/ صفحة 185 /
في مدينة العجائب والمساجد رأيت خط الامام علي في أصفهان
وقفت تحت قبة مسجد شاه وصفقت مرة واحدة، فإذا بالصدى يعيد التصفيق 7 مرات.
وقفت على مئذنة منارة جمجم وهززتها، فإذا بها تهتز، ثم تهتز المئذنة المقابلة، ثم يهتز البناء كله.
طفت حول البركة الواسعة في قصر الاربعين عمودا (جهل ستون) لارى عجائب هندسة العشرين عمودا التي تظهر في المياه في أي زاوية وقفت من زوايا البركة الواسعة.
تأملت الثقب في قبة مسجد جهار باخ، الذي تدخله الشمس في زاوية محددة لا تتغير من الشروق حتى الغروب، وإذا أمطرت الدينا لا تتسرب نقطة ماء من الثقب إلى داخل باحة المسجد.
صعدت سلالم بناية " علي قابو " التي تبدو من الخارج طابقين، فإذا هي في داخلها سبعة طوابق، وخصص طابقها الاعلى لغرفة الموسيقى عندما كان يدخلها الموسيقيون فيعزفون ساعة أو أكثر ثم يخرجون ويقفلون الباب وراءهم، وعندما يأتي السلطان، يفتح الباب ويدخل مع نسائه فيعود صدى الموسيقى يتردد طوال الليل حتى يقفل الباب.
تجولت في السوق القديمة (البازار) التي تعتبر من أقدم الاسواق في العالم.
زرت مسجد الشيخ لطف الله، وكان أول مسجد بني بدون مئذنة، وخصص الطابق تحت الارض للنساء، والطابق الاعلى للرجال.
قضيت نصف يوم بين أركان مسجد جمعة، الذي يجمع آثار عدة فتوحات
/ صفحة 186 /
فترى فيه منابر الفتح الاسلامي، ومنابر الفتح المغولي، ومنابر السلاطين الفرس.
وسمعت الحديث عن المياه الساخنة الازلية وكيف حرم منها أهل المدينة بسبب الفضول الانكليزي.
وسمعت قصصا عن أركان كثيرة، في نواح عديدة، ينطق كل منها بصفحة من صفحات التاريخ.
كل ذلك في أصفهان، مدينة العجائب.
كل ما عرفته عن أصفهان قبل أن أزورها أنها مدينة صناعة السجاد. وكانت فيما مضى مهدا أدبيا، ومسرحا حضاريا خلال فترة طويلة من الزمن. وبعد أن زرتها عرفت وجها آخر لها.
إنها مدينة السجاد، ومدينة المساجد، ومدينة العلم، ومدينة العجائب، ومدينة الايمان، ومدينة الصناعة اليدوية، ومدينة من السماء.
وعندما تحلق الطائرة فوق سماء أصفهان، وتجول أكثر من جولة قبل أن تهبط في المطار، تتيح لك فرصة مشاهدة أروع منظر يمكن أن تطل عليه عين من الجو.
مآذن عديدة تعكس الشمس ألوانها الزاهية، وخضرة منتشرة في كل مكان، وميادين رحبة، وتربة صفراء.
وعندما تمشي في شوارعها تشعر بأنك تعيش مع ألفى سنة من التاريخ، أو ثلاثة آلاف سنة، إذ تقول أسطورة فارسية أن أصفهان بناها (تحمورش) الذي هزم ديفس وجيش العمالقة، وتفتش عن بقايا نبوخذ نصر والاسكندر.
ويروون أسماء عديدة لاصفهان: أسبانادا، سافاهان، سياهان، سياهيان، ولكن أصفهان هو الاسم الذي بقي لها من جميع ما أطلق عليها من أسماء. وقد أطلق عليها هذا الاسم سنة 644 مع الفتح الاسلامي. ومنذ ذلك الحين بقي هذا الاسم سائدا، واحتفظت المدينة بطابعها الاسلامي وهندستها الاسلامية، وخلال ألف سنة تعاقب خلالها على حكم إيران العرب والمغول والاتراك والافغان والحكام الفارسيين ترك هؤلاء آثارهم وما يدل عليهم. ولكن الحقيقة الدائمة هي أن أصفهان مدينة الصفويين وعاصمتهم، كانت أبهى أيامها في حكم الشاه عباس الكبير الذي جعل منها عاصمة حكمه في العام 1590. وشهدت أصفهان أياما
/ صفحة 187 /
بيضاء كثيرة وأياما سوداء أكثر. كانت عاصمة بعض الحكام المحليين، وكانت عاصمة إمبراطورية السلجوقيين (من أيام ملك شاه 1041 حتى أيام محمد شاه 1117) ولكنها دفعت الثمن أيام فتح جنكيز خان وهولاكو.
ميدان التاريخ:
وعندما تقف في الميدان الكبير، ميدان شاه، قلب أصفهان، تشعر وكأنك مكان الشاه عباس، وفي الميدان نفسه الذي كانت تجري فيه ألعاب الفروسية والبطولة، وكان يشهد استعراض الاسرى أو تعذيب المتآمرين.
وفي أطراف الميدان، روائع الهندسة القديمة وعجائبها، فإذا التفت يمينا وقعت على أثر، وإذا التفت يسارا شمخت وأنت تتأمل مئذنة ترتفع أكثر من خمسين مترا في السماء.
وولد هذا الميدان مع مولد المدينة، وأروع ما قيل فيه تضمنته الشاهنامة التي نظمها الفردوسي في القرن الحادي عشر، ويبلغ طوله أكثر من نصف كيلو متر وعرضه مائة وستين مترا. وفي جنباته، بوابة السوق القديمة، ومسجد الشيخ لطف الله الذي أعيد ترميمه سنة 1611 والمبنى المشهور باسم علي قابو، ومسجد شاه.
وفي شرفة مبنى علي قابو كان يجلس الشاه عباس الكبير وحوله ضيوفه لمشاهدة الالعاب الفروسية والرياضية والرقصات الشعبية الفارسية.
أجمل مسجد في العالم:
والحقيقة التي يعترف بها الجميع أن مسجد شاه هو أجمل مسجد في العالم، وتعتبر واجهته التي ترتفع 48 مترا من أورع القطع الفنية، بألوانها الزاهية، وزخرفتها الانيقة، وهندستها الرائعة وشكلها البديع. كما ترتفع فوقها مئذنتان إلى علو 52 مترا.
وقد استغرق بناء هذا المسجد 18 سنة (من 1612 إلى 1630) وجئ بالمرمر الذي استعمل في بنائه من أردستان التي تبعد مائة ميل عن أصفهان ولا يزال هذا المرمر يحتفظ بلمعانه حتى اليوم، وكأنه قطع من المرايا الصافيه.
وفي المسجد ثلاث باحات للصلاة، وهناك باحة في الهواء الطلق، والباحات
/ صفحة 188 /
الثلاث الاخرى داخلية، وجميع الباحات حافلة بالنقوش البديعة، كما كتبت على الجدران الآيات القرآنية الكريمة.
والاعجوبة الهندسية في هذا المسجد تكمن تحت قبته العالية، إذ تقف تحتها فتصفق مرة واحدة، وإذا بالصدى يعيد الصوت سبع مرات.
والكثيرون يقفون تحت القبة ويصرخون " يا الله " فإذا بالصدى يكرر " يا الله سبع مرات ".
أقرب مكان للايمان:
أما مسجد الشيخ لطف الله (1) فإنه يستجلب النظر لسببين: أولا: لانه مسجد بدون مئذنة، وثانيا للون العاجي الزاهي الذي يكسو قبته، والنقوش البديعة من حوله، والخطوط الجميلة التي كتبت بها الآيات القرآنية، وقد بنى هذا الجامع الشاه عباس تكريما للشيخ لطف الله، فحمل المسجد اسمه وكان هذا المسجد مخصصا في البداية للنساء، ولكنه فيما بعد أصبح طابقين: طابق تحت الارض للنساء وطابق فوق الارض للرجال.
والشعور الذي ينتاب زائر مسجد الشيخ لطف الله هو الشعور الدافق بالايمان، حتى أن أحد شعراء فارس قال:
" داخل مسجد الشيخ لطف الله شعرت بأني قريب جدا من الله ".
وعلى الرغم من مرور 350 سنة على بنائه فإن ألوانه وبناءه لا تزال الآن كما كانت في الماضي لم بطرأ عليها تبديل أو اهتراء، رغم حرارة الطقس في الصيف وسقوط الثلوج في الشتاء.
موسيقى في الطابق السابع: وفي وسط ميدان شاه يقف مبنى علي قابو، المكان المفضل عند السلاطين الصفويين، وقد بناه الشاه عباس في القرن السادس عشر لينزل فيه ضيوفه من الاجانب، ثم جعله قصره يستقبل فيه السفراء والعظماء والزوار ويقيم فيه حريمه.
ــــــــــــــــــــ
(1) من علماء جلبل عامل، هاجر من قرية ميس إلى خراسان في عهد الشاه عباس، فقربه ورفع من شأنه، وبنى له مدرسة وجامعا، وتوفي سنة 1033 ه. (*)
/ صفحة 189 /
وقد زينت جدرانه بلوحات أنيقة جميلة، تعطي صورة صادقة عن فن الرسم الفارسي، ومعظمها يعكس فكرة الحب، وعندما جاء الحكم القاجاري قام بتغطية هذه الرسوم والنقوش. ولكن الحكم البهلوي أعاد النقوش إلى ما كانت عليه وهذا المبنى الذي يبدو من الخارج طابقين له ثلاثة مداخل، اثنان للنساء وواحد للرجال وسلمه يتألف من 117 درجة، وهو في الواقع سبعة طوابق وأطرف وأغرب ما فيها الطابق السابع، الذي يبدو سقفه على هيئة آلات موسيقية مجوفة في الجدران والسقف.
وهذا الطابق كان طابق الانشراح والمرح عند الشاه عباس، وكان الموسيقيون يدخلون إلى غرفة خاصة في هذا الطابق ويعزفون الحان التي يفضلها الشاه، ويخرجون بعد ذلك ويقفلون الباب وراءهم. وعندما يأتي الشاه عباس يفتح الباب ويجلس مع ندمائه ونسائه، فيعيد الصدى ما عزفه الموسيقيون، ويستمر الطرب والانشراح إلى أن يقفل الباب فتسكت الموسيقى.
ولا تزال هندسة غرفة الموسيقى سرا مغلقا على الكثيرين، إذ كيف كانت تحتفظ هذه الغرفة بالانغام ثم تعيدها؟
مسجد عمره ألف سنة:
وفي أصفهان مسجد قديم قديم، يرجع عمره إلى ألف سنه هو مسجد جمعه.
وهذا المسجد يضم عدة أقسام، بنى كل واحد منها فاتح أتاح له القدر فرصة الحكم في أصفهان. ويكاد يتميز كل قسم من هذا الجامع بالطابع الخاص الذي يملكه فنانو كل فتح، ويقول البعض إن هذا المسجد إنما هو في الواقع كتاب تاريخ. فلقد بني هذا المسجد سنة 700 ميلادية، ويقال إنه بني في المكان نفسه الذي كان مصدر المياه الساخنة الازلية. وقد أعيد ترميم هذا المسجد أيام حكم الخليفة العباسي المعتصم في النصف الاخير من القرن التاسع. ولحق به الدمار في العام 1050 خلال حكم السلجوقيين وأعيد ترميمه في العام 1057.
وترك الاتراك والعرب والمغوليون والفرس آثارهم في هذا المسجد، حتى أن هناك أثرا يعود إلى الايام التي حكم فيها الافغان مدينة أصفهان.
/ صفحة 190 /
ولمسجد جمعه ثمانية أبواب، أجملها مدخل الجنوب الذي ترتفع فوقه مئذنتان وله واجهة آية في النقش الجميل والالوان الجذابة.
وعندما فتح المغول أصفهان أنشأوا قسما خاصا في المسجد كتبوا على محرابه صلاة خاصة محفورة في الخشب، كما جاؤوا بمنبر من الخشب حفر بكل إبداع، ولا يزال موجودا حتى الآن ويعود تاريخه إلى القرن السادس عشر.
وفي مسجد جمعة جناحات مختلفة لتلقي دروس الدين، وللصلاة وفيه باحات كبيرة للصلاة.
ويوم الجمعة من كل اسبوع يغص مسجد جمعه بالمصلين، ويقدر عدد الذين يصلون فيه يوم الجمعة بأكثر من ثلاثين الف شخص.
مدرسة واعجوبة هندسية:
وهناك مكان له عدة اسماء: مدرسة جهار باخ، أو المدرسة، أو مسجد جهار باخ، أو المدرسة السلطانية. وهذا المكان آخر ما بناه الحكام الصفويون في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، وقد بنى المكان الشاه سلطان حسين الذي قتل في احدى غرف هذا البناء الذي يضم 134 غرفة.
والذي أقيم في الاساس ليكون مدرسة لا هوتية يتخرج فيها علماء الدين، وقد انفق على بناء هذه المدرسة ومسجدها مبلغ طائل، وبنيت على أساس تحمل شتى طوارئ الطبيعة وتقلبات الجو، وجعل باب المدرسة من الفضة، وان كانت تحجب الفضة اليوم قطع خشبية.
وفي مسجد جهار باخ اعجوبة هندسية، ففي قبة المسجد فوهة يدخل منها النور في اتجاه معين منذ شروق الشمس حتى غيابها فلا يتغير. حتى ان هذه الفوهة لا يتسرب منها الماء إلى باحة المسجد اذا امطرت السماء.
وقد روى لي مرافقي خلال زيارتي لمسجد ومدرسة جهار باخ فقال:
لقد وضع الشاه سلطان حسين كل همه في بناء المسجد والمدرسة، ولم يكن يهمه من شؤون الدولة سوى انجاز هذا البناء والتفرغ لعبادة الله. وعندما بدأت الهجمات على إيران، كان يقول: ليأخذوا إيران وليتركوا لي أصفهان، وعندما بدأ الهجوم على أصفهان قال: ليأخذوا أصفهان وليتركوا لي هذه المدرسة
/ صفحة 191 /
والمسجد، وعندما هجموا على المدرسة لجأ إلى المسجد وقال: ليأخذوا المدرسة وليتركوا لي المسجد، ولكنه قتل في احدى غرف مدرسته، وحتى الآن لم تعرف الغرفة التي قتل فيها.
قصر الاربعين عمودا:
والمكان العجيب الاخر هو " جهل ستون " أو قصر الاربعين عمودا، وليس في القصر سوى عشرين عمودا، أما الاعمدة العشرون الاخرى فتنعكس صورتها في بركة الماء الفسيحة التي تمتد امام الاعمدة العشرين بحيث ترى ظلها في أي زاوية تقف عندها من زوايا البركة.
وكان هذا المكان عندما أنشئ استراحة خاصة للشاه عباس، ثم جعله مجلس العرش.
أما اليوم فيستعمل دائرة للآثار ومتحفا.
واغلى ما في المتحف وثيقة تعود إلى أيام الفتح الاسلامي الاولى، وقد وقفت أتأمل هذه الوثيقة أكثر من نصف ساعة.
إنها الوثيقة التي أرسلها الامام علي بن أبي طالب إلى المسيحيين يؤمنهم فيها على حياتهم. ورأيت توقيع الامام علي وبعضا من خط يده.
وإلى جانب ذلك نسخ مخطوطة عديدة للقرآن الكريم، مع أنواع قديمة للعملة التي كانت تستعمل في سالف الزمان، ولو حات فنية رسمت منذ أكثر من ثمانمائة سنة تمثل الحروب والفتوحات.
يضاف إلى هذا الرسوم الاصلية التي وجدت في قصر الاربعين عمودا عند إنشائه، ومعظمها لوحات فنية للحسان والشباب والصيد والخمر.
المآذن الهزازة:
والاعجوبة التي لا تكاد تصدق في إيران هي " منارة جمجم "، وفيها مئذنتان، وعندما قال لي مرافقي ان هذه المآذن تهتز إذا هزها الانسان، ظننته يمزح.
وصعدت إلى المئذنة الاولى، وهززتها، فإذا بالمئذنة المقابلة تهتز أولا، ثم
/ صفحة 192 /
تهتز المئذنة التي أقف فيها، ثم يهتز البناء كله.
وكدت لا أصدق ما جربت.
ثم صعد مرافقي إلى المئذنة وفعل ما فعلت، ورأيت اهتزاز المئذنتين والبناء.
وسر هندسة هذا البناء الهزاز لا يزال مغلقا حتى اليوم.
المياه الازلية الساخنة.
ويتحدثون في أصفهان عن المياه الازلية الساخنة فيقولون أن أصفهان كانت تنعم بالمياه الساخنة دائما، ولم يستطع أحد أن يعرف سر هذه المياه الساخنة ومن أين تأتي وما الذي يسخنها.
حتى جاءت بعثة من العلماء الانكليز فاستغربت مصدر المياه الساخنة وأخذت تبحث عنه، حتى وصلت إلى مكان وجدت فيه خزانا كبيرا يصب فيه الماء، وقد حفر في الصخر، ووضعت تحته شمعة سوداء صغيرة مضاءة، طولها بضعة سنتمترات.
وأطفأ العلماء الانكليز الشمعة وأخذوها إلى بلادهم ليحللوها، ولكنهم لم يستطيعوا إعادة إشعالها، كما أنهم لم يستطيعوا معرفة المادة التي تتألف منها.
ولا تزال قصة هذه المياه الساخنة لغزا من الالغاز في تاريخ أصفهان (1).
جسور قديمة.
وفي أصفهان بعد ذلك جسور قديمة ترجع إلى مئات السنين، وكلها رائعة الهندسة جميلة المنظر، وبعض الجسور أقيمت لتكون معبرا ولتكون استراحات للناس، وتضمنت هذه الجسور غرفا يجلس فيها المتنزهون أو يقضون سحابة نهارهم، يجري الماء من تحتهم وهم يطالعون أو يمرحون.
وفي أصفهان أماكن أثرية عديدة، معظمها يرتدي الطابع الديني.
وعندما نقول الطابع الديني فلا نقصد بذلك الطابع الاسلامي وحده، إذ
ــــــــــــــــــــ
(1) إن هذه الشمعة، والمأذنة وغيرها من الاعاجيب في أصفهان التي كانت في عهد الشاه عباس هي من فكر الشيخ البهائي العاملي وعلمه، فقد اهتدى إلى تحطيم الذرة واستخدمها في كثير من الختراعات، قبل أن يهتدي إليها علماء هذا العصر. (*)
/ صفحة 193 /
أن في أصفهان عدد كبير من الكنائس والمجامع لطوائف عديدة، وقد يستغرب البعض أن توجد حتى اليوم في أصفهان طائفة زارا دشتيه تعيش في مجتمعات صغيرة، ومركزها الرئيسي في نجف آباد وأرداستان.
طابع أصفهان الجديد:
وإلى جانب طابع أصفهان القديم هناك طابعها الجديد كمدينة صناعية، مشهورة بصناعة النسيج، وبشكل خاص السجاد الفاخر، والنقوش الفضية، وصناعة الدقة في تزيين الاواني الخزفية والزجاجية والخشبية.
وعلى الرغم من أن البناء الجديد أخذ يشق طريقه إلى أصفهان، إلا أن الكثيرين من الاثرياء لا يزالون يتبرعون لاقامة مزارات للاولياء يصرون على أن يكون بناؤها مطابقا للبناء القديم. وأبرز بناء حديث على الطراز القديم، جامع السيدة زينب الذي بني منذ خمسة وعشرين عاما.
والظاهرة الكبرى في أصفهان هي الدراجات.
إن الطلاب والعمال والموظفين والتجار كلهم يملكون الدراجات ويعتمدون عليها كوسيلة للتنقل، ويندر أن تجد في أصفهان شخصا لا يملك دراجة.
السوق القديمة:
ولا تكتمل زيارة أصفهان، إذا لم يقم الزائر بجولة في السوق القديمة.
وتستطيع أن تشم رائحة التاريخ وأنت تجتاز السوق القديمة مارا بدكاكين تبيع كل المنوعات من الزيت إلى السجاد إلى الخشب المنقوش والفضة المزخرفة والقماش المطبوع (كالامكار) إلى الاشياء الصغيرة التي يحملها الانسان معه تذكارا لزياراته.
ومن خلال السوق القدمية تشاهد بنايات أثرية قديمة: سراي سارو تاغي، سراي غولشان، سراي مقصد باغ، سراي مخلص، سراي تالار، ومسجد جرشي ومسجد ذوالفقار.
وفي طريق العودة، لا بد لك من أن تحمل معك أطيب ما في أصفهان:
من السماء الذي امتازت به هذه المدينة.. مدينة العجائب.. مدينة المساجد.
/ صفحة 194 /
ليس الغرض من هذا الفصل أن نثبت أفضلية الشيعة، أو فضلهم بكثرة عددهم، وانتشارهم في البلدان، وأوكثريتهم في ببعضها. لان الكثرة لا تكشف عن الحق، والقلة لا تدل على الضلال، وقديما قيل " إن الكرام قليل " وقال أمير المؤمنين الذي يدور الحق معه كيفما دار: " لا تزيدني كثرة الناس حولى غزة، ولا تفرقهم عني وحشة ". ولو كانت الكثرة تغني عن الحق شيئا لكانت الطوائف غير الاسلامية أفضل دينا، وأصح عقيدة من المسلمين، وإنما الغرض الاول أن نثبت أن الشيعة كسائر الفرق والطوائف التي لها كيانها وتأثيرها بغض النظر عن أن عقيدتها صحيحة أو زائفة. وأن الذين يتجاهلون وجودها، وينظرون إليها كفئة قليلة يمكن استئصالها، كالحفناوي ومحب الدين الخطيب، ان هؤلاء بعيدون عن الواقع كل البعد، ولا يعبرون إلا عن رغباتهم وأحلامهم. إن القضاء على الشيعة لن يكون إلا بالقضاء على جميع المسلمين، ولن يكون ذلك، حتى لا يبقى على وجه الارض ديار.
الدين والدولة:
كانت الدول فيما مضى - شرقية كانت أم غربية - تقوم على أساس الدين، فتخول لنفسها حق التدخل في شؤون الانسان الداخلية والخارجية، لانها نائبة عن الله. ومن هنا كانت تعامل الناس على أساس أديانهم ومعتقداتهم، لا على المؤهلات العلمية والخلقية، فتحابي أبناء دينها، وتضطهد الآخرين، او تتجاهل وجودهم كرعايا ومواطنين. ومحال أن تسير مثل هذه الدول على سبيل العدل والمساواة، ويكون لها مبادئ عامة تطبقها على الجميع دون امتيازات واختصاصات
/ صفحة 195 /
إلا إذا انسلخت كلية عن الدين، أو كان من دينها عدم الفرق والتفاوت بين الاديان. وحينئذ لا تكون دينية بالمعنى المألوف المعروف بين الناس.
بل رأينا رؤساء الدول في هذا العصر يحابون أبناء ملتهم، ويرفعونهم فوق الناس والاجناس، وفي الوقت نفسه يدعون بأنهم حكام زمنيون، لا تمت دولاتهم وحكوماتهم بسبب إلى مذهب أو دين. رأينا كيف قامت قيامة الدول المسيحية في أميركا وأوربا، حين قتل مسيحي في أقصى الارض أو أدناها، حتى ولو كان القتل لسبب مشروع. وكيف حشدت تلك الدول صحفها وإذا عاتها بالاحتجاج والضجيج. وكيف تجاهلت مذبحة العرب في فلسطين على أيدي اليهود، والدماء التي أجرتها فرنسا أنهرا في الجزائر. إن مجرد وصف الدولة، أية دولة بأنها دينية معناه التحيز، وعدم التحرر، وتفضيل بعض الاديان على بعض حتى ولو لم تقم على أساس الدين، وينص دستورها على أنها دينية. أجل، قد تكون بعض الدول أكثر تسامحا من غيرها، ولكنها لا تتخلى كلية عن المحاباة، فالامتياز موجود في الحالين، وعند الدولتين، وإن اختلف في الشدة والضعف.
عدد الشيعة:
ومن هنا كان التفاوت في عدد الشيعة والسنة قلة وكثرة حسب الدول القائمة الحاكمة دينا ومذهبا، ففي عهد الامويين والعباسيين كان السنة أكثر عددا من الشيعة، وفي عهد البويهيين والفاطميين كانت الكثرة في جانب الشيعة، وفي عهد السلجوقيين والايوبيين والعثمانيين ازداد عدد السنة، حتى أصبحوا على تعاقب الاجيال والقرون أضعاف عدد الشيعة، قال السيد محسن الامين في الجزء الاول من أعيان الشيعة:
" ما زال التشيع يفشو ويقل، ويظهر ويختفي، ويوجد ويعدم في بلاد الاسلام على التناوب، وغيره بحسب تعاقب الدول الغاشمة وغيرها، وتشددها وتساهلها، حتى أصبح عدد الشيعة اليوم في انحاء المعمورة يناهز الخمسة والسبعين مليونا (1) منها نحواثنين مليونا في الهند، ونحو خمسة عشر مليونا في إيران،
ــــــــــــــــــــ
(1) قال الاستاذ حسن الامين ابن المؤلف معلقا على قول أبيه: كان هذا يوم تأليف الكتاب، أي منذ أكثر من ثلاثين سنة، والعدد اليوم أكثر من ذلك بكثير. (*)
/ صفحة 196 /
ونحو عشرة ملايين في روسيا وتركستان، ونحو خمسة ملايين في اليمن، ونحو مليونين ونصف في العراق، ونحو مليون ونصف في بخارى والافغان، ونحو مليون في سوريا ومصر والحجاز، ونحو سبعة ملايين في الصين والتبت والصومال وجاوى، ونحو مليون في البانيا وتركيا، ومرادنا بشيعة الهند وسوريا خصوص الامايمة غير الاسماعيلية الآغاخانية، وبشيعة اليمن ما يعم الزيدية والاثني عشرية، وبشيعة الالبان غير البكتاشية ".
وغريب حقا أن يكون للشيعة هذا العدد بعد أن ظلوا هدفا لاضطهاد الحكومات مئات السنين، وتعرضوا لموجات من تعصب إخوانهم السنة في كثير من البلدان والازمان، وقد وضعنا كتابا خاصا " الشيعة والحاكمون " في معاملة الحكام للشيعة، ونذكر هنا مثلا واحدا مما جاء في كتب السير والتاريخ (1) لتعصب السنة ضد الشيعة:
نقل ياقوت في معجمه أنه في سنة 617 ه مر على مدينة الري فوجد أكثرها خرابا، ولما سأل بعض عقلائها عن السبب أجاب بأنه كان في المدينة ثلاث طوائف: شيعة وأحناف وشافعية، فتظاهر الاحناف والشافعية على الشيعة، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة إلا من نجا بنفسه، ثم وقعت الحرب بين الاحناف والشافعية، فتغلب هؤلاء على أولئك، وهذا الخراب هو في ديار الشيعة والاحناف فقط.
وتدلنا هذه الحادثة على أن التعصب كان بين مذاهب السنة ضد بعضها البعض تماما، كما كان بين السنة والشيعة، ولكن الجميع يدا واحدة على العدو المشترك.
من بلدان الشيعة:
ليس لدي من المصادر لبلدان الشيعة سوى كتاب الاعيان للسيد الامين، وتاريخ الشيعة للشيخ المظفر، وهما - كما رأيت - غير كافيين، ولذا جعلت العنوان " من بلدان الشيعة ":
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر المجلد الثامن من المنتطم لا بن الجوزي، وحوادث سنة 401 و 406 و 408 و 443 و 444 من الكامل لابن الاثير.
/ صفحة 197 /
العراق:
قال الشيخ المظفر: إن جنوب العراق شيعة، ولئن وجد الخليط في بعض بلاده فلا يكون إلا أفرادا قلائل، ويشمل الجنوب الكوت، والعمارة، والغراف، وما سواها من بلاد دجلة، وأيضا يشمل السماوة والديوانية والناصرية، وما سواها من بلاد الفرات.
أما البلاد الشمالية فسكانها على العموم من أهل السنة إلا أن الشيعة فيها ليسوا بالقليل.
أما البلاد الوسطى كالحلة فهي شيعة خالصة سوى أفراد معدودين في نفس القصبه، ولواء بغداد أكثريته من الشيعة، ومثله لواء ديالي، بعكس لواء الديلم، ومع هذا فالشيعة فيه غير قليل، وعليه فالعراق اليوم سبعة من ألويته شيعة، وفيها شعوب من غيرهم، وخمسة سنة، وفيها خليط من الشيعة، ولواءان مختلطان يغلب عليهما التشيع، هذا ما يعرفه المستقرئ لبلاد العراق (1).
إيران:
وهي أسبق البلاد الاسلامية - غير العربية - إلى التشيع، فقد دخلها المذهب في عصر الحجاج سنة 83 ه كما قدمنا، وعملت على نشره وإعزازه بشتى الوسائل، وشيدت حضرات الائمة وطلت قبابها بالذهب الابريز، وملات خزائنها بالثمين والنفيس من المعادن والجواهر.
الافغان:
وكانت جزءا من مملكة إيران في عهد الصفويين، وهي الآن من البلدان المستقلة المحايده، قال السيد الامين في الاعيان:
" انتشر التشيع في الافغان في عهد الملوك الصفوية، وعينوا مدرسين ومشايخ إسلام في مدنها الهامة، مثل هرات وكابل وقندهار وغيرها، وكان الشيخ حسين
ــــــــــــــــــــ
(1) المؤلف الشيخ محمد الحسين المظفر من علماء النجف، وهو أعرف بهذه الاحصاءات من غيره، وقد ألف كتابه تاريخ الشيعة سنة 1352 ه، وعلى هذا يكون عدد الشيعة في العراق أكثر بكثير مما قاله السيد الامين في أعيانه. (*)
/ صفحة 198 /
ابن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي معينا شيخ الاسلام في هرات، والآن لا يخلو بلد من بلاد الافغان من الشيعة، ولكن عددهم غير معلوم على التحقيق إلا أن فيهم كثرة لا يستهان بها تقدر بنحو 400 ألف. وفيهم جماعة من أهل العلم يتعلمون في مدرسة النجف الاشرف ".
أذربيجان:
ومن مدنها تبريز وخوي وسلماس وأرمية وأردبيل ومرثد، وفي كتاب مراصد الاطلاع أن فيها قلاعا كثيرة، وخيرات واسعة، قال صاحب الاعيان:
وأهلها اليوم كلهم شيعة ما عدا بعض أهل أرمية، والظاهر أن تشيعهم من عهد الصفويين، وهي داخلة اليوم في مملكة إيران.
الآستانة:
كانت عاصمة العثمانيين الذين انقرض سلطانهم بعد الحرب العالمية الاولى، قال السيد الامين: فيها عدد كثير من الشيعة هاجروا إليها من إيران، ومن ترك أذربيجان، وهم أهل تجارة وكد وعمل وثروة وتمسك بالدين، يقيمون العزاء لسيد الشهداء، ولا سيما في عشر المحرم، ويعملون الشبيه، ثم يخرجون في الشوارع، وكانت الدولة لعثمانية تمنحهم الحرية التامة، وتحافظ عليهم، أما اليوم فيقتصرون على إقامة العزاء فقط.
البحرين والاحساء والقطيف وقطر:
إن تشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والاحساء شائع منذ عهد الصحابة، والسرأن النبي (ص) بعث واليا عليها إبان بن سعيد بن العاص الاموي، وكان إبان من الموالين لعلي والمتخلفين عن بيعة أبي بكر، ثم صار عاملا عليها عمر بن أبي سلمة، وأمه أم سلمة زوجة رسول الله، وفي عهد أمير المؤمنين ولى عليها معبد بن العباس بن عبد المطلب، فغرس هؤلاء الولاة التشيع في أهل البحرين، وأول جمعة أقيمت في الاسلام بعد المدينة كانت في البحرين (أعيان الشيعة ج 1).
/ صفحة 199 /
وقال الشيخ المظفر في " تاريخ الشيعة ": " حاول عبد الملك أن يحمل أهل البحرين على مفارقة التشيع فأبوا، وأراد أن يستعمل القوة فخاف بأسهم، فصالحهم على نزع السلاح، وأن يرفع عنهم الخراج لقاء ذلك، وداموا على التشيع لا يخشون سلطة حاكم، ولا يرهبون من التصريح به سطوة ظالم، وكان فيها كثير من العماء والافاضل والشعراء.
أما القطيف فهي شيعة خالصة، وأما الاحساء فالشيعة يشاطرون غيرهم، كما أن في قطر كثير من الشيعة (1) ولا يزال من هذه البلاد في النجف الاشرف مهاجرون، لتحصيل علم أهل البيت (ع)، وفيها اليوم جماعة من أهل الفضل، وكانت هذه البلاد ممتحنة بسلطة آل عثمان، ولما انتزعها منهم ابن سعود كانت محنتهم أشد ".
ومن الخير أن نذكر بهذه المناسبة أن المرحوم السيد محسن الامين العاملي ألف كتابا قيما على أثر هدم السعوديين قبورا أئمة البقيع، أسماه " كشف الارتياب " استقصى فيه تاريخ الوهابيين منذ نشأتهم، حتى يومه رحمة الله عليه.
جبل عامل:
ويسمى جبل الجليل، وجبل الخليل، وأهله أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة. ومن نظر إلى هذا الجبل وتاريخه نظرة تأمل وإمعان أخذته الدهشة لنشاط أهله وجهادهم في سبيل العلم والدين والحياة منذ القديم، حتى اليوم على الرغم من فقرهم، وقلة عددهم، وما توالى عليهم من الظلم والاضطهاد. رحلوا إلى إيران والعراق ومصر والشام لطلب العلم، وهاجروا إلى جميع القارات وأقصاها طلبا للعيش. ويحمل الآن المئات من شبابهم الشهادات العالية، ويتولون أعلى المناصب في الدولة، مع العلم بأن بعضهم ابن حمال، وآخر ابن ماسح أحذية، أو ابن كناس إلخ... وليس لدي أي تعليل مقنع لذلك، وما زلت أتساءل: هل هي التربة، أو شملتهم دعوة صالحة، أو عناية من لدن حكيم خبير؟ ومهما يكن، فإني أدع الحديث هنا للشيخ المظفر في
ــــــــــــــــــــ
(1) ترد علي بين الحين ولحين رسائل من قطر يطلب أصحابها نسخا عديدة من كل كتاب من مؤلقاتي وغيرها من كتب الشيعة، فأرسلها لهم بدون تأخير، لوفائهم وحسن معاملاتهم. (*)
/ صفحة 200 /
تاريخ الشيعة، ولما نقله السيد الامين عن مجالس المؤمنين، وللدكتور فيليب حتي في كتابه " لبنان في التاريخ "، قال الامين في الجزء الاول من الاعيان:
" جاء في مجالس المؤمنين أن تجلي أنوار الرحمة الالهية شامل لاهل جبل عامل، ونور المحبة من نواحي إيمانهم ظاهر، ولا توجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الامامية، وجميع أهله من الخوص والعوام، والوضيع والرفيع يجدون في تعليم وتعلم المسائل الاعتقادية، والاحكام الفرعية على طبق مذهب الامامية، وفي التقوى والمروءة والفقر والقناعة، ويقتدون بطريقة مولاهم المرضية، ومع تسلط الغير عليهم لهم همة في نشر مذهبهم ".
أما الشيخ المظفر فقد خص العامليين بعديد من الصفحات نقتطف منها ما يلي:
" جد العامليون في تحصيل علم أهل البيت (ع)، حتى بالهجرة إلى إيران والعراق، فتخرج منهم علماء استفاد الشيعة بمؤلفاتهم إلى اليوم، وطبقوا البلاد شهرة وصيتا. وقال الشيخ الحر صاحب أمل الآمل: " سمعت من بعض مشائخنا أنه اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهدا في عصر الشهيد الثاني وما قاربه. وهذا في ذاك العصر، أما بعده، حتى اليوم فقد انجبت جبل عامل أفاضل وعلماء يعسر الستقصاؤهم، ويوجد فيهم اليوم مراجع للتقليد، وفيهم من له الميزه في الدفاع عن مذهب آل محمد (ص) ".
وقال الدكتور حتي في " لبنان في التاريخ " ص 498 طبعة 1959 (1):
" إن حجبا كثيفة تحجب عنا حياة الشيعة في لبنان، ولكن من وراء هذه الحجب تبرز أمامنا ناحية مشرقة، لها مغزاها البعيد (2) وتدل على أن هذه الجالية لم تقطع أسباب العلم، بل احتفظت به على صعيد عال عند منصرم القرن السادس عشر، عندما جعل الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية في إيران دين الدولة الرسمي المذهب الشيعي، وجد أنه من العسير أن يوفر للناس أئمة يعلمونهم حقيقة المعتقد، ويرسخون مبادئه في نفوسهم. ووجد أيضا أن الكتب غير متوافرة، فعمد إلى مل ء الفراغ باستحضار علماء الشيعة من لبنان - أي من جبل
ــــــــــــــــــــ
(1) طبع الكتاب بالانكليزية، وترجم إلى العربية.
(2) المغزى البعيد هو الذي تساءلنا عنه فيما تقدم. (*)
/ صفحة 201 /
عامل - وقد غادر لبنان جمهور من أولئك العلماء، وذهبوا إلى إيران بدعوة أو بغير دعوة، وقد كان من جملة من ذهب حسين العاملي الذي غادر جبل عامل عندما قتل الاتراك أستاذه زين الدين أصبح يعرف بين قومه بالشهيد الثاني.
وكان الشهيد الاول شمس الدين العاملي الذي قتل في دمشق سنة 1384 م بموجب فتويين أصدرهما القاضي الشافعي، وكان حسين قد أخذ معه ابنه الاصغر بهاء الدين العاملي - الشيخ البهائي - وقد فاق أباه علما وشهرة، فإنه كان فقيها وفيلسوفا وعالما في الرضيات، وقد رفع إلى رتبة شيخ الاسلام حيث كان من ألمع الشخصيات في بلاط الشاه عباس. " بعلبك:
قال السيد الامين: لا يعلم مبدأ التشيع في بعلبك، وكان يغلب عليها التسنن، وفي أيام الحرافشة غلب التشيع على أهلها.
وقال الشيخ المظفر: هي اليوم مع سائر قراها وضواحيها تعد من بلاد الشيعة الشهيرة بالتشيع، وشيعتها تناهز الشيعة في جبل عامل كثرة (1) غير أنها لا تضاهيها في المعارف الدينية، فإنه لا يزال في النجف الاشرف من العامليين المهاجرين لطلب العلم ما يناهز الثمانين طالبا. ولا يوجد من البلاد البعلبكية أكثر من اثنين او ثلاثة ".
جبل لبنان:
ويحده شمالا طرابلس، وجنوبا جبل عامل، وغربا بيروت والبحر، وشرقا بعلبك والبقاع، ويدخل فيه كسروان وضواحي بيروت، وفي برج البراجنة، وبرج حمود، والغبيري، والشياح، ويربو عدد الشيعة في بيروت وضواحيها وكسروان على 150 ألفا، أما عددهم في مجموع لبنان فلا يقل عن نصف مليون، ولشيعة جبل لبنان نائبان في البرلمان ولشيعة بيروت نائب واحد.
ــــــــــــــــــــ
(1) شيعة جبل عامل ثلاثة أضعاف شيعة بعلبك من حيث العدد، والان يمثل شيعة بعلبك في البرلمان أربعة نواب، ويمثل شيعة جبل عامل أحد عشر نائبا. (*)
/ صفحة 202 /
تبت:
قال السيد الامين: فيها عدد كبير من الشيعة، وفيهم علماء يتعلمون العلوم الدينية في الهند وفي النجف الاشرف، ورأيت بعض حجاجهم بدمشق، فسألتهم عن حال الشيعة عندهم، فقالوا: إن عددهم يزيد آنا فآنا.
حمص:
ومنها الشاعر الشهير ديك الجن، وكان شيعيا، توفي سنة 235 ه، ويدل هذا على ان التشيع دخلها منذ زمن وقال السيد الامين: وفي عصرنا هذا تشيع جماعة كثيرون منهم لانفسهم بأنفسهم، ويوجد حوالي حمص عدة فرى، أهلها شيعة إمامية، منها الغور، والدلبوز، وتل الاغر، وغيرها.
حلب:
قال السيد الامين: دخلها التشيع قبل عهد الحمدانيين، وانتشر وقوي على عهدهم، ثم توالي حكام الجور على حلب، وشتد ضغطهم وفتكهم بالشيعة، وأغروا بالشيعة السفلة من السنة، حتى فعلوا من المخازي والقبائح ما تسود له وجه الانسانية، ويخجل القلم عن نقله. وكان ابتداء الضغط أوائل القرن السادس، واشتد في القرن السابع، وتناهى في القرن العاشر، حتى لم يعد أحد يجهز بالتشيع خوفا على دمه وعرضه، وماله، ولم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع، ويوجد في جهات حلب قرى، أهلها شيعة من قديم الزمان إلى اليوم، وهي الفوعة، ونبل، والنغاولة، وكفريا.
الكويت وعمان ومسقط:
للشيعة بالكويت كلمة مسموعة، وتأثير بالغ، ولهم قاض شرعي خاص بهم يختاره المرجع في النجف الاشرف، وتعينه الحكومة بناء على اختياره، ولهم العديد من الحسينيات، ويقصدهم أهل العلم من العراق وجبل عامل، أما عمان ومسقط ودبي فقال الشيخ المظفر: إن فيها الكثير من الشيعة، ولهم الحرية المذهبية
/ صفحة 203 /
الكاملة، ولا يزال بين ظهرانيهم أفراد من أبناء العلم للارشاد وتعليم الاحكام، ويفد عليهم كثير من رجال الدين، وأرباب المنابر الحسينية.
الحجاز:
يوجد شيعة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، حتى الان، ومن القبائل الشيعية في الحجاز بنوجهم، وبنو علي، وبعض بني عوف، كما يوجد في رساتيقها كالعوالي.
اليمن:
أسلم أهل اليمن في أيام الرسول الاعظم (ص) وعلى يد علي أمير المؤمنين وبني أول مسجد في اليمن باسمه، وقال ابن عباس للحسين (ع) حين أراد الخروج إلى العراق: اذهب إلى اليمن، فإن لابيك بها شيعة، وقال الامام يمدح قبيلة همدان اليمنية:
ولو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام
وخرج من العلويين أكثر من واحد في اليمن، وفيها كثير من الاثنى عشرية، وأكثر أهلها من الزيود.
روسيا والصين: قال الشيخ المظفر: يبلغ عدد الشيعة في الصين 11 مليونا، وفي روسيا 10 ملايين.
الهند:
يرجع الفضل في انتشار التشيع في بلاد الهند إلى الصفويين، وعن بعض المستشرقين أنه لو لا الاقدار التي جنت على الصفويين لكانت السلطة في الهند اليوم بيد الشيعة.
قال الشيخ المظفر: ليس في النهد بلد إلا وفيه ناس من الشيعة، وهناك بلاد تختص بهم، وأخرى هم الاكثرية فيها فيها، وهذه أسماء بعض تلك البلاد: لكنهور، وهي المرجع الوحيد للاثنى عشرية، ولهم فيها مدارس وكليات
/ صفحة 204 /
وجامعات، وجانبور، وأمروها، وبنتا، وإله باد، ومظفر بور، ولاهور، وبنجاب، وبنارس، وفيض آباد، وسهارن بور، وغيرها كثير.
طرابلس وبنو عمار:
بنو عمار شيعة، وأصلهم من المغرب، جاءوا منها إلى مصر مع الفاطميين وتولوا الامارة والقضاء في طرابلس الشام من قبل الحاكم الفاطمي، وبقيت بأيديهم نحوا من 80 سنة، حتى انتزعها منهم الصليبيون سنة 502 ه، وكان أهلها في ذلك العصر شيعة اثني عشرية، قال المستشرق آدم منز في الجزء الاول من " الحضارة الاسلامية ": وإذا كان ناصر خسرو قد وجد أهل طرابلس في عام 428 ه شيعة فقد جاء ذلك من أن بني عمار كانوا هناك على مذهب التشيع " أما المؤسس لامارة بني عمار في طرابلس فهو أبو طالب أمين الدولة بن عمار أعلن نفسه حاكما على المدينة حين توفي الحاكم الفاطمي، وأنشأ مكتبة تحوي مائة الف مجلد، واستمال طلاب العلم الى عاصمته، فكان عمله هذا شبيها بما قام به سيف الدولة في حلب، وكان من جملة من قصد مكتبته أبو العلاء المعري، وهكذا بلغت طرابلس أثناء حكم بني عمار الذروة في الشهرة العلمية، وفي الازهار الاقتصادي.
ومن علماء الشيعة الطرابلسيين القاضي الشيخ عبد العزيز بن البراج، تلميذ السيد المرتضى والشيخ الطوسي، وله مؤلفات جليلة، منها المهذب، والموجز والكامل والجواهر وعماد المحتاج. ثم انعدم التشيع من طرابلس، بسبب الضغط والاضطهاد، ويوجد في نواحيها اليوم بعض القرى الشيعية (1).
أندنوسيا:
وفيها اليوم عدة ملايين من الشيعة الاثني عشرية، ويكاتبون ويستفتون علماء العراق وايران وجبل عامل، وفي العام الماضي طلبوا من المرجع في النجف الاشرف عالما يعلمهم الدين وأحكامه، فاختارلهم بعض الفضلاء، وهو
ــــــــــــــــــــ
(1) أعيان الشيعة ج 22، والكنى والالقاب للقمي، ولبنان في التاريخ لفيليب حتى، والكامل لابن الاثير ج 8، والنجوم الزاهرة ج 7، والحضارة الاسلامية لادم متز. (*)
/ صفحة 205 /
اليوم يقيم بين ظهرانيهم، وفقه الله وأخذ بيده، وفي سنة 1956 زارني أحدهم، وحدثني مفصلا عن حياتهم ومحافظتهم على الشعائر المذهبية، وبخاصة إقامة العزاء لسيد الشهداء بلدان أخرى:
وهناك بلدان أخرى غير هذه لم يذكرها صاحب الاعيان، وصاحب تاريخ الشيعة، رغم أنهما بحثا وتتبعا المصادر العريبة والاجنبية. ذلك أن الطرق الفنية للاحصاء لم تتهيا لهما، ولا لغيرهما، حتى الان ولا مستند لهما إلا الكتب الموضوعة منذ القديم في أحوال الاقاليم، أو السماع من عابر. وبديهة أن تلك الكتب لا تتضمن الاخبار عن جميع البلدان وعدد السكان، وأديانها ومذاهبها.
اما الاخذ بقول قائل والسماع من عابر فلا يغني عن الحق فان الذين يعرفون عدد السكان في بلدهم أقل من القليل - إن صح التعبير - فأنا الان أقيم في بيروت منذ 15 سنة، ولا أعرف عدد سكانها على التحقيق، وسكنت قبلها بقرية صغيرة 10 سنوات. وبقيت طوال هذه المدة أجهل عدد أهلها إلا على سبيل التقريب.
ولقد قرأت الكثير عن الجزائر، وما رأيت ولا سمعت من أحد أن فيها شيعة، حتى أخبرني من لا أشك بصدقة أن في جبالها، وسائر جبال البر بر قبائل من الشيعة، وأنه اجتمع بأحدهم، وتوطدت الصداقة والعلاقة بينه وبينه، وأخبره عن احوالهم وعاداتهم. وأيضا أخبرني أكثر من واحد أنه يوجد في السودان شيعة، وفي سنة 1962 مر ببيروت حجاج من السودانيين، ورأيتهم يبحثون في مكاتبها التجارية عن الكتب الشيعية، فساعدتهم وأهديتهم بعضا، فسروا وشكروا.
وفي آخر الجزء الاول من أعيان الشيعة نقلا عن كتاب حاضر العالم الاسلامى ودائرة المعارف الاسلامية أن بلدان في إفريقيا يدعى هرار كان تابعا لمصر سنة 1875، ثم تبع الحبشة سنة 1887 جميع أهله شيعة، ويبلغ عددهم 50 ألفا، وغير بعيد أن يكون هؤلاء من الاسماعيلية المنحرفة، لا من الشيعة الامامية، قال أبو زهرة في كتاب الامام الصادق ص 549:
" انتشر الشيعة في وسط إفريقيا في البلاد الاسلامية، كنجيريا، وبلاد
/ صفحة 206 /
الصومال، وبلاد السنغال، وغيرها من البلاد الافريقية، وأكثر هؤلاء من الاسماعيلية المنحرفة، وليسوا من الاثني عشرية، ولا من طائفة الاسماعيلة المعتدلة، كالبهرة الذين يقيمون بالهند وباكستان " (1)
وبالتالي، فان التشيع قد عم وانتشر في أكثر البلدان الاسلامية، وكانت لهم الغلبة في الكثرة والعدد على سائر الفرق، أو ليسوا بأقل من غيرهم، ثم انحسر التشيع في كثير من الاقاليم بسبب ضغط الحكام ومقاومتهم، وتعصب إخوانهم ويعدون من الفرق الكبرى، وقد ظهر ذلك مما تقدم، مع العلم بأن ما ذكرت من بلدانهم إنما هو الاظهر والاشهر، أما استيعاب الاقاليم كاملة، وإحصاء العدد حقيقة فما وحدت إليهما سبيلا، ولن أجده، حتى مع الحرص والاجتهاد.
وتختم هذا الفصل بتلخيص موجز لما ذكره الشيخ ابو زهرة في آخر كتاب " الامام الصادق " بعنوان " نمو المذهب الجعفري ومرونته "، قال:
لقد نما هذا المذهب وانتشر لاسباب:
1 - إن باب الاجتهاد مفتوح عنذد الشيعة، وهذا يفتح باب الدارسة لكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والنفسية.
2 - كثرة الاقوال في المذهب - أي في المسائل الفقهية النظرية - واتساع الصدر للاختلاف ما دام كل مجهتد يلتزم المنهاج المسنون، ويطلب الغاية التي يتغياها من يريد محص الشرع الاسلامي خالطا غير مشوب بأية شائبة من هوى.
3 - إن المذهب الجعفري قد انتشر في أقاليم مختلفة الالوان من الصين إلى بحر الظلمات، حيث أوروبا وما حولها، وتفريق الاقاليم التي تتباين عاداتهم وتفكيرهم وبيئاتهم الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. إن هذا يجعل المذهب كالنهر الجاري في الارضين المختلفة الالوان، يحمل في سيرة ألوانها وأشكالها من غير أن تتغير في الجملة عذوبته.
ــــــــــــــــــــ
(1) زارني اليوم 6 / 4 / 64 رجلان من كينيا أحدهما اسمه أصغر علي محمد جعفر، والثاني اسمه حسين حبيب، وقال لي الاول، وهو يتقن العربية: إن في كينيا ودار السلام وأوغندا عشرين الف نسمة من الجعفريين، وأنهم يقلدون في أمور دينهم المرجع في النجف الاشرف، ويعملون برسالته، وإن لهم لجنة تجمعهم وتعمل على بث التعاليم الجعفرية واسمها لجنة الاتحاد القومية الوطنية، ومقرها آروشيا في طنجنيقا. (*)
/ صفحة 207 /
4 - كثرة علماء المذهب الذين تيصدون للبحث والدراسة وعلاج المشاكل المختلفة، وقد آتى الله ذلك المذهب من هؤلاء العلماء عددا وفيرا عكفوا على دراسته، وعلاج المشاكل على مقتضاه.
هذه حقيقة نطق بها الشيخ أبو زهرة، وفي الكتاب أمثلة كثيرة لعلمه وانصافه، كما أن فيه موارد للنقد والنظر. أشرت إلى بعضها فيما تقدم من هذا الكتاب، وفي كتاب المجالس الحسينية، وإني لاعترف له وللشيخ شلتوت رئيس الازهر والشيخ المدني عميد كلية الفقه بمزايا حميدة على كثير من شيوخ الازهر، أمثال الحفناوي صاحب كتاب " أبو سفيان " ومحب الدين الخطيب منفذ " الخطوط العريضة " وغيره من الذين كفروا الشيعة، اطلاقا، وتحدثوا عنهم بروح الدس والعداء، حتى جعلونا نغض الطرف عن كل خطيئة الا التكفير والخروج عن دين الاسلام.
إن موقف الخطيب من الشيعة، ومن إليه لا يمت إلى العلم والدين بسبب، أما موقف الشيخ أبي زهرة فهو موقف مذهبي يشوبه - كما هو المعتاد - شئ من التعصب الذي يباعد بين الاخوين، إلا أنه لا يبلغ مرحلة التكفير، والحمد لله.
هذا، إلى أن الشيخ أبا زهرة لم يرض في كتابه جماعة من السنة، كما أنه لم يرض الكثير من الشيعة.
في سنة 1961 اجتمعت بالشيخ أبي زهرة في دمشق، حيث اشتركنا معا في مهرجان الغزالي، فقال لي فيما قال: حين ألفت كتاب " الامام الصادق " كنت على علم اليقين بأنه سيغضب السنة والشيعة معا، لاني لم أقل ما يريد أولئك، ولا كل ما يريد هؤلاء.
فقلت له: نحن نرحب بكل نقد من أية جهة أتى، على شريطة أن يكون بدافع الاخلاص، متحررا من رواسب الماضي ومخلفاته. ولا أخفي القارئ أني شعرت بالتقدير لشخصه، رغم أني لا أوافقه على كثير من آرائه، وكنت - قبل أن نلتقي - انتقدته في بعض مؤلفاته، ورددت عليه بمقال مطول مفصل، وكان حين يقدمني لمعارفه يقول: هذا الذي رد علي وانتقدني.
وبالختام يكفي أن نتذكر ما كتبته الاقلام المأجورة عن الشيعة والتشيع لنكبر ونقدر الشيخ ابا زهرة في كتابه " الامام الصادق ".
/ صفحة 208 /
النبي والزهراء والائمة الاثنا عشر
/ صفحة 209 /
محمد المصطفى - أبوه: عبد الله، وجده لابيه عبد المطلب، وأمه آمنة، وجده الامه وهب.
- أعمامه تسعة: الحارث، والزبير، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، وحمزة، والغيداق، وضرار، والمقوم، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والعباس، وجميع أعمامه إخوة لابيه من جهة الاب فقط، ما عدا أبا طالب فإنه أخ لابيه من جهة الاب والام.
- عماته ست: أميمة، وأم حكيم، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى.
- ليس لامنة بنت وهب أخ أو أخت ليكون للنبي خلا أو خالة، ولم تلد آمنة غيره، ليكون هو عما أو خالا لغيره.
- أبناء عمه: لم يعقب من أعمامه التسعة إلا أربعة: الحارث، وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب، وأبناء أبي طالب أربعة: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وابناء الحارث خمسة: أبو سفيان، والمغيرة، ونوفل، وربيعة، وعبد شمس، وقد سماه النبي عبد الله، وأبناء العباس تسعة: عبد الله وعبيد الله والفضل وقثم، ومعبد وعبد الرحمن، وتميم، وكثير، والحارث. وأبناء أبي لهب أربعة: عتيبة، ومعتب، وغتبة، وعقبة، وأمهم أم جميل أخت أبي سفيان، فالمجموع 22 من الذكور.
- ويلتقي نسب النبي مع نسب أبي سفيان عدوه الالد في عبد مناف، فإنه جد لجد النبي، وفي الوقت نفسه جد لجد أبي سفيان. فالنبي هو محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. ابو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف.
- ولد النبي بعد وفاة أبيه بالمدينة، وكانت ولادته يوم الجمعة عند طلوع الشمس
/ صفحة 210 /
في السابع عشر من ربيع الاول، عام الفيل وأيام ملك الفرس أنو شروان (1).
- عاش ثلاثا وستين سنة، منها 6 سنوات مع أمه، و 8 مع جده عبد المطلب، و 42 مع عمه أبي طالب، منها 17 في بيته، وحوالي 25 في بيت خديجة زوجته الاولى، وبقي بعد عمه في مكة 3 سنوات، وفي المدينة 10 سنوات.
- بعث في اليوم السابع والعشرين من رجب، وله من العمر 40 سنة.
- زوجاته: اختاره الله، وعنده تسع: عائشة، وحفصة، وام سلمة، وام حبيبة، وزينب بنت جحش، وميمونة، وصفية، وجويرية، وسودة، وكان قد تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية، وماتت قبله، وأول زوجاته وسيدتهن السيدة خديجة، تزوجها، وهو ابن 25 سنة، وهي بنت 40، ولم يتزوج غيرها، حتى ماتت، وبقي بعدها سنة بدون نساء، وتزوج غير من ذكرنا، وحصل الفراق بينه وبينهم قبل الدخول، هذا، وكان عنده من السراري غير الزوجات مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وميمونة بنت سعد، وأميمة، وريحانة بنت زيد من بني النضير.
- أولاده: جاءه ثلاثة ذكور، وأربع إناث، والذكور هم القاسم، وعبد الله من السيدة خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية، وماتوا أطفالا. والاناث زينب، وأم كلثوم، ورقية، وفاطمة، أسلمن وتزوجن، ثم توفين في حياته ما عدا الزهراء سيدة النساء.
غزواته:
كان النبي يبعث الى أرض العدو بالسرية من ثلاثين فارسا، أو ستين، أو أكثر أو أقل، لتستطلع حال المشركين، وتأتيه بالاخبار، فتذهب السرية لغايتها، وربما حدث بينها وبين العدو مناوشات، وقد تعود دون أن يحدث شئ. وكان يعيئ المسلمين للحرب بقيادته - أحيانا - وبقيادة بعض الاصحاب - حينا - ويبقى هو في المدينة، كما حدث في غزوة مؤتة، وقد يعود الجيش بدون قتال، أو تقع الحرب بينه وبين المشركين، حسب الظروف والمقتضيات.
ــــــــــــــــــــ
(1) المشهود عند السنة انه ولد في 12 ربيع الاول، ووافقهم بعض علماء الشيعة، والمشهور عند الشيعة انه ولد في 17 منه، ووافقهم بعض علماء السنة. (*)
/ صفحة 211 /
وجميع غزواته 62، منها 36 لم يخرج النبي معها، و 26 كان معها، والغزوات التي حدث فيها قتال بقيادته تسع: بدر، واحد، والخندق، وبنو قريضة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف.
كتاباته الى الملوك:
كتب النبي إلى ملوك زمانه يدعوهم إلى الاسلام، ولما وصل كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة وضعه على عينيه، ونزل عن سريره تواضعا، وأسلم.
أما قيصر ملك الروم فأيقن بالحق. واعتقد أن محمدا رسول من عند الله، وأراد أن يسلم، فخاف قومه، وآثر الملك.
أما كسرى ملك الفرس فمزق الكتاب، وطرد رسول النبي، فتمزق ملكه، وطرد منه.
وأما المقوقس ملك القبط في مصر فكتب إلى النبي جوابا قال فيه: قد اكرمت رسولك، وأهديت إليك جاريتين، لهما مكان عظيم في القبط، وكسوة وبغلة تركبها، ولم يسلم، والجاريتان هما مارية القبطية، تزوجها النبي، وولدت له إبراهيم، والثانية سيرين، وهبها النبي لشاعره حسان بن ثابت.
وممن كتب له الحارث الغساني، وكان في سورية تابعا لملك الروم، فأراد أن يجيش الجيوش، ويحارب النبي، فنهاه سيده قيصر.
وكتب النبي إلى هوذة صاحب اليمامة، فاشترط لاسلامه أن يجعل له النبي شيئا، فرفض وبقي هوذة على الكفر.
وكتب إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، وهما أميرا عمان في اليمن، فأسلما، وكتب الى المنذر العبدي بالبحرين، فأسلم وحسن إسلامه.
اخباره بالغيب:
تواترت الاحاديث من طرق السنة والشيعة أن النبي أخبر عن أشياء تحدث بعده، فحدثت بكاملها على ما قال، منها اخباره عن عائشة وكلاب الحواب، ومنها أن الفئة الباغية تقتل عمارا برئاسة معاوية، ومنها اخباره بقتل الحسين وحجر بن عدي، ومنها اخباره ان ابن عباس يفقد بصره في كبره، وكذلك
/ صفحة 212 /
زيد بن أرقم، ومنها قوله سيكون في هذه الامة الوليد (1) وهو شر لامتي من فرعون لقومه، وقوله إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا، ومنها أخباره بأن الارضة أكلت ما كان في الصحيفة التي كتبتها قريش ضد بني هاشم، وعلقتها بالكعبة، ومنها أن العرب ينتصرون على الفرس، ومنها قوله لعلي ستخضب هذه من هذه، إلى غير ذلك.
من أخلاقه:
كان يجلس على الارض، وينام عليها، ويخضف النعل، ويرقع الثوب بيده، ويحلب الشاة، ويعقل البعير، ويطحن مع الخادم، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويأكل ما يجد، ويلبس ما يجد، ويركب ما أمكنه من فرس، أو بعير، أو بغلة، أو حمار، ويردف خلفه، وربما ركبه عاريا بلا سرج، ويمشي راجلا، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، وكان لا يثبت بصره في وجه أحد، يغضب لربه، ولا يغضب لنفسه، وكان أكثر الناس تبسما، وربما ضحك من غير قهقهة، ولم يكن شئ أبغض إليه من الكذب إلى غير ذلك من الفضائل، وكريم الشمائل.
وفاته:
اختاره الله إليه يوم الاثنين 28 صفر سنة 11 ه، وتولى غسله وتجهيزه أخوه ووصيه علي أمير المؤمنين.
ــــــــــــــــــــ
(1) فكان الوليد بن يزيد. (*)
/ صفحة 213 /
- هي فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين.
- ولدت بمكة يوم الجمعة 20 جمادى الاخرة بعد النبوة بخمس سنين.
- وهي أصغر بنات الرسول، وأحبهن إليه، وانقطع نسله إلا منها.
- صفاتها: كانت كأبيها في خلقه وخلقه، ومن هنا قال (ص): فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني (صحيح البخاري، وصحيح مسلم). وقال:
إن الله يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها (المستدرك للحاكم، والاصابة لابن حجر). ونقلت الماء في القربة، حتى اثرت في صدرها، وطحنت بالرحى، حتى تورمت يداها، وكنست البيت، حتى أغبرت ثيابها، وأو قدت النار تحت القدر، حتى اسودت ملابسها.
- زوجها النبي عليا على خمسمائة درهم، وولدت له الحسن والحسين، وزينب وأم كلثوم.
توفيت في 3 جمادي الاخرة سنة 11 ه، فعاشت بعد أبيها 95 يوما، وغسلها وجهزها امير المؤمنين، وأعانته على غسلها أسماء بنت عميس، وصلى هو عليها، والحسن والحسين، وسلمان وأبو ذر وعمار والمقداد وعقيل، والزبير وبريدة، ونفر من بني هاشم، ودفنها الامام سرا في جوف الليل بوصية منها.
/ صفحة 214 /
- أبوه أبو طالب كفيل النبي ومربيه وحاميه (1) وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت من رسول الله بمنزلة الام، لانه ربي في حجرها، وهو ابن ثماني سنين، وكانت من سابقات المؤمنات إلى الايمان، وهاجرت مع رسول الله إلى المدينة، وكفنها النبي عند موتها بقميصه ليدرا به عنها هو ام الارض، وتوسد في قبرها لتأمن من ضغطة القبر، ولقنها حجتها.
- ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة 13 رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة، ولم يولد قط في بيت الله مولود سواه، لا قبله ولا بعده، وهذه فضيلة خصه بها الله إجلالا لمحلة ومنزلته، وإعلاء لقدره.
- حضر حروب النبي بكاملها ما عدا غزوة تبوك التي لم يلق المسلمون فيها كيدا، وقد استخلفه النبي على المدينة، وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدي.
- أزواجه وأولاده: تزوج فاطمة الزهراء، وولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.
وتزوج بعدها بنساء كثيرات، منهن:
1 - امامة بنت ابي العاص، وأمها زينب بنت رسول الله، وولدت له محمدا الاوسط، قتل في كربلاء.
2 - خولة الحنفية، وولدت له محمدا الاكبر المعروف بابن الحنفية.
3 - أم حبيبة بنت ربيعة ولدت له عمر ورقية.
4 - أم البنين الكلابية، ولدت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان، قتلوا
ــــــــــــــــــــ
(1) تكلمنا عنه وعن اسلامه في كتاب " مع بطلة كربلاء ". (*)
/ صفحة 215 /
في كربلا.
5 - ليلى الدارمية، ولدت محمدا الاصغر المكني بأبي بكر، وعبد الله، قتلا في كربلاء.
6 - أسماء بنت عميس، ولدت له يحيى وعونا.
7 - أم مسعود الثقفية، ولدت أم الحسن ورملة.
وتزوج غير هؤلاء، ورزق منهن بناتا، وهن: نفيسه، وأم هانئ، ورقية الصغرى، وأم الكرام، وجمانة، وأمامة، وأم سلمة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة.
ومجموع أولاده 27، منهم 14 ذكرا، والباقي أناث. وكان عنده يوم استشهاده اثنتان وعشرون، منهن 4 زوجات، و 18 أمهات أولاد.
بعض خصائصه:
1 - السابق إلى الاسلام.
2 - ولد في الكعبة.
3 - تربى منذ صغره في حجر رسول الله.
4 - مؤاخاته مع النبي.
5 - إن النبي حمله، حتى طرح الاصنام من الكعبة.
6 - إن ذرية رسول الله منه.
7 - إن النبي تفل في عينيه يوم خيبر، ودعا له بأن لا يصيبه حرولا قر.
8 - إن حبه إيمان، وبغضه نفاق.
9 - إن النبي باهل النصارى به وبزوجته وأولاده دون سائر الاصحاب 10 - بلغ سورة براءة عن النبي.
11 - إن النبي خصه يوم الغدير بالولاية.
12 - إنه القائل سلوني قبل أن تفقدوني.
13 - خاصف النعل.
14 - إن النبي خصه بتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه.
/ صفحة 216 /
15 - إن الناس جميعا من أرباب الاديان وغير هم ينظرون إليه كاعظم رجل عرفه التاريخ.
16 - إن له كتابا، وهو نهج البلاغة، دون غيره من الاصحاب، إلى غير ذلك مما أتينا على شئ منه في كتاب " علي والقرآن " وكتاب " أهل البيت " استشهاده:
قبض ليلة الجمعة، لتسع بقين من شهر رمضان المبارك سنة 40 ه قتيلا بسيف عبد الرحمن بن ملجم. وكان سنة يوم استشهد 63 سنة، قضى مع رسول الله 33، منها 10 قبل النبوة، و 13 في مكة قبل الهجرة، و 10 في المدينة بعد الهجرة، وعاش بعد النبي 30 سنة الا خمسة أشهر، وأياما، ومدة خلافته خمس سنين، وثلاثة أشهر، وسبع ليال، وتولى غسله وتجيزه الحسن والحسين، وحملاه الى النجف، ودفناه هناك ليلا، وعميا موضع قبره بأمر منه، فلم يزل مخفيا، حتى دل عليه الامام الصادق في الدولة العباسية (1).
ــــــــــــــــــــ
(1) كتاب اعلام الورى للطبرسي صاحب مجمع البيان. (*)
/ صفحة 217 /
- هو السبط الاول لرسول الله (ص)، والامام الثاني من أئمة أهل البيت، ورابع أصحاب الكساء، وأحد ريحانتي النبي، وسيدي شباب أهل الجنة - ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وجاءت به أمه الزهراء إلى أبيها رسول الله، فسماه حسنا، وهو أول من سمي بهذا الاسم.
زوجاته:
منهن خولة بنت الغزارية، وام اسحق بنت طلحة، وام بشر الانصارية، وجعدة بنت الاشعث التي سقته السم، وغيرها.
وروى الرواة أن الامام الحسن كان كثير الزواج، وليس هذا بغريب، فقد عد اهل السير لجده المصطفى أكثر من عشرين امرأة، واستشهد أبوه أمير المؤمنين، وعنده 22، ولكن الغريب أن تحاك حول زواجه الروايات التي لا أساس لها ولا أصل. لا لشئ إلا للنيل من مقامه الشريف، من ذلك أنه كان إذا رأى جمعا من النسوة يقول لهن: من منكن تأخذ ابن بنت رسول الله؟ فيجبنه بصوت واحد: كلنا مطلقات ابن بنت رسول الله.
واي عاقل يصدق مثل هذا على الامام الزكي الذي له عقل جده محمد المصطفى، وأبيه علي المرتضى؟! اي عاقل يصدق أن الامام الحسن كان يقف على قارعة الطريق، وينادي معلنا عن نفسه ورغبته في الزواج والنكاح؟ وأغرب من كل ذلك جواب النسوة كلنا مطلقات ابن بنت رسول الله. متى تزوج بهذه الكثرة الكثيرة؟! ومتى طلقهن؟! وكيف اجتمع مطلقاته كلهن في مجلس واحد؟! وكيف خفين عليه، ولم يعرف حتى ولا واحدة منهن، وبالامس كن
/ صفحة 218 /
في بيته وعلى فراشه؟! حقا إن واضع هذه الا كذوبة قد بلغ الغاية من الجهل والرعونة، وأجهل منه من يصدق امثال هذه الاكاذيب.
- أولاده: كان له 15 ولدا ما بين ذكر وأنثى، وهم: زيد، وأم الحسن، وأم الحسين، وأمهم بشير الانصارية، والحسن، وأمه خولة الفزارية، وعمر، والقاسم، وعبد الله، وأمهم أم ولد، والحسين الملقب بالاثرم، وطلحة، وفاطمة وأمهم أم اسحق بنت طلحة، وأم عبد الله، وأم سلمة، ورقية لا مهات شتى، ولم يعقب منهم غير الحسن وزيد.
- بويع بالخلافة سنة 41 ه، وله من العمر 37 سنة، وأقام في خلافته ستة أشهر، وثلاثة أيام، حيث وقع الصلح بينه وبين معاوية خوفا على نفسه، بعد أن تبين له أن جماعة من رؤساء أصحابه كتبوا سرا إلى معاوية، وضمنوا له أن يسلموه إليه عند دنو العسكرين.
- وفاته: توفي سنة 50 ه، وسبب وفاته أن معاوية دس له سما على يد روجته جعدة بنت الاشعث، وضمن لها ان قتلته بالسم مائة ألف درهم، وتزويجها من ولده يزيد، فاجابته، ومرض الامام أربعين يوما، وانتقل بعدها إلى رضوان ربه. فوفى معاوية لها بالمال، ولم يزوجها من يزيد، وقال لها: أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله (1)، وكان عمره الشريف حين استشهد 47 سنة، أمضى منها 7 سنين وأشهرا مع جده المصطفى، و 37 مع أبيه المرتضى، وبقي بعده مع اخيه الحسين الشهيد عشرا.
قال الامام الصادق: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين، وابنته جعدة سمت الحسن، وابنه محمد شرك في دم الحسين.
وجاء في كتاب " الخوارج والشيعة " للمستشرق فلهوزن نقلا عن المستشرق دوزي ص 12 طبعة 1985 أن الاشعث قد ظل في قلبه مشركا قديما، فأراد الانتقام من الاسلام بخيانة الامام علي. ولم يكن لدى الاشعث في هذا الباب من الدوافع أقل مما كان لغيره من أهل الردة - لان الاشعث كان ممن ارتد عن
ــــــــــــــــــــ
(1) ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الجوزي في تذكرة الخواص، وابن سعد في الطبقات، وغيره. (*)
/ صفحة 219 /
الاسلام بعد رسول الله (ص) (1).
وخطب الامام الحسن صبيحة الليلة التي قبض فيها أبوه أمير المؤمنين، وقال بعد الحمد لله، والثناء عليه، والصلاة على جده محمد:
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون، ولم يدركه الاخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله، فيقيه بنفسه، وكان رسول الله يوجهه برأية، فيكتنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع، حتى يفتح الله على يديه.
ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون، وما خلف صفراء ولا بيضاء الا 700 درهم فضلت من عطائه - راتبه من بيت المال - أراد أن يبتاع بها خادما لاهله..
ثم قال الامام الحسن: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي الى الله باذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت فرض الله تعالى مودتهم وطاعتهم في كتابه، فقال: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له حسنا " فالحسنة مودتنا أهل البيت.
ــــــــــــــــــــ
(1) وهذا الاشعث المرتد يروي عنه البخاري ومسلم، ويعدان حديثه من الصحاح. (*)
/ صفحة 220 /
- السبط الثاني لرسول الله (ص)، والامام الثالث من أئمة أهل البيت، وخامس أصحاب العباء، وأحد ريحانتي رسول الله، وسيدي شباب أهل الجنة.
- ولد في 15 شعبان سنة أربع من الهجرة، وسماه جده (ص) حسينا، وبينه وبين اخيه مقدار الحمل فقط.
- زوجاته واولاده: كان له من الاولاد ستة ذكور، وثلاث بنات: على الاكبر شهيد كربلاء، وأمه ليلى بنت أبي مرة الثقفي، وعلي الاوسط، وعلى الاصغر زين العابدين، وأمه شاهزنان بنت كسرى، ومحمد وجعفر مات في حياة أبيه، وأمه قضاعية، وعبد الله الرضيع ذبح في حجر أبيه، وسكينة، وأمها وأم عبد الله الرضيع الرباب بنت امرئ القيس، وفاطمة، وأمها أم إسحق التميمية، وزينب، ونسل الامام الحسين من الامام زين العابدين.
- قتل في عاشر المحرم سنة 61 ه، وكان عمره الشريف 56 سنة وأشهرا، عاش منها مع جده رسول الله ست سنين، ومع أبيه 36، مع أخيه الحسن 46 وبقي بعد أخيه الحسن 10 سنين.
من هو الحسين:
قال السيد محسن الامين في الجزء الرابع من " أعيان الشيعة ":
" هو أشرف الناس أبا وأما، وجدا وجدة، وعما وعمة وخالا وخالة، جده رسول الله سير النبيين، وأبوه على أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأخوه الحسن المجتبى، وعمه جعفر الطيار مع ملائكة السماء، وعم أبيه حمزة سيد الشهداء، وجدته خديجة بنت خويلد اول
/ صفحة 221 /
نساء الامة إسلاما، وعمته أم هاني، وخاله إبراهيم ابن رسول الله، وخالته زينب بنت رسول الله.
وقد جاهد لاسمى المقاصد، وأنبل الغايات، وقام بما لم بمثله أحد قبله، ولا بعده، فبذل نفسه وماله وآله، لاحياء الدين، وفضح المنافقين، واختار المنية على الدنية، وميتة العز على حياة الذل، ومصارع الكرام على طاعة اللئام، وأظهر من إباء الضيم وعزة النفس، والشجاعة والبسالة، والصبر والثبات ما بهر العقول، وحير الالباب.
وحقيق بمن كذلك أن تقام له الذكرى في كل عام، وتبكي له العيون دما بدل الدموع. وأي رجل في الكون قام بما قام به الحسين. يقول النصارى: إن السيد المسيح قدم نفسه للصلب، ليخلص الشعب من الخطيئة، وأين ما فعله مما فعله الحسين؟. عيسى قدم نفسه فقط على قول النصارى. أما الحسين فقدم نفسه، وأبناءه، حتى ولده الرضيع، وقدم إخوته وأبناء أخيه وأبناء عمه، قدمهم جميعا للقتل، وقدم أمواله للنهب، وعياله للاسر، فانهم يقيمون له مراسم الذكرى والحزن يوم عاشوراء في كل عام. ولو أنصف المسلمون ما عدوا طريقة الشيعة في إقامة الذكرى لسيد الشهداء. فهل كان الحسين دون جان دارك التي يقيم لها الفرنسيون الذكرى في كل عام؟. وهل عملت جان دارك لفرنسا ما عمله الحسين لامة جده؟. فلقد سن لهم نهج الحرية والاستقلال، ومقاومة الظلم، ومعاندة الجور، وطلب العز، ونبذ الجور، وعدم المبالاة بالموت في سبيل الغايات السامية.
هذا، إلى ما يرجوه المسلم من الثواب يوم الحساب على الحزن والبكاء لقتل الحسين، فلقد نعاه جده لاصحابه، وبكى لقتله قبل وقوعه، وبكى معه أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر، فيما رواه الماوردي الشافعي في " أعلام النبوة ".
وقد حث أئمة أهل البيت الطاهر شيعتهم وأتباعهم على البكاء وإقامة الذكرى والعزاء لهذه الفاجعة الاليمة في كل عام، وهم نعم القدوة، وخير من اتبع، وأفضل من أقتفي أثره، وأخذت منه سنة رسول الله، لانهم أحد الثقلين، وباب حطة الذي من دخله كان آمنا، ومفتاح باب مدينة العلم الذي لا يؤتي
/ صفحة 222 /
إلا منه.
ثم قال السيد الامين قدس الله سره: ألف السيد علي جلال المصري كتابا في الحسين اقتطفنا منه ما يلي:
السيد الامام أبو عبد الله الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله، وريحانته، وابن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ونشأة بنت النبوة، له أشرف نسب، وأكمل نفس، جمع الفضائل ومكارم الاخلاق، ومحاسن الاعمال من علو الهمة، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غاية الجود، وأسرار العلم، وفصاحة اللسان، ونصرة الحق، والنهي عن المنكر، وجهاد الظلم، والتواضع عن عز، والعدل والصبر، والحلم والعفاف والمروءة والورع وغيره، واختص بسلامة الفطرة، وجمال الخلقة، ورجاحه العقل، وقوة الجسم، وأضاف الى هذه المحامد كثرة العبادة، وأفعال الخير، كالصلاة والصوم والحج والجهاد والاحسان.
وكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيدا بعلمه، مهذبا بكريم اخلاقه، مؤدبا ببليغ بيانه، سخيا بماله، متوضعا للفقراء، معظما عند الخلفاء، مواصلا للصدقة على الايتام والمساكين، منتصفا للمظلومين، مشتغلا بعبادته، مشى من المدينة على قدمية إلى مكة حاجا خمسا وعشرين مرة. لقد كان الحسين في قت علم المهتدين، ونور الارض، فاخبار حياته فيها هدى للمسترشدين بانوار محاسنه، المقتفين آثار فضله، ولا شك إن الامة تنفعها ذكرى ما أصابها من الشدائد في زمن بؤسها، كما يفيدها تذكر ما كسبته من الماثر ايام عزها، ومقتل الحسين من الحوادث العظيمة، وذكراه نافعة، وإن كان حديثه يحزن كل مسلم، ويسخط كل عاقل.
إن مصرع الحسين عظة المعتبرين، وقدوة المستبسلين ألم تر كيف اضطره نكد الدنيا إلى إيثار الموت على الحياة، وهو أعظم رجل في وقته لا نظير له في شرق الارض وغربها. ومع التفاوت الذي بلغ أقصى ما يتصوربين فئته القليلة، وجيش ابن زياد الكبير في العدة والعدد المدد، فقد كان ثباته ورباطة جأشه، وشجاعته تحير الالباب، لا عهد للبشر بمثلها، كما كانت دناءة أخصامه لا شبيه لها.
وما سمع منذ خلق العالم، ولن يسمع، حتى يفنى، أفظع من ضرب ابن
/ صفحة 223 /
مرجانة بقضيبه ثغر ابن بنت رسول الله، ورأسه بين يديه، بعد أن كان سيد الخلق يلثمه.
ومن آثار العدل الالهي قتل عبيدالله بن زياد يوم عاشوراء، كما قتل الحسين يوم عاشوراء، وإن يبعث برأسه الى علي بن الحسين، كما بعث برأس الحسين إلى ابن زياد. وهل امهل يزيد بعد الحسين إلى ثلاث سنين، أو أقل؟!. وأية موعظة أبلغ من أن كل من اشترك في دم الحسين اقتص الله منه، فقتل أو نكب؟! وأية عبرة لاولى الابصار أعظم من أن يكون قبر الحسين حرما معظما، وقبر يزيد بن معاوية مزبلة؟. وتأمل عناية الله بالبيت النبوي الكريم يقتل أبناء الحسين، ولا يترك منهم إلا صبي مريض أشرف على الهلاك، فيبارك الله في أولاده فيكثر عددهم، ويعظم شأنهم. أما الذين قتلوا مع الحسين فما لهم على وجه الارض شبيه.
ولو قدرت ولاية الحسين لكانت خيرا للامة في حكومتها وحياتها واخلاقها وجهادها. وشتان ما بين السبط الزكي، والظالم السكير يزيد القرود والطنابير، وهل يستوي الفاسق الفاجر، والامام العادل؟. وأين الذهب من الرغام؟.
ولكن اقتضت الحكمة الالهية سير الحوادث بخلاف ذلك، وإذا أراد الله امرا فلا مرد له، واقتضت أيضا أن يبقى أثر جهاد الحسين على ممر الدهور كلما أرهق الناس الظلم تذكرة لمن ندب نفسه لخدمة الامة، فلم يحجم عن بذل حياته، متى كانت فيه مصلحة لها.
/ صفحة 224 /
- الامام الرابع من أئمة أهل البيت، أبو محمد، وزين العابدين علي بن الحسين ابن علي بن ابي طالب، ولد بالمدينة في شهر شعبان سنة 38 ه.
- أولاده: كان له خمسة عشر ولدا، أحد عشر ذكرا، وأربع بنات، والذكور هم محمد الباقر، وأمه فاطمة بنت عمه الحسن، والحسن والحسين الاكبر، والحسين الاصغر، وزيد، وعمر، وعبد الله، وسليمان، وعلي، ومحمد الاصغر، أما الاناث فهن خديجة، وفاطمة، وعليه، وأم كلثوم، من أمهات شتى، وأمهاتكم جميعا أمهات أولاد، ما عدا أم الامام الباقر (ع) (1).
علمه:
إن علم زين العابدين هو علم آل الرسول، وعلمهم هو علم جدهم بالذات، يتلقاه الابن عن الاب عن الجد عن جبرائيل عن الله عزوجل، وقد روى الشيعة والسنة عنه العلوم والادعية والمواعظ والتفسير والحلال والحرام والمغازي وغيرها. ولم يسند حديثا، ولا قولا الى صحابي أو تابعي، لان الناس جميعا تفتقر إلى أهل البيت في العلوم، ولا يفتقرون ألى أحد.
قال الشيخ أبو زهرة في كتاب " الامام زيد " ص 31 وما بعدها طبعة أولى:
" في بيت الامام زين العابدين نشا زيد، وتكونت ميوله، ومنازعه في الحياة، واتجاهاته. وقد كان زين العابدين فقيها، كما كان محدثا، وكان له شبه بجده علي بن ابي طالب في قدرته على الاحاطة بالمسألة الفقيهة من كل جوانبها،
ــــــــــــــــــــ
(1) أم الولد هي العبدة، أو السرية إذا وطاها سيدها، وحملت منه، فتصبح بحكم الحرة لا يجوز بيعها ولا هبتها. (*)
/ صفحة 225 /
والتفريع عليها ".
وكان إذا رأى الشباب الذين يطلبون العلم، أدناهم إليه وقال: مرحبا بكم، أنتم ودائع العلم، ويوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا قوم آخرين. وإذا جاءه طالب علم رحب به، وقال: أنت وصيه رسول الله. إن طالب العلم له يضع رجله على رطب ولا يابس من الارض إلا سبحت له الارض إلى السابعة.
وبالتالي، فلم يختلف اثنان على أن لدى السيد السجاد العلوم المحمدية والعلوية، ولولا ضغط حكام الجور لانتشر عنه من العلوم ما تضيق به الكتب والمؤلفات.
عبادته وأخلاقه:
كان إذا حضرته الصلاة اقشعر جلده، واصفر لونه، وارتعد كالسعفة، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت تسقط منه كل سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده، لكثرة صلواته، وكان يجمعها، ولما مات دفنت معه، وقد حج على ناقته عشرين حجة لم يضربها بسوط.
وكان يحسن إلى من يسئ إليه، من ذلك أن هشام بن اسماعيل كان أميرا على المدينة، وكان يتعمد الاساءة الى الامام وأهل بيته، ولما عز له الوليد، إمر أن يوقف للناس في الطريق العام، ليقتصوا منه، وكان لا يخاف أحدا كخوفه من الامام السجاد، ولكن الامام أوصى أهله وأصحابه أن لا يسيئوا إليه، وذهب إليه بنفسه، وقال له: لا بأس عليك منا، وأية حاجة تعرض لك فعلينا قضاؤها.
وكان للامام ابن عم يؤذيه، وينال منه، فكان ياتيه ليلا، ويعطيه الدنانير.
فيقول: لكن علي بن الحسين لا يصلني بشئ فلا جزاه الله خيرا، فيسمع ويغفر. فلما مات انقطعت الدنانير عنه، فعلم أنه هو الذي كان يصله. وكان يقول لمن يشتمه: إن كنت كما قلت، فأسأل الله أن يغفرلي، وان لم أكن كما قلت فأسأل الله أن يغفر لك.
ولما طرد أهل المدينة بني أمية في وقعة الحرة أراد مروان بن الحكم أن يستودع أهله، فلم ياوهم احد، وتنكر الناس له إلا الامام زين العابدين رحب بهم، وجعلهم من جملة عياله، وقد عال الامام في هذه الوقعة أربعمئة امراة.
كما كان يعول بيوتا كثيرة في المدينة لا يعرفون منم أين يأتيهم رزقهم، حتى مات
/ صفحة 226 /
الامام، فعرفوا أنه كان المعيل. وكان يخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره، وفيه الصرر من الدنانير والدراهم، وربما حمل على ظهره الطعام والحطب، حتى يأتي بابا بابا، فيقرعه، ثم يناول من يخرج إليه، وهو متستر، ولما وضع على المغتسل نظروا الى ظهره، وعليه مثل ركب الابل مما كان يحمل إلى منازل الفقراء والمساكين.
وكان يشتري العبيد، وما به إليهم حاجة، وكان يأتي بهم إلى عرفات، فاذا انتهى من مناسكه أعتقهم، وأعطاهم الاموال، وكان إذا ملك عبدا في أول السنة أو في أثنائها أعتقه ليلة الفطر، وما استخدم خادما أكثر من حول.
وتعال معي، لنقرأ المثال التالي من سيرة الامام السجاد، لتعرف بأي الوسائل كان يتقرب إلى الله تعالى، ويطلب غفرانه ورضوانه، فلم يكتف بالصوم والصلاة، والحج والصدقات، والارشاد إلى الخيرات، والعفو عمن أساء إليه، بل تقرب إليه سبحانه بالاحسان إلى المستضعفين، وأعطاء الحرية للمستعبدين.
كان إذا أذنب عبد من عبيده: أو أمة من امائة، يكتب اسم المذنب ونوع الذنب، والوقت الذي حصل فيه، ولم يعاقب المذنب أو يعاتبه، حتى إذا انتهى شهر رمضان المبارك جمعهم حوله، ونشر الكتاب، وسأل كل واحد منهم عن ذنبه، فيقرو يعترف، فاذا انتهى من عمليه الحساب وقف في وسطهم، وقال لهم قولوا معي:
يا علي بن الحسين ان ربك قد أحصى عليك كما أحصيت علينا، وان لديه كتابا ينطق بالحق، كما نطق كتابك هذا، فاعف واصفح، كما تحب ان يعفو عنك المليك ويصفح، واذكروا قوفك بين يدي الله ذليلا، كما نحن وقوف بين يديك.
فينوح الامام ويبكي، ثم يعفو عنهم ويقول: اللهم إنك امرتنا بالعفو عمن ظلمنا، وقد عفونا كما أمرت، ف