حول البيت، وإن لم يجد طاف عرياناً بادي السوأة، حتى لو
كانت إمرأة، فإنّها تطوف عارية بالبيت على مرأى من الناس، وهو الاَمر الذي
____________
1 . كان أحدثهم سناً.
2 . السيرة النبويّة:2|537؛ السيرة الحلبية:3|216؛ أُسد الغابة:1|216.
===============
===============