www.islamology.org
|
من مرويات الكافي حول القرآن
لقد خصص الكليني فصلاً كبيراً من المجلد الثاني للمرويات التي تشيد بفضل القرآن ومكانته وتلاوته واقتنائه وحفظه، والاعتصام به، مما يؤكد حرص الائمة (ع) على تعظيمه وتقديسه والعمل به والاستفادة من حكمه وآدابه وتعاليمه، وليس بوسعنا ان نستقصي جميع ذلك، ولا جميع مرويات الكافي التي احاطت بجميع نواحي الخير والفضيلة والاخلاق، وعالجت جميع المشاكل ووضعت لها الحلول التي تتناسب مع جميع العصور.
وقد رأيت ان اختم كتابي هذا ببعض المرويات التي تشعر بتحريف القرآن، وعليها قد اعتمدت من نسب القول بالتحريف الى الشيعة وائمتهم واسقاط بعض الآيات منه.
فمن ذلك ما رواه في باب النوادر عن الاصبغ بن نباتة ان امير المؤمنين (ع) كان يقول: نزل القرآن اثلاثاً، ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وامثال، وثلث فرائض واحكام.
وقد استنتج من نسب القول بالتحريف الى الشيعة من هذه الرواية ان الثلث الذي هو في اهل البيت واعدائهم، قد اسقط من القرآن، بنظر الشيعة لان الموجود بين ايدي المسلمين لم يشتمل على هذا النوع من الثلث صراحة وقد فاتهم ان الذي يعنيه الامام (ع) بهذه الرواية من الثلث
{ 346 }
الاول على صحتها هم ومن كان من سنخهم من المؤمنين والطيبين الذين طبقوا مبادئهم وعملوا بما جاء به الانبياء والمرسلون، ويعني بعدوهم كل منحرف عن الحق لا يؤمن بيوم الحساب، ولا يعمل بما امر الله ورسوله، فالآيات التي تعرضت للطيبين والمسارعين الى الخيرات والاعمال الصالحات نزلت فيهم، لان من كان بهذه الصفات فهو منهم بعمله وروحه وايمانه بمبادئهم التي دعا اليها الاسلام وجميع الاديان ونص عليها القرآن لا فرق في ذلك بين الابيض والاسود والعربي وغيره، ولذلك وحده كان سلمان من اهل البيت وتأكيداً لهذا المبدأ قال الرسول (ص): سلمان من اهل البيت.
والآيات التي تعرضت للاشرار والفجار والمنافقين في أي عصر كانوا هي في عدوهم، ولو سبقهم بعشرات القرون، لانهم لا يعادون الا في الله، ولا يحبون الا في الله.
ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: يا محمد اذا سمعت اللّه ذكر احداً من هذه الامة بخير فنحن هم، واذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهو عدونا.
وجاء عنه (ع) انه قال: نزل القرآن اثلاثاً ثلث فينا وفي محبينا، وثلث في اعدائنا واعداء من كان قبلنا، وثلث سنن وامثال، ولو ان الآية اذا نزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري اوله على آخره ما دامت السموات والارض، ولكل قوم آية يتلونها هم منها في خير او شر(1).
______________________________
(1) والمراد من ذلك ان الآية قد يكون موردها خاصاً احياناً، ولكن حكمها يسري على من كان سنخ موردها ولو بعد نزولها بعشرات السنين.
{ 347 }
هذا بالاضافة الى ان الرواية من حيث سندها ليست مستوفية للشروط المطلوبة، لان الراوي لهذه الرواية عن الاصبغ بن نباتة كان من المعاصرين للامام الصادق (ع) كما يظهر من كتب الرجال وبينه وبين الاصبغ اكثر من سبعين عاماً، وقد رواه عنه بدون واسطة، وهذا من نوع التدليس في الرواية الموجب لضعفها، وفوق ذلك فهو من المتهمين بالوضع عند المؤلفين في الرجال.
وقد روى داود بن فرقد عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) بسند اقرب الى الصحة من الحديث السابق، ان القرآن نزل اربعة ارباع، ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن واحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم، وفصل ما بينكم.
وهذه تنافي الرواية السابقة التي قسمته اثلاثاً، ونصت على ان الثلث الاول نزل في اهل البيت واعدائهم.
واذا كان الثلث الاول فيهم وفي اعدائهم باسمائهم واشخاصهم كما يقتضيه الجمود على ظاهر الرواية، فلماذا لم يحتج عليهم امير المومنين (ع) في الايام الاولى بعد وفاة الرسول (ص) بذلك الثلث، مع انه وقف معهم موقف الخصم المطالب بحقه، واحتج عليهم بمختلف الاساليب، ولم يحدث التاريخ عنه او عن اصحابه وبنيه انهم احتجوا بذلك، ولو صحت الرواية وكان المراد منها المعنى الظاهر لكانت تلك الآيات من اقوى الحجج الدامغة لهم ولكل افاك اثيم.
ومهما كان الحال فالرواية على تقدير صدورها عن الامام (ع) تشير الى ما ذكرناه اولاً.
وروى عن احمد بن محمد بن ابي نصر انه قال: دفع الي
{ 348 }
ابو الحسن (ع) مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه، لم يكن الذين كفروا ووجدت فيها سبعين رجلاً من قريش باسمائهم واسماء آبائهم، فبعث الي ابو الحسن (ع) ابعث الي بالمصحف.
وروى عن عبد الرحمن بن ابي هاشم عن سالم بن ابي سلمة انه قال: قرأ رجل على ابي عبد الله (ع) وانا استمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال ابو عبد الله: كف عن هذه القراءة، واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فاذا قام قرأ كتاب الله عز وجل على حدة، واخرج المصحف الذي كتبه علي (ع)، واضاف الى ذلك. ان علياً اخرجه الى الناس حين فرغ من كتابته، فقال لهم، هذا كتاب الله عز وجل كما انزله الله على محمد (ص) وقد جمعته من اللوحين، فقالوا هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة فيه، فقال: اما والله ما ترونه بعد يومكم هذا ابداً، انما علي ان اخبركم حين جمعته لتقرءوه(1).
وروى في كتاب الحجة من المجلد الاول بعض المرويات التي تشير الى تحريفه، وقد عرضنا قسماً منها في الصفحات السابقة وابدينا حولها بعض الملاحظات التي لا مفر منها ونبهنا على ان رواتها من الغلاة والمنحرفين عن مخطط التشيع الصحيح لاهل البيت (ع).
ومن هذه المرويات التي اوردها الكليني وغيره من المحدثين في مجامعيهم تعرض الشيعة وبخاصة الكليني لاعنف الهجمات من السنة وبالغوا في التشنيع عليهم الى حد الغلو والافراط الذي لا مبرر له، وزعموا ان للشيعة قرآناً غير القرآن الموجود بين ايدي المسلمين، ووصف الشيخ ابو زهرة الكليني بالنفاق والخروج عن الدين، ودعا الى التشكيك بجميع مرويات الكافي، لانه دون فيه هذا النوع من الاحاديث، مع العلم بان محدثي السنة دونوا في صحاحهم وغيرها احاديث من هذا النوع لا
______________________________
(1) انظر ص 627 و 628 و 631 و 623.
{ 349 }
تقبل التأويل والتوجيه كما يبدو من المرويات التالية التي دونها البخاري في صحيحه.
فقد جاء في المجلد الثاني منه عن ابراهيم بن علقمة انه قال: دخلت في نفر من اصحاب عبد الله الشام فسمع بنا ابو الدراداء فأتانا وقال: افيكم من يقرأ القرآن فقلنا نعم: فقال فأيكم اقرأ فاشاروا الي، فقرأت والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر والانثى، قال: انت سمعتها من في صاحبك قلت نعم، قال وانا سمعتها من في النبي (ص) وهؤلاء يأبون علينا. وما خلق الذكر والانثى.
وفي رواية ثانية ان ابا الدرداء قال لعلقمة كيف سمعته يقرأ والليل اذا يغشى، قال علقمة: والذكر والانثى، قال ابو الدرداء: اشهد اني سمعت النبي (ص) يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني على ان اقرأ وما خلق الذكر والانثى، والله لا اتابعكم على ذلك.
وروى في المجلد الثاني رواية بهذا المضمون ايضاً(1).
وروى في المجلد الرابع عن عبد الله بن عباس انه قال: قدمنا المدينة عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس فوجدت سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل جالساً الى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبتيه، فلم انشب ان خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فانكر علي وقال ما عسيت ان يقول ما لم يقله قبله، فجلس عمر بن الخطاب على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام فاثنى على الله بما هو اهله ثم قال: اما بعد فاني قائل مقالة قد قدر لي ان اقولها لا ادري لعلها بين يدي اجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي ان لا
______________________________
(1) انظر ص 215 ، ج 3، و 307، ج 2 .
{ 350 }
يعقلها فلا احل لاحد ان يكذب علي، ان الله بعث محمداً بالحق وانزل عليه الكتاب فكان ما انزل عليه آية الرجم فعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ورجمنا بعده، واخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فضيلة انزلها الله.
والرجم في كتاب الله حق على من زنى اذا احصن من الرجال والنساء اذا قامت البينة، او كان الحبل، او الاعتراف، وكنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله، ان لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم.
وروى ايضاً عن عكرمة، ان عمر بن الخطاب قال: لولا اني اخشى ان يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي(1).
وجاء في النصوص التي تعرضت لها. ان زيد بن ثابت لم يدون آية الرجم في كتاب الله حينما اوكل اليه امر جمع القرآن، لانه كان لا يدون آية الا بشهادة عدلين، ولم يكتف بشهادة عمر وحده، في حين ان آخر سورة براءة لم توجد الا مع خزيمة بن ثابت، فقال ابو بكر اكتبوها: فقد جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين.
وروى في المجلد الثاني عن انس بن مالك ان النبي (ص) دعا على الذين قتلوا اصحاب بئر معونة ثلاثين غداة، على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، واضاف الى ذلك انس، ان الله انزل في الذين قتلوا بئر معونة قرآناً قرأناه، ثم نسخ بعد (بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه)(2).
______________________________
(1) انظر ص 179 و 265، ج 4.
(2) ص 140 ، ج 2 ولا بد من التنبيه على ان النسخ انما يكون بالنسبة الى الاحكام واما الالفاظ والصيغ فلا نسخ فيها ولذا فان الآيات التي نسخ حكمها في القرآن لم تسقط من اصل القرآن ولم تخرج عن كونها قرآناً منزلاً من الله سبحانه.
{ 351 }
وقد ذكرنا سابقاً عن مصحف عائشة كما جاء في الاتقان، وانها تدعي بان الله انزل في القرآن، ان الله وملائكته يصلون على النبي، وعلى الذين يصلون الصفوف الاولى.
وجاء في بداية المجتهد لابن رشد وغيرها، ان القرآن نزل بعشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن، كما جاء في رواية السيدة عائشة.
مع العلم بانه ليس في القرآن ما يشير الي ذلك من قريب او بعيد.
وجاء في الاتقان للسيوطي، عن المسور بن مخزمة ان عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف: لم نجد فيما انزل علينا، ان جاهدوا كما جاهدتم اول مرة، فانا لا نجدها، قال: اسقطت فيما اسقط من القرآن.
وجاء في صحيح مسلم. ان ابا موسى الاشعري بعث الى قراء اهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال انتم خيار اهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وانا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأُنسيتها غير اني قد حفظت منها، لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى غيرهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب وكنا نقرأ سورة نشبهها باحدى المسبحات فانسيتها غير اني حفظت منها، يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في اعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة(1).
الى غير ذلك من المرويات عند السنة في صحاحهم وغيرها، ومع ذلك فقد تجاهلوا جميع هذه المرويات ونسبوا القول بالتحريف الى
______________________________
(1) البيان في التفسير للسيد الخوئي عن مسلم، ج 3، ص 100 .
{ 352 }
الشيعة وخدهم، مع العلم بان علماء الشيعة تمشياً مع المخطط الذي وضعه ائمتهم لا يزالون منذ اقدم العصور الاسلامية ينكرون هذه النسبة في كتبهم ومناظراتهم، ويجادلون اصحاب هذه المقالة بالحجج والبراهين، ويثبتون بالادلة التي لا تقبل الريب ان القرآن الموجود بين المسلمين هو المنزل على محمد (ص) من غير زيادة او نقصان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا ينكرون وجود بعض المرويات في الكافي وغيره حول هذا الموضوع، ولكنهم يرون ان اكثر تلك المرويات مكذوبة على الائمة (ع) لان رواتها من الغلاة والباطنية كما اشرنا الى ذلك في المباحث السابقة والصحيح منها ليس صريحاً في التحريف بمعنى النقصان لامكان ان يكون المراد منه تحريف المعاني مع الاحتفاظ بالصيغة والالفاظ.
ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية سعد الخير التي رواها في الكافي عنه، ان ابا جعفر الباقر كتب الى سعد الخير كتاباً اوصاه فيه بتقوى الله، وجاء فيه، وكان من نبذهم الكتاب ان اقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه.
وهذا الرواية تفسر التحريف الوارد في بعض مرويات الكافي وغيره من كتب الحديث والتفسير.
ومن خصوص الزيادة الموجودة في مصحف علي (ع) كما جاء في بعض المرويات، لو تغاضينا عن العيوب الموجودة في اسانيدها والتزمنا بصحتها من ناحية السند، فلا بد وان تكون الزيادات المزعومة من قبيل التفسير والتوضيح للمراد من تلك الآيات عن طريق الوحي او النبي (ص) كما نص على ذلك جماعة من علماء الامامية.
ويدل على ذلك ما جاء في الكافي عن ابي بصير انه قال: سألت
{ 353 }
أبا عبد الله الصادق (ع) عن قوله تعالى: «اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم». فقال: نزلت في علي والحسن والحسين (ع) قلت له: ان الناس يقولون: فما له لم يسم علياً والحسن والحسين في كتاب الله؟ قال: قولوا لهم: ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسم لهم ثلاثاً ولا اربعاً حتى كان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم.
هذا بالاضافة الى ان علياً والمتخلفين معه عن بيعة ابي بكر لم يحتجوا على احد بورود هذه الاسماء في القرآن الكريم ولو كان له ولابنائه ذكر صريح في كتاب الله، لكان احتجاجهم بذلك اجدى وانفع من جميع الحجج التي استدلوا بها على استخلافه بعد النبي (ص) كما ذكرنا سابقاً.
ومهما كان الحال فروايات التحريف رواها بعض محدثي الشيعة كالكليني وغيره، ورواها اهل السنة في صحاحهم كالبخاري ومسلم وغيرهما وهي عند السنة اكثر منها عند الشيعة وبشكل ابشع واسوأ اثراً مما رواه محدثوا الشيعة، والذين آمنوا بها من السنة لا يقلون عمن آمن بها من الشيعة، وان كانوا لا يمثلون رأي الجمهور في ذلك، لان اكثرهم من المنكرين لها، كما هو الحال بالنسبة الى الشيعة ايضاً.
ولو ان الذين كتبوا من السنة وقفوا عند عرض وجهة نظر الفريقين واقتصروا على تفنيد هذا الرأي اياً كان قائله، لكان ذلك اقرب الى منطق الدين والعقل، وابعد عن التحيز والتعصب الذي يثير الشحناء والبغضاء ولا يخدم الا العدو الذي يستغل هذه المهاترات لاغراضه ومصالحه.
ولكنهم بدلاً من ذلك، ومع وجود تلك المرويات في صحاحهم ومجاميعهم وقفوا موقف المهاجم العنيد والخصم الحاقد على الشيعة ليقذفوا بمفترياتهم تلك الحصون المنيعة التي بنيت بتعاليم علي واهل بيته الطيبين المستوحاة من الرسول الاعظم والكتاب الكريم ونسي هؤلاء ان
{ 354 }
حصونهم وبيوتهم من الزجاح الذي لا يصمد لهبات النسيم فضلاً عن العواصف والاحجار.
لقد تعرض لمسألة التحريف من المتأخرين الشيخ ابو زهرة في كتابيه (الامام الصادق، والامام زيد بن علي) ووصف فيهما الكليني بالنفاق والخروج عن مخطط الاسلام، ودعا الى التشكيك بجميع مروياته في الكافي وفي نفس الوقت تعرض للسيوطي في الاتقان وغيره ممن روى هذه المرويات وانتهى الى النتيجة التالية.
ان ما نقله السيوطي واشباهه لا يجعل مساغاً للتشكيك في دينهم، وان كنا لا نوافق على سرد الاقوال ذلك السرد الذي سلكه السيوطي في كتابه من غير تمحيص لها(1).
واذا كان السيوطي مع انه دون هذه الاحاديث في كتابه من غير تمحيص لها لا يصح التشكيك في دينه كما يدعي ابو زهرة، فبماذا يعتذر حضرته عن البخاري الذي اختار جامعه من ستماية الف حديث ولا بد وان يكون قد محصها تمحيصاً دقيقاً حتى انتهى الى العدد المختار في صحيحه الذي بلغ نحواً من سبعة آلاف وستماية حديث تقريباً، ومع هذا التمحيص فقد روى احاديث النقص وما يشبهها غرابة واستهجاناً كحديث سحر النبي، ووضع الرب رجله في جهنم، وحديث موسى مع الحجر ونحو ذلك من الاحاديث التي عرضنا قسماً منها، وكتابه اصح كتب الحديث بل اصح كتاب بعد كتاب الله على حد تعبيرهم، واذا اخذنا بمقاييس ابي زهرة يجب التشكيك بدينه والنقد الواعي لجميع مروياته او طرحها، ولكنه لم يطبق هذا المبدأ الا على الكليني وحده.
فقد قال عندما تحدث عن البخاري محاولاً تبرير موقفه من وجود مرويات غير مرضية في صحيحه، قال: والبخاري ذاته هو اصح الكتب
______________________________
(1) انظر ص 326 من «كتابه الامام الصادق».
{ 355 }
اسناداً قد اخذت عليه احاديث، وما كان ذلك مسوغاً لتكذيب البخاري ولا كان ذلك مسوغاً لنقض الصحيح الذي رواه.
ونحن لا ننكر عليه ان وجود بعض المرويات المكذوبة في أي كتاب كان لا يوجب الطعن والتفسيق لصاحب الكتاب، ولا سقوط جميع مروياته، والذي انكرناه انه كان من المفروض عليه وهو يدعي التجرد والاخلاص للحق ان لا يفرق بين الكليني والبخاري، وان يحكم عليهما بحكم واحد، لان كلاً منهما قد روى احاديث النقص والتحريف. واخذت عليه احاديث لا يمكن الالتزام بها والاطمئنان اليها، فلماذا وهو الباحث المجرد على حد زعمه، كانت تلك المرويات المكذوبة في الكافي موجبة للطعن في دينه والتشكيك بجميع مروياته والمرويات المكذوبة في البخاري لا توجب شيئاً من ذلك.
وانني اعود فاكرر ما ذكرته سابقاً من اني لم اتحيز في هذه الدراسات الى فريق معين، ولكنها الحقيقة تفرض نفسها احياناً على الكاتب، فيضطر الى ابرازها مهما كلفه ذلك من ثمن، وانا واثق باني سأتعرض بسبب هذه الدراسات الى النقد والهجوم من مقلدة الشيعة وحشوية العامة الذين احتضنوا كتب الحديث وغالوا في تقديسها على ما فيها من العلل والعيوب، من غير تفكير بالاخطار الناجمة عن وجود تلك المرويات المنتشرة هنا وهناك بين السنة المحمدية والتي تمكن اعداء الاسلام واعداء اهل البيت (ع) من التشنيع عليها وتشويه معالمها النيرة الساطعة.
وارجو ان تكون هذه الدراسات المختصرة تمهيداً لدراسات واسعة تشمل جميع كتب الحديث وتصفيتها من الموضوعات التي تسيء الى السنة الكريمة ومنه سبحانه نستمد العون، والاخلاص في العمل والتوفيق لخدمة الدين والمذهب انه قريب مجيب.
www.islamology.org
|