Google
    Web  islamology.org البحث  في  

 

 

  نداء الروح

الإمام علي بن أبي طالب (ع)

القرآن الكريم

دعاء كميل

دعاء مكارم الاخلاق

دعاء أهل الثغور

دعاء التوبة

زيارة أمين الله

دعاء السّحَر الكبير

أدعية الأيام
كلمات للعبرة

وصايا ومواعظ

 

from bayynat.org

الإمام علي (ع): شخصيته وعلمه

في رحاب الغدير ويوم الولاية لعلي

الإمام علي (ع) وموقفه من الخلافة

آفاق الإمام علي (ع) ومبادىء وصيته الخمس

تأملات في تجربة الإمام علي(ع)

أسئلة وأجوبة حول الإمام علي (ع)

الإمام علي(ع): العابد والصابر المحتسب

الإمام علي(ع) في مواجهة المعارضة

الإمام عليّ بن أبي طالب(ع): من النشأة إلى الاستشهاد (جديد)

الإمام علي(ع) في مواجهة المعارضة

واجهت الإمام علي (ع) جملة من المشكلات، سواء كان قبل تولي الخلافة أو بعدها، وكان دائماً يعمل على جعل مصلحة الأمة في مقدمة اهتماماته، ولذلك كان(ع) لا يبدأ قتالاً إلأّ بعد أن يستنفد كل الأساليب الحوارية والسلمية، محاولاً أن يجنِّب الأمة ـ ما أمكن ـ الانقسامات وحالات التشظّي. كان الحق ديدنه، وإرساء دعائم الدولة الرسالية غايته وهدفه، وكان يقدّم لنا الأنموذج الأمثل في اتخاذ المواقف، ويخطّ لنا النهج القويم في حركة التعاطي مع الواقع... سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، يسلط الضوء على هذه التجربة في مرحلة تعتبر مفصلية في تاريخ الأمة.

التجربة الصعبة:

عاش الإمام علي (ع) التجربة الصعبة عندما كان خارج موقعه الطبيعي الذي جعله اللّه له، وهو خلافة المسلمين، ومع كل ذلك، فإنّه كان يردِّد كلمته الخالدة: "لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين"، فقد كان يعتبر نفسه مسؤولاً وهو خارج الخلافة، كما كان مسؤولاً عندما تولاّها فيما بعد، فالخلافة لم تكن طموح علي (ع)، وإنّما كانت رسالته ومسؤوليته، وكان يشير إلى نعله ليقول: ((إنّها أعظم من إمرتكم هذه، إلاّ أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً)).

وعندما استلم الخلافة، أصبحت الأزمة أشد تعقيداً من قبل، وفي ذلك يقول: "فلما نهضت بالأمر، نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]. بلى واللّه، لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها"... "فيا للّه وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر؟!"(1)

فالمشكلة كانت تتحرك في دائرتين: الدائرة الأولى: وهي دائرة الطامحين للخلافة، والذين حاولوا الوصول إليها في أسلوبين: أسلوب (طلحة والزبير) اللذين كانا يريدان لعلي (ع) أن يشاركهما الخلافة، وأسلوب معاوية بن أبي سفيان الذي كان يريد لعلي (ع) أن يطلق يده في مصر والشام ليحكمهما من دون ضوابط كما كان سابقاً، وإلاّ فإنّه سيطالب بدم عثمان. وكانت مشكلة علي (ع) مع هذه الفئة وتلك، هي مشكلة الذين يريدون أن يحدثوا الخلل في نظام الأمّة.

والدائرة الثانية: وهي دائرة الخوارج الذين لم تكن مشكلته معهم كمشكلاته مع الطامحين للخلافة مشاركةً أو استقلالاً، بل كانت مشكلة فكرية، حيث كانوا يفهمون الإسلام بطريقة متخلّفة، ويعتبرون تخلّفهم مقدساً، ولذلك كانوا يكفّرون كلّ من لا يلتقي بهذا التخلّف. فكيف عالج علي (ع) هاتين المشكلتين؟

كان الخط البيانيّ العريض في كلّ هذه المشاكل التي أحاطت بعلي (ع) من طلحة والزبير ومعهما أم المؤمنين عائشة ومعاوية والخوارج، هو الخط الإسلامي الذي آمن به، والذي انفتح القرآن به على الناس، ألا وهو أن لا يقمع في البداية أية معارضة، سواء كانت معارضة سياسية أو فكرية، ولا سيما في الساحة الإسلامية، وكانت المسألة عند علي (ع)، هي أن يفتح قلوب هؤلاء على الحقيقة، وأن يقيم الحجّة عليهم، ما دامت القضية قضية معارضة في الخطّ أو في الفكر(2).

فلو درسنا (نهج البلاغة) في كتبه إلى طلحة والزبير، أو في حديثه المباشر معهم، وفي كتبه إلى معاوية، وفي حواره مع الخوارج، لرأينا علياً (ع) ذلك الإنسان الذي يحرّك الفكرة مع خصومه بكلّ إنسانيته، وكلّ روحية القائد الداعية الذي يريد للآخر أن ينفتح على الحقّ، ولم نجد في أي كتاب من كتبه، أو أي حوار من حواراته عنفاً، إلاّ إذا كان العنف هو الوسيلة التي يردّ بها عنف الآخر. فكان لا يبدأ بعنف في الكلمة، بل كانت كلمته رقيقة، وكان يتواضع لمحاوره، حتى لتحار هل إنّ علياً (ع) ذلك البطل العظيم الذي جاهد من أجل الإسلام، يخاطب الناس بهذه الطريقة؟! هكذا كان نهج مدرسة علي التي هي مدرسة الإسلام. وقد علّمنا اللّه سبحانه وتعالى مما لم نتعلّمه في واقعنا الإسلامي، حيث يقول: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وهي الكلمة الطيّبة والأسلوب الطيّب والمناخ الطيّب والروح الطيّبة {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}، لأنّ الظالم ليس إنسان الحوار، بل هو يريد أن يقمعك ويصرعك ويصادر إرادتك. وكذلك علّمنا الله مما لم نأخذ به: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت:46]. أي تعالوا إلى مواطن اللقاء لا إلى منطق العصبية(3).

ولا بد لنا من أن نتوقف عند هذه الأحداث، لكي نتعرّف الظروف التي جعلت الناكثين والقاسطين والمارقين تتضافر جهودهم ضدّ أمير المؤمنين (ع).

قتال طلحة والزبير:

أما الناكثون، فيمثّلهم طلحة والزبير ومن سار معهما، وكانا قد بايعا علياً (ع) بالخلافة، ولكنهما أرادا من علي (ع) أن يشاركهما فيها بكل مسؤوليّاتها، انطلاقاً من كونهما صحابيين لرسول الله (ص)، ولكن الإمام (ع) قال لهما، إن لكما عليَّ أن أستشيركما، أما مسألة المشاركة في الحكم لمجرّد الصحبة، فليس لها أي قاعدة إسلامية أو قانونية. وسارت الأمور في اتجاه آخر، فكان أن أقنع طلحة والزبير أمَّ المؤمنين عائشة بأن تسير معهما وتؤلِّب الناس على الإمام علي (ع)، مستغلّين الجانب العاطفي باعتبارها زوج الرسول (ص)، وهي ـ بحسب القرآن ـ أمُّ المؤمنين، وربما شعرا أنهما عندما يخرجان بأنفسهما، فقد لا يجدان أحداً يستجيب لهما، ولذلك قد يكون لخروج عائشة معهما إيحاء لدى الناس بأن نقضهما لعهدهما مع الإمام علي(ع)، إنما لأنه لم يسر على الخط المستقيم، بدليل أن زوج النبي (ص) معهما. ولكن الإمام حاول ثنيهما عن ذلك بأكثر من حوار ـ وهو رجل الحوار الأول ـ وبمختلف الوسائل، وحتى عندما دعا (ع) الناس إلى نصرته، لم يدعهم إلى القتال، بل قال لهم إني أريدكم أن تسيروا معي من أجل إصلاح الأمر. وقد كانت عظمته (ع) في تواضعه مع الشعب أنه قال لهم ـ كما في نهج البلاغة ـ: تعالوا إليّ، فإن رأيتموني على حق فكونوا معي، وإن رأيتموني على باطل فحاسبوني واستعتبوني، بمعنى قوِّموني. فمن الذي يقول مثل ذلك غير الإمام علي (ع) الذي يعطي القيمة للناس ويحترمهم، ولا يريد أن يفرض عليهم شيئاً، في الوقت الذي يملك الولاية عليهم؟!(4)

واضطر الإمام (ع) في النهاية إلى دخول الحرب، بعد أن استنفد الحوار والجدال، حتى إنه أمر أحد أصحابه بأن يحمل القرآن ويدعوهم إلى كتاب اللّه، ولكنهم قتلوا ذلك الفدائي عندما وقف بين الصفّين. وانتصر الإمام علي (ع) في حرب البصرة، وكانت قمة إنسانيته في ما يتعلق بزوج النبي (ص)، أنه أرسل معها جمهوراً من النساء، ولكن ـ كما تقول أخبار السيرة ـ إنهن كُنّ على هيئة الرجال، وأمرهن برعايتها حتى يوصلنَها إلى مأمنها، وعائشة ـ بحسب الرواية ـ لم تكتشف ذلك، وقالت إن علياً أرسل معها رجالاً لهذا الغرض، ولكنهن كشفن عن أنفسهن، فأسقط في يد عائشة. ولذلك فإن علياً (ع) لم يختر الحرب، ولم يخرج ليحارب، بل خرج حتى يستقيم الأمر(5).

الحربُ ضدّ معاوية

أما القاسطون، فهم معاوية وأهل الشام معه في ذلك التاريخ؛ فإن معاوية عندما وُلِّي الشام، فكّر منذ البداية في أن تنطلق مملكته منها، لأنه كان يدرك أنه لا يستطيع أن يركِّز حكمه في مكّة والمدينة، لأنها كانت موقع قوة المهاجرين والأنصار، ولكنه استغل موقعه في الشام منذ زمن عثمان، والشام بلد الخيرات، واستطاع من خلال ذلك أن يحصل على مال كثير. وكان مقتل عثمان فرصة ذهبية له، لأن عثمان من بني أمية، ومعاوية هو المطالب بدم عثمان، فاتهم علياً (ع) بأنه يحمي قاتلي عثمان، وأخذ يطلب تسليمه قتلة عثمان، وربما كان يتّهمه بأنه كان يشجع على قتل عثمان. وهنا دخل الإمام علي (ع) في حوار مرير متنوع الأغراض مع معاوية. فعندما نقرأ الكتب المتبادلة بين معاوية والإمام(ع)، نجد أن معاوية كان يحاول دائماً أن يُسيء إلى الإمام (ع) بالكلمات المهينة، ولكن الإمام (ع) كان فوق ذلك كله، وكان في ما قاله الإمام (ع) لمعاوية: إذا كنت تطالب بدم عثمان، فلماذا لم تنصره حينما هجم القوم عليه وتأخرت عن نصرته؟ ثم أنْ تطالب بقاتل عثمان، يعني أن تقدِّم دعواك لننظر فيها، وعند ذلك يأخذ الحكم الشرعي مجراه. ولكن معاوية كان يعمل على استغلال هذا الشعار ـ وهو المطالبة بقميص عثمان ـ والذي أصبح مثلاً في التاريخ(6).

ثم أعلن معاوية انفصاله عن الخلافة الإسلامية للإمام علي (ع)، والتي أجمع عليها المسلمون، وبدأ يتحرك كشخصية مستقلة عنها، ويدعو الناس إلى الحرب، ما جعله يشكِّل خطراً على النظام الإسلامي العام، لأنه ـ بذلك ـ أدخل الواقع الإسلامي في فتنة عمياء كما تكشّفت عنه الأحداث فيما بعد. وقد حاول الإمام علي (ع) بمختلف الوسائل، أن يرشد معاوية ويبيّن له خطورة تحركه، ولكن معاوية كان صاحب مشروع، ولم يكن يملك معطيات القضية بالمعنى القانوني، ما اضطر الإمام (ع) في نهاية المطاف لأن يدفع بجيشه إلى قتال معاوية لفرض النظام، لأنه لو تركه وترك غيره، لاختلّ كل واقع النظام الإسلامي في ذلك الوقت.

وقد دفع الإمام (ع) بكل أخلاقياته ليضغط على هذه الحركة، ولذلك لاحظنا في مسيرته نحو (صفين)، أنه كان يربّي أتباعه على الأخلاق الإسلامية في طريقة ردِّ الفعل مع الناس الذين يختلفون معهم، وهذا ما ذكر في (نهج البلاغة)، عندما سمع (ع) قوماً من أهل العراق يسبّون أهل الشام نتيجةً للحالة النفسية، والسبّ يعتبر ـ عادةً ـ وسيلةً من وسائل التنفيس عن العقدة، ومن وسائل شفاء الغيظ، فوقف(ع) فيهم خطيباً قائلاً لهم: ((إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين))، فليس من خلق الإسلام أن يأخذ المسلم بأسباب السُباب حتى عند الاختلاف، لأن السُباب إضافة إلى كونه خلقاً سيّئاً، لا يؤدي إلى نتيجة إيجابية على مستوى الرسالة، بل يؤدي إلى نتائج سلبية ويزيدها تعقيداً، كما لا يمكن أن يهدي السابّ خصمه بذلك. نعم، لكم أن تبيّنوا حقكم وتشرحوا باطلهم بطريقة موضوعية ترتكز على أساس منطق الحق. ((ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر)).

ثم أراد (ع) أن يفرغ من داخلهم الحقد على المسلمين، وأن لا تكون الذهنية التي يحملونها ضد المسلمين الذين يختلفون معهم ذهنية الحقد والتدمير، بل تبقى العلاقة الإسلامية لتكون الروحية روحية الانفتاح الذي يتطلب الصلح وحقن الدماء: ((وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)). فأيُّ منهج إنساني عقلاني كمنهج الإمام علي (ع)!! وأي روح رحبة لا تحمل أي حقد ولا تحمل أية عقدة تجاه الإنسان الآخر حتى للذين يسيئون إليها، مثل هذه الروح العلوية!! ولكن القوم لم يفهموا علياً (ع)، لأنهم لم يكونوا بمستوى أفق علي (ع)(7).

ويحدّثنا التاريخ عن المسألة الأخلاقية الثانية في حربه ضدّ معاوية، إذ حدث أن أصحاب معاوية سيطروا على الماء ومنعوا جيش علي (ع) منه حتى يموتوا عطشاً، وحينها أذن علي (ع) لأصحابه أن يقاتلوهم ويستولوا على الماء، وعند ذلك، طلب أصحابه مقابلة جيش معاوية بالمثل، على أساس قوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة/194]، ولكن علياً (ع) رفض ذلك، وقال إن الله خلق الماء للناس كافة، فلا يجوز لنا أن نمنع أحداً من شرب الماء.

وهكذا دارت الحرب، وانطلقت لتسجِّل انتصاراً لعلي (ع) بإنهاء التمرّد على الحكومة الشرعية، وكاد أن يصل مالك الأشتر إلى سرادق معاوية ـ كما تذكر الرواية ـ، فما كان إلا أن أشار عمرو بن العاص على معاوية بأن يقوم بخديعة رفع المصاحف والاحتكام إلى كتاب اللّه، وانطلق شعار: "من لثغور العراق غير أهل الشام، ومن لثغور الشام غير أهل العراق؟"، وفي وسط هذه الكلمات العاطفية، قال لهم الإمام علي (ع)، إن القوم ليسوا من الملتزمين بالقرآن وإنها خدعة، ولكن أصحاب الثفنات السود من العُبّاد الذين كانوا يعيشون العبادة ولا يملكون الوعي، خُدِعوا نتيجةً لهيمنة روح السذاجة والبساطة عليهم، وذلك انطلاقاً من سذاجة فكرية لا تدرس خلفيّات الأمور. وهكذا اختلف جيش الإمام بعضه مع بعض، حتى إن الأشتر طلب من علي(ع) أن يتركه مدة بسيطة، ليحقّق النصر على جيش معاوية، ولكن القوم هدّدوا بقتل علي(ع) إذا لم يأمر الأشتر بالتوقف عن القتال، في قضية مأساوية من أكثر ما عاشه علي (ع) من المأساة. وكانت قصة التحكيم التي فُرض فيها على علي (ع) الشخص الذي خذل الناس عنه، وهو أبو موسى الأشعري، ليكون في مقابل الداهية عمرو بن العاص، بينما كان الإمام علي (ع) يريد ترشيح ابن عباس في التحكيم. وهكذا انقلب أولئك الذين تفاعلوا مع رفع المصاحف ورفعوا شعار (لا حكم إلاّ للّه)، فخرجوا وانفصلوا عن علي (ع) وكفّروه، وحدثت الفتنة، وانتهت الحرب على هذا الأساس(8).

الموقف من الخوارج

وبدأ الإمام علي (ع) يعاني من أولئك المارقين الذين ورد فيهم الحديث عن النبي (ص)، أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ولكن علياً (ع) لم يقاتل الخوارج عندما قالوا (لا حكم إلا للّه)، مع أنها كانت كلمة حق يراد بها باطل، فاللّه سبحانه وتعالى لا يحكم بشكل مباشر، بل من خلال المؤتمنين على الحكم، ومن خلال البرنامج الذي وضعه للناس في قضايا العدل. وحاورهم الإمام (ع) وجادلهم بمختلف الوسائل، فقال لهم إذا اتهمتموني بالضلال فلم تضلّلون أمة محمد (ص) وتحاربون المسلمين، واستعمل أروع الأساليب معهم، ولم يمنع العطاء عنهم ، وكان (ع) لا يقبل أن يعرض أحد عليهم بسوء، ولكنه قاتلهم بعد أن تطوَّر أمرهم وقطعوا طريق المسلمين وقتلوا خباب وزوجته، وقال بعد ذلك: ((لا تقتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأصابه))(9).

جوهر الموقف

حاولنا أن نفصِّل هذه المسألة عن قتال علي (ع) للناكثين والقاسطين والمارقين، لنجيب عن تساءل يطرحه بعض الناس، أنَّ مَنْ تقدَّم علياً(ع) في الخلافة، فتحوا العالم على الإسلام، وكانت الفتوحات في عهد الخلفاء السابقين على أشدها، في وقت لم يكن لعلي (ع) أي دور في فتح أي بلد من البلدان، بل خاض حروباً داخلية ؟ وبعض الناس لا يزالون يتحدثون بهذه الطريقة، لأنهم ينظرون إلى الظاهر من الصورة، ولا ينظرون إلى الجانب العميق والخفي منها، وهو أن علياً (ع) لم يختر الحرب، لأنه كان يملك البرنامج الدقيق في قضية تنظيم كلِّ الواقع الإسلامي سياسياً وإدارياً وما إلى ذلك، وكان يريد للمسلمين أن يعيشوا السلام، وهذا (نهج البلاغة) يدلُّنا كيف كان الإمام علي (ع) يهتمُّ بأن يصنع الإنسان المسلم من الداخل، بالطريقة التي يجسِّد فيها الإسلام عملياً، فكان(ع) يريد أن يرفع من مستوى المسلمين علمياً، وكان يقول:((إن ها هنا لعلماً جمّاً لو وجدت له حملة))، ولكن لم يكن هناك من يحمل العلم، بل كان علي(ع) يعتبر أنّ قيمة الإنسان هو ما يملكه من العلم: ((قيمة كل امرئ ما يحسنه)). ولكن الحرب فرضت عليه، حتى إنه ـ كما أشرنا ـ عندما تمرّد القوم عليه، لم يبدأهم بقتال، ولم يذهب إلى محاربتهم، ولكنَّ الحرب كانت عنصر ضغط ليرجعوا إلى الخطِّ المستقيم، وإن كان علي (ع) قد خاض الحروب بأقسى ما يكون منذ صدر الإسلام، واستطاع في حربه ضد المشركين أن يحمي الإسلام كله من كلِّ عدوان المشركين، وكان الفارس الأول، في بدر، وأحد، والأحزاب وغير ذلك، إلا أنّ مسألة الحرب لم تكن عنده مسألة مزاج، ولكنها كانت رسالةً يتحمَّل فيها المسؤولية في الدفاع عن الإسلام، وهذا ما اعترف به المؤالف والمخالف.

لذلك، صرّح الإمام علي (ع) في برنامجه، خصوصاً في ما يتعلّق بالحرب الداخلية، أنه عندما استبطأ أصحابه إذنه لهم بالقتال لعدة أيام، بدأ الجيش يتهامسون فيما بينهم: لماذا لم يسارع علي (ع) في البدء بقتال القوم، هل كان ذلك كراهيةً للموت أو حباً بالحياة؟ وكان الإمام(ع) قد قارب الخمسين من عمره، فسمع هذا الهمس، وكان يترك للناس الحرية في أن يعلِّقوا على أعماله وأوضاعه، ولم يكن يتعقّد، ولكننا نرى أن الكثير من الرؤساء والملوك، وحتى مَنْ هم في المراكز الدينية والسياسية وغيرها، لا يقبلون أن ينتقدهم أحد، فأجابهم الإمام علي (ع): ((أما قولكم كل ذلك كراهية الموت، فواللّه ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ))، إذ لا يزال هو علي (ع) الذي يهجم على الموت. ((وأما قولكم شكاً في أهل الشام، فواللّه ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي به وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبّ إليّ من أن أقاتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها))، فالحرب عنده وسيلة ضغط حتى يرجعوا عن غيِّهم بعد استنفاد الوسائل الأخرى، فهي حربٌ في خط الدعوة والهداية، ولم يكن علي (ع) يحمل مزاج القتل، بل كان رسالياً يتحرك في الخط الذي تحرَّك فيه رسول اللّه (ص) الذي قال له: ((يا علي، أنت مني بمنـزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي))(10).

 المصادر

(1) فكر وثقافة 218، السنة السادسة: 16 ربيع الثاني/ 1422 هـ، 7 تموز/ 2001م.
(2) فكر وثقافة 218، المصدر نفسه.
(3) فكر وثقافة 218، المصدر نفسه.
(4) فكر وثقافة 310، السنة السابعة: 6 جمادى الأولى/ 1424 ه‍ـ،5 تموز/ 2003م.
(5) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.
(6) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.
(7) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.
(8) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.
(9) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.
(10) فكر وثقافة 310، المصدر نفسه.

 

الحوار في الإسلام

محطات على طريق الوحدة الإسلامية

طريق التفكير في مشروع الوحدة

عوامل تمزق المسلمين وإشكالية الوحدة

   جامع الكوفة: الجامعة الأولى للوحدة الإسلامية

حركة التاريخ في وعي أهل البيت

المضمون الأخلاقي للوحدة الإسلامية

التكفير وحديث افتراق امة الرسول - ص

حرية الإنسان حق أم واجب؟؟

المذاهب الإسلامية مدارس فقهية

 

 

 

الأكثر استماعاً

بثوب رضاك

أنس الوجود

مولاي ناجاك

دعاء  الحزين

 التضرّع والاستكانة

 


 

الاكثر مشاهدة

         :فيلم رب ارجعون
  ماذا بعد الموت

فلاش  - فاجعة الطف

فلاشات - صور- عزاء

  الصحة و الحياة  

الدعاء

الصحيفة السجادية

مفاتيح الجنان والرحمة
 

 
 

التداوي بالأعشاب يستعيد بريقه

آخر علاج للسكري

تناول الخضار يساعد على تأخير الشيخوخة

الصفحة الطبية

الحجامة اكتشاف عربي يغزو العالم

أكثر الكتب قراءة

 الشيعة في الميزان

نهج البلاغة

السيرة المحمّدية

من وحي الثورة الحسينيّة

دراسات في الكافي والبخاري

صيانة القرآن من التحريف

 المعاجم  واللغة

التعرف على القرآن

الأَمْثَـل في تفسير كتابِ الله المنزل

الطبّ محرابٌ للإيمان

الميزان في تفسير القرآن

أصل الشيعة وأصولها

البيان في تفسير القرآن

الإمام السجّاد

 

مقالات آراء و مدخلات

الهدف السامي للحياة الإنسانية

الروحية في الإسلام و المجتمع

أسس الأخلاق وركائزها

المحبة في التربية الإسلامية

الإسلام ومتطلبات العصر

الإسلام وكرامة الإنسان

السنن التاريخية في القرآن الكريم

الأصالة أو ذاتية الإسلام

 

أسس الثورة النبوية

 

خريطة الموقع