===============
الفصل الثامن
1. أحداث السنة السابعة من الهجرة
===============
===============
أحداث السنة السابعة من الهجرة
1. إعلان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
عن رسالته عالمياً
كان من نتائج المعاهدة السابقة، أنّها أعطت الفرصة للنبيليفتح باب الاتّصال
مع زعماء وملوك العالم وروَساء القبائل ورجال الدين المسيحي، فوجّه إليهم
الرسائل عبر سفرائه ورسله، وهي خطوة اتّخذها الرسول «صلى الله عليه وآله
وسلم» بعد 19 عاماً من الصراع مع قريش المتعنّتة، فقد أشغلته الجبهة الداخلية
ومشكلاتها وأجبرته على أن يصرف كثيراً من وقته في ترتيب البيت الاِسلامي،
وشوَون الدفاع عن حياض الاِسلام وكيان المسلمين.
ولدينا الآن نصوص 185 رسالة وكتاب من قِبَل رسول اللّه ص أرسلها إلى
عدّة أطراف وشخصيات محلية وعالمية تدعوهم إلى تقبّل الدين الاِسلامي، كما
تتضمن عقد مواثيق عقدها مع روَساءالقبائل، قام بجمعها وضبطها أرباب السير
وكُتّاب التاريخ، وهي تكشف عن أُسلوب الاِسلام في الدعوة والتبليغ، وأنّه يعتمد
على المنطق والبرهان، لا على السيف و القهر، وعلى الاِقناع لا الجبر.(1)
____________
1 . أفضل ما تناول الموضوع من مصادر كتابان: أ. الوثائق السياسية للبروفيسور محمد حميد
اللّه حيدر آبادي الاَُستاذ بجامعة باريس.
ب. مكاتيب الرسول للعلاّمة المحقّق الشيخ علي الاَحمدي.و هويمتاز بتحقيقات وتحليلات
أدبية وتاريخية وسياسية إسلامية في غاية الاَهمية.
===============
===============
ومن أبرز مبعوثيه ورسله إلى العالم: ===============
1. دحية بن خليفة الكلبي: بعثه إلى قيصر الروم في القسطنطينية.
وقد توجه إلى بصرى حيث كان معه رسالة إلى حاكمها،فساعده في
الوصول إلى بيت المقدس التي كان قيصر الروم قد اتجه إليها. ولما قيل له أنّعليه
أن يسجد عند مقابلة قيصر، رفض على أساس أنّه لا يسجد لغير اللّه: «إنّما جئتكم
من قِبَلِ نبي لاَبلّغ ملككم بأن عهد عبادة البشر قد انقضى وانتهى، وأنّه لا يحق
السجود إلاّ للّه وحده، فكيف يمكنني ذلك وأنا أحمل هذه الرسالة التوحيدية
إليكم؟».(1)
وقرأ ترجمان القيصر كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه: «بسم اللّه
الرّحمن الرّحيم، من محمّد بن عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتّبع
الهدى. أمّا بعد، فإنّما عليك إثم الاَريسيين. و(يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ
بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَوَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ
اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهدوا بِأَنّا مُسْلِمُون)(2) . محمد رسول اللّه».
وكان قيصر قد حصل على معلومات وافية عن الرسولمن أبي سفيان الذي
كان متواجداً في هذا الوقت في الشام في تجارته، كما كتب إلى أحد علماء الروم
يسأل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابه:
«هذا النبي الذي كنّا ننتظره،بشّرنا به عيسى بن مريم».ولذا فإنّه دعا قومه إلى
الاِيمان به صوبالاِسلام، إلاّأنّهم رفضوا ذلك وثاروا عليه، فأسكتهم،ثمّ أمر بإكرام
دحية،وكتب جواباً على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرسل معه هدية
إليه ص.
____________
1 . طبقات ابن سعد:1|259.
2 . آل عمران:64.
2. عبد اللّه بن حذافة السهمي: إلى البلاط الفارسي.
حكم فارس خسرو برويز ثاني ملك بعد أنو شيروان، فجلس على العرش
مدّة 32 عاماً قبل الهجرة النبوية، وتميز عهده بالاضطراب وعدم الاستقرار، بالرغم
من أنّ النفوذ الاِيراني قد امتدّ حتى شمل آسيا الصغرى حتى مشارف
القسطنطينية، كما استولى على صليب عيسى المقدس عند النصارى وأحضره إلى
المدائن، إلاّ أنّ الاَحوال السيّئة وأساليب الحكم غير الصحيحة أدّت إلى ضعف
هذه الدولة وخروج المستعمرات من تحت نفوذها، ممّا ساعد على اجتياح الروم
لاَراضي إيران،وهروب الامبراطور خسرو برويز، الذي أثار بذلك السخط عليه،
فقتله ابنه شيرويه. و برويز هذا هو الامبراطور الذي اشتهر بأنّه مزّق رسالة النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وعامل رسوله بجفاء وسوء أدب، وفيما يلي نص
الرسالة إليه:
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس.
سلام على من اتبع الهدى وآمن باللّه ورسوله، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا
شريك له وأنّمحمّداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية اللّه، فإنّي أنا رسول اللّه كافة
لاَنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين. أسلم تسلم. فإن أبيت فعليك إثم
المجوس».
وقد مزق الاِمبراطور الكتاب عند قراءة أوّل جملة منها ودون أن يعلم ما
كان فيها، ثمّ أمر بإخراج الرسول من قصره. وعندما أُخبر النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» بذلك قال: «اللّهمّ مزّق ملكه».(1)
إلاّأنّ اليعقوبي، ينفرد برأي آخر، بأنّالامبراطور الفارسي أرسل هدية من
حرير ومسك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . ويوافقه على رأيه أحمد بن
حنبل فقط الذي قال: أهدى كسرى لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقبل
____________
1 . طبقات ابن سعد:1|260.
===============
3. حاطب بن أبي بلتعة، إلى مصر:
وقد نصت الرسالة إلى المقوقس حاكم مصر: «أسلم يوَتك اللّه أجرك
مرّتين. فإن توليت فإنّما عليك إثم القبط».
____________
1 . مسند أحمد بن حنبل:1|96.
2 . بحار الاَنوار:20|391.
===============
4. عمرو بن أمية الضميري، إلى الحبشة
اختير عمرو لتسليم كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى نجاشي
الحبشة الملك العادل، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أرسل إليه من
قبل رسائل بشأن المهاجرين المسلمين للاعتناء بهم ورعايتهم.
وشمل كتابه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المرة دعوته إلى الدين: «أحمد
اللّه الذي لاإله إلاّهو الملك القدّوس السَّلام الموَمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى بن
مريم روح اللّه وكلمته، وإنّي أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، والموالاة على
____________
1 . طبقات ابن سعد:1|260.
2 . طبقات ابن سعد:1|260.
===============
5. شجاع بن وهب: إلى أمير الغساسنة:
انزعج ملكها«الحارث بن أبي شمر الغساني» ممّا قرأ في آخر الكتاب:«وإنّي
____________
1 . السيرة الحلبية:3|248؛ إعلام الورى: 45.
2 . السيرة الحلبية:3|248؛ الطبقات الكبرى:1|259.
3 . تاريخ الطبري: 2|294؛بحار الاَنوار: 20|392.
===============
6. سليط بن عمرو إلى ملك اليمامة: هوذة بن علي الحنفي:
ونص خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه «إعلم إنّديني سيظهر إلى
منتهى الخف والحافر (أي يعم الشرق والغرب) فأسلم تسلم واجعل لك ما تحت
يديك».
وقد استطاع السفير بما أُوتي من قوّة في المنطق وشجاعة أدبية وخبرة
بالاَسفار، أن يقنع ملك اليمامة بقبول مبادئه وأهدافه. كما نصحه أحد الاَساقفة
بتقبل الدين الجديد، وأنّه هو النبي الذي بشّر به الاِنجيل. فكتب كتاباً إلى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيه: «ماأحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر
قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إليّبعض الاَمر اتّبعك» أي أنّه
طلب أن يجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة من بعده. فقال الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ولا كرامة،لو سألني سيابة من الاَرض ما فعلت.
اللّهمّ أكفنيه.(2)
____________
1 . السيرة الحلبية:3|255؛ طبقات ابن سعد:1|261.
2 . نفس المرجع السابق. سيابة من الاَرض: أي قطعة من الاَرض.