4. عمرة القضاء(1)
بعد مضي عام و احد على توقيع معاهدة صلح الحديبية، وعلى ضوء المادة
التي تسمح للمسلمين بأداء العمرة في العام التالي، فقد قرروا التوجه إلى مكّة،
وخاصّة أنَّهم كانوا قد تركوها سبعة أعوام بعدوا فيها عن وطنهم. فاستعد ألفان
للانضمام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أداء العمرة، كان من ضمنهم
شخصيات بارزة ملازمة له (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال فترة وجوده في
المدينة. وكان ذلك يوم الاِثنين 6 من شهر ذي القعدة. كما أنّ النبي «صلى الله عليه
وآله وسلم» تحسباً لاَي طارىَ أعدّ مائتين من الاَفراد مسلّحين وضعهم خارج مكة
على مقربة من الحرم للتدخل في أية مشكلة تصدر حيالهم.
وفي مكة خرج الاَهالي منها إلى روَوس الجبال وقالوا: لا ننظر إلى محمد
ولا إلى أصحابه، فكانوا يراقبون المشهد من بعيد.
وقد بهرت أصوات المسلمين مكبّرين كلَّ سكان مكة وسحرت قلوبهم
وجلبت عطفهم على المسلمين،مثلما أرعب اتّحادهم ونظامهم والتفافهم حول
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفئدة المشركين.
وطاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبيت على راحلته،وأمر عبد
اللّه بن رواحة أن يردّد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص: «لاإله إلاّ اللّه وحده وحده،
صدق وعده، ونصر عبده،وأعزّ جنده، وهزم الاَحزاب وحده» فردّدها المسلمون
وراءه. ثمّ أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بلالاً أن يوَذن على ظهر الكعبة لصلاة
الظهر، فانزعجوا بسبب الاَذان، وأحرجتهم مضامينه التي كانت ضدّ ما يحملونه
من معتقدات باطلة موروثة.
____________
1 . سميت عمرة القضاء لاَنّها كانت بدلاً عن العمرة التي منع النبي والمسلمون عنها في العام
السابق لها.
===============
===============
أحداث السنة الثامنة من الهجرة
1. معركة موَتة
بعد وقوع الاَحداث السابقة، واستقرار الاَمن في الحجاز بين المسلمين
وقريش والاَطراف المعادية الاَُخرى، وضعف نفوذ اليهود وسطوتهم، فكّر النبي
الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يركز في دعوته على سكان مناطق
الحدود عند الشام، فوجه لهذا الغرض «حارث بن عمير الاَزدي» يحمل كتاباً إلى
أمير الغساسنة: الحارث بن أبي شمر الغساني، الذي حكم بصرى، فقبض على
سفير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في موَتة وقتله مخالفاً بذلك كلّ الاَعراف
الدولية التي تقضي باحترام السفراء وحصانتهم، ممّا أغضب
الرسولوالمسلمين،فقرر الاقتصاص من قاتل سفيره.
وبالاِضافة إلى ذلك، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد بعث في
شهر ربيع الاَوّل من هذه السنة 15 رجلاً إلى منطقة ذات أطلاح من أرض الشام
خلف وادي القرى، لدعوة الناس إلى الاِسلام، إلاّ أنّ الاَهالي قتلوهم عن آخرهم
موَثرين عز الشهادة على ذل الاَسر، إلاّجريحاً منهم تمكن من الوصول إلى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) ليخبره بالحادث.
وقد أثر هذان الحادثان على الوضع السياسي بين الجانبين، فأمر النبيّ
(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج إلى الجهاد في شهر جمادى، ووجه جيشاً
قوامه 3 آلاف مقاتل لتأديب هوَلاء المخربين والغدرة، وعين القائد عليهم «جعفر
بن أبي طالب» فإن قتل فزيد ابن حارثة، فإن أصيب، فعبد اللّه بن رواحة، فإن
اصيب فليرتضي المسلمون بينهم رجلاً عليهم.
وقد خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه مع جماعة من أصحابه
===============
===============
2. غزوة ذات السلاسل
إنّ الاطّلاع المبكر على أسرار العدو العسكرية، ومعرفة حجم طاقاته ومبلغ
استعداداته واكتشاف خططه، يعد من العوامل الجوهرية الموَثرة في الانتصار عليه.
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من ابتكر في تاريخ الاِسلام جهازاً
خاصاً بهذا العمل في صورة منظمة، وتبعه الخلفاء من بعده، حين استعانوا
بجواسيس وعيون للعمل في المجالات العسكرية والاِدارية.
واستطاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة ذات السلاسل أن
يطفىَ نار فتنة باستخدام معلومات دقيقة علمها عن العدو، قبل أن يخسر الكثير
بغير ذلك. فقد علم من عناصر المخابرات الخاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم)
أنّ أعداداً كبيرة متحالفة تجمعوا في منطقة وادي اليابس هدفوا إلى التوجّه نحو
المدينة للقضاء على قوّة الاِسلام والمسلمين، وقتل النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» والاِمام علي (عليه السلام) خاصة. فأمر الرسول بنداء «الصلاة جامعة» أي
دعوة الناس إلى الاجتماع به (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «صلى الله عليه وآله
____________
1 . السيرة النبوية:2|381.
2 . بحار الاَنوار:21|54؛ المغازي:2|766.
===============
===============
3. فتح مكّة
أخلّت قريش باتفاقية الحديبية ونقضتها، حينما زودت قبيلة بني بكر
بالاَسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة
المتحالفين مع المسلمين فيغيروا عليهم ليلاً ، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. و
أُبلغ النبيبما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم النصرة. ولكن قريشاً
ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على خزاعة، واشتراكهم معها في العدوان،
فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى المدينة لتطييب خاطر النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة الصلح، إلاّ أنّه عندما وصل
إلى بيت ابنته أُمّ حبيبة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يجد التقدير
والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه مشرك نجس، فتوجه إلى الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّمه حول إمكانية تجديد العهد، فلم يرد عليه وهو
ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون
____________
1 . العاديات:1 ـ 5.
2 . تاريخ الطبري:2|315؛ السيرة الحلبية:3|190؛ المغازي:2|769.
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
هدم بيوت الاَصنام ===============
وللقيام بهذه المهمة الضرورية، أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرقاً
عسكرية إلى ضواحي مكة وداخلها وفي بيوتها لهدم الاَصنام المتواجدة فيها، كما
أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من كان في بيته صنم فليكسره». و أرسل خالد
بن الوليد إلى تهامة لدعوة قبيلة جذيمة بن عامر وهدم أصنامهم، ونهاه النبيعن
القتل أو إراقة الدماء. إلاّأنّه لما كانت هذه القبيلة قد قتلت أيّام الجاهلية عمّ خالد
____________
1 . في سورة الممتحنة 12: (ألاّ يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا
يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف) .
4. معركة حنين ===============
وبعد أن استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة مدّة خمسة عشر
يوماً، غادرها إلى أرض قبيلة هوازن و ثقيف، بعد أن عيّن معاذ بن جبل ليُعلّم
الناس القرآن وأحكام الاِسلام، وعتاب بن أسيد لاِدارة الاَُمور والصلاة بالناس
جماعة في مكة المكرمة.
وقد بلغ الجيش الذي سار به إلى هوازن: 12 ألف مسلحاً، إذ شاركه هذه
المرة ألفان من شباب قريش الذين أسلموا بعد الفتح بقيادة أبي سفيان.(3) إلاّ أنّ كلّ
ذلك العدد الكبير لم يساعد في النجاح والانتصار كما ذكر القرآن الكريم: (لَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين) (4) وقد برز من طرف العدو:
مالك بن عوف النصري الذي عرف بالفروسية والشجاعة، كما أنّه أدار الاتّصالات
المكثفة بين هوازن وثقيف، لاِخراج خدعة عسكرية توجه منها ضربة إلى جيش
____________
1 . السيرة النبوية: 2|420؛ الكامل: 1|173؛ إمتاع الاَسماع:1|400.
2 . مجالس ابن الشيخ: 318.
3 . طبقات ابن سعد:2|139؛مغازي الواقدي:3|889.
4 . التوبة:25.
===============
5. غزوة الطائف
سكنت قبيلة ثقيف، واشتركوا مع هوازن في قتال المسلمين، وهربوا بعد
المعركة السابقة إلى الطائف متحصنين في قلاعها وحصونها، فأمر النبي «صلى الله
عليه وآله وسلم» بالاِعداد لمطاردتهم وملاحقتهم حتى ديارهم. فأرسل فريقاً
عسكرياً بقيادة أبي موسى الاَشعري لملاحقتهم في أوطاس، فأحرز انتصاراً كبيراً
على العدو. وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد توجه بجيشه إلى الطائف،
حيث هدم حصن مالك بن عوف في طريقه، وسواه بالاَرض، حتى لا يستغله
العدو فيما بعد.
واشتهرت حصون الطائف وقلاعها بالمنعة وارتفاع الجدران، فتمكنوا من
ردّ المسلمين عن طريق حذفهم ورميهم، الذي أدّى إلى تراجعهم. فاقترح سلمان
الفارسي أن يرمى الحصن بالمنجنيق ـ الّذي يأخذ دور الدبابة في الحروب
الحديثة ـ فبدأوا برمي الحصون وأبراجها بالحجارة طوال عشرين يوماً، ممّا أصاب
عدداً من المسلمين في هذه الاَعمال.(2)
وممّا يذكر أنّ سلمان الفارسي هو الذي صنع جهاز المنجنيق، وعلّم
المسلمين كيفية استخدامه، بينما يرى آخرون أنّ المسلمين حصلوا على هذا
____________
1 . إمتاع الاسماع:1|409.
2 . السيرة النبوية:4|126 ويرى ابن هشام أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من
استخدم المنجنيق في الجزيرة العربية.
===============
===============
===============
===============
===============