www.islamology.org

التقية في الكافي

لقد روى الكليني في باب التقية 23 حديثاً، وكلها تنص بصراحة تأبى عن التأويل ان للانسان ان يتهرب من الضرر الموجه عليه ممن هو اقوى منه، ولو ادى ذلك الى موافقته فيما هو مخالف للحق او للاعتقاد من قول او فعل.
ومن امثلة ذلك ما رواه عن هشام بن سالم، عن ابراهيم الاعجمي ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: يا ابا عمر ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين.
وهذه الرواية كما وضعت مبدأ التقية عند الخوف من ضرر الغير، يستفاد منها مشروعيتها في الفروع والاصول وفي كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين(1).
وروى عن جابر المكفوف، عن عبد الله بن ابي يعفور ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: اتقوا على دينكم بالتقية، فانه لا ايمان لمن لا تقية له، انما انتم في الناس كالنحل في الطير، لو ان الطير تعلم ما في اجواف

______________________________
(1) ولعل عدم مشروعيتها في النبيذ والمسح على الخفين من حيث انهما من غير المتفق على جواز استعمالهما عند جميع ائمة المذاهب الاربعة، او من حيث ان عدم جواز استعمالهما معروف من مذهب الامامية.

{ 327 }


النحل ما بقي منها شيء الا اكلته، ولو ان الناس علموا ما في اجوفكم من حبنا اهل البيت لاكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم مات على ولايتنا.
وروى عن هرون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة انه قال: قيل لابي عبد الله (ع) ان الناس يروون ان علياً (ع) قال على منبر الكوفة: ايها الناس انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم تدعون الى البراءة مني فلا تتبرءوا مني، فقال (ع) ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع) ان علياً قال: انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم ستدعون الى البراءة مني، واني لعلى دين محمد (ع) ولم يقل لا تتبرءوا مني، فقال له السائل: ارأيت ان اختار القتل دون البراءة، فقال: والله ما ذلك عليه، وما له الا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكرهه اهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان، فانزل الله، الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان.
فقال له النبي (ص) يا عمار ان عادوا فعد فقد انزل اللّه عذرك وامرك ان تعود ان عادوا اليك.
وروى عن عبد الله بن اسد عن عبد الله بن عطاء انه قال: قلت لابي جعفر الباقر (ع) رجلان من اهل الكوفة اخذا فقيل لهما ابرءا من علي، فبرئ احدهما وابي الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر، فقال (ع) اما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، واما الذي لم يبرأ فرجل تعجل الى الجنة(1).

______________________________
(1) انظر ص 217 و 218 و 220 و 221، فالذي برئ فقيه في دينه لانه استطاع ان يتخلص من القتل باظهار كلمة البراءة من علي وقلبه عامر بحبه وولائه فهو كغيره من المسلمين الاولين الذين اكرههم المشركون على البراءة من محمد (ص) ورسالته فأنزل فيهم «الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان» والثاني تعجل الى الجنة لانه لم يشأ ان يتنازل ولو بلسانه عن ولائه لعلي وآله الطيبين واعطى لغيره مثلاً رائعاً في البطولة والفداء من اجل الحق والعقيدة.

{ 328 }


الى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد مشروعيتها وتفرض على المكلفين استعمالها في شيء يضطر اليه الانسان من غير فرق بين الاصول والفروع، الا اذا توقف التخلص من ضرر الغير على قتل انسان مثلاً، فلا تقية في مثل ذلك، لانها شرعت للتخلص من الضرر، فاذا لزم من استعمالها ضرر مماثل او اقوى من الضرر الذي توعد به الظالم فلا تحصل الغاية المطلوبة منها.
وقد جاء في رواية شعيب الحداد عن محمد بن مسلم ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ الدم فلا تقية حينئذ.
وقد تحدث الفقهاء عن التقية في مختلف المواضيع من الفقه حسب المناسبات والفوا فيها الرسائل المستقلة التي تحدد موضوعها ومواردها، حسب الزمان والمكان والاشخاص.
ومع انها من الضرورات التي يفرضها العقل، بالاضافة الى الشرع الذي حث عليها كتاباً وسنة، مع انها كذلك فقد تعرض الشيعة منذ العصور الاولى لاعنف الهجمات واسوأ الاتهامات لانهم يستعملونها حفظاً لدمائهم وصوناً لاعراضهم كما يلتجئ غيرهم لذلك عندما تلاجئه الضرورات لمجارات الغير تهرباً من ضرره من حيث لا يشعرون.
ان فكرة التقية ليست من مختصات الشيعة، ولا من مخترعاتهم، فالانسان بطبعه مفطور على التهرب من الضرر بما يملك من الوسائل التي تهيئ له السلامة، وعندما يرى نفسه عاجزاً عن دفعه بالقوة وبغيرها ممن وسائل الدفاع، يضطر الى مجاراة من يخاف ضرره والتسليم له في العقل والقول، وقد اقر الاسلام هذا الاسلوب من اساليب الدفاع عن النفس منذ ان بزغ فجره يوم كان المسلمون الاولون يتعرضون للاذى والتعذيب

{ 329 }


من القرشيين وغيرهم، وكان من امر عمار بن ياسر احد المعذبين، ان اظهر لهم التراجع عن الاسلام بلسانه بعد ان رأى ان صموده وتصلبه يؤديان به الى الهلاك، فاقره النبي على مجاراتهم، وانزل الله فيه بهذه المناسبة قوله الا من اكره وقلبه مطمئن للاسلام، وقال له النبي (ص): ان عادوا فعد، فقد انزل الله فيك قرآناً، وامرك ان تعود ان عادوا اليك.
وقال تعالى في معرض النهي عن متابعة الكافرين ومجاراتهم في افعالهم واقوالهم: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة».
واذا جازت التقية في اظهار الكفر والشرك تهرباً من الضرر تجوز في غيرهما من الاصول والفروع بالاولوية.
ومهما كان الحال فالتقية تتصف بالوجوب والاستحباب والحرمة، فتجب في موارد الضرر المترتب على المخالفة، كما لو علم المصلي مثلاً بانه اذا لم يصل متكتفاً يتعرض للاهانة والايذاء، او القتل ونحو ذلك من الاضرار.
وتكون مستحبة عند توهم الضرر، او عند العلم بحصول الضرر اليسير الذي لا يضر بالحال.
والمحرم منها هو مجاراة الغير على ترك واجب، او فعل حرام مع العلم بعدم الضرر على فعل الواجب وترك الحرام، او مجاراته على قتل الغير والتعدي على الناس بما يضر بحالهم كما لو قتل انساناً او قطع يده مثلاً خوفاً من ضرر الحاكم، وجاء في رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) انه قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ الدم فلا تقية.

{ 330 }


وقد نص الشيخ الانصاري في رسالته التي الفها في التقية، على ان المدرك في وجوب التقية في موارد وجوبها، هو ادلة نفي الضرر، وحديث الرفع الذي اشتمل على رفع ما يضطر اليه الانسان، بالاضافة الى ادلة التقية التي تنص على انها واسعة وليس شيء منها الا وصاحبها مأجور عليه.
وهذه الادلة من حيث معذورية المكلف بمجموعها تحكم على ادلة الواجبات والمحرمات، ولا تتعارض مع شيء منها، ذلك لان ادلة التقية تقيد موضوع تلك الادلة بغير مواد الاضطرار والخوف من الضرر، كما هو الشأن في جميع الادلة الحاكمة التي ترجع في واقعها الى التصرف في الادلة المحكومة سعة وضيقاً(1).
ومعنى ذلك ان ادلة الواجبات والمحرمات اذا ضممنا اليها ادلة التقية التي ترخص في ترك بعض الواجبات او ادخال ما لا يجوز ادخاله في موضوع التكليف، هذه الادلة تصبح مختصة بصورة عدم الضرر على فعل الواجب، او ترك الحرام، اما من ناحية صحة العمل الواقع على وجه التقية، فان ادلة تشريعها بلحاظ ذاتها بما في ذلك قوله (ع): التقية في كل شيء، وليس شيء اوسع منها لا يستفاد منها اكثر من الترخيص في الاتيان بالعمل الناقص او الزائد تهرباً من الضرر المترقب ممن يخاف من ضرره، ولا تدل على صحته او فساده، كما هو الحال في حديثي الضرر والرفع وامثالهما من ادلة العسر والحرج الواردة في معرض التسهيل والتيسير على المكلفين، والتي ترفع المؤاخذة او الحكم حسب اختلاف المقامات فمن اضطر الى الصلاة متكتفاً، او مع من لا تصح معه الصلاة ونحو ذلك، فأدلة وجوب التقية تفرض عليه ان يصلي متكتفاً ومؤتماً بمن لا يصح الائتمام به ولا نظر فيها الى كفاية هذا العمل عن الواقع وعدمها،

______________________________
(1) انظر رسالة الشيخ مرتضى الانصاري في التقية.

{ 331 }


ولا بد في مثل ذلك من الرجوع الى ادلة الاحكام التي اعتبرت الشيء جزءاً او شرطاً، او مانعاً، فان كانت بحسب اطلاقها تشمل حالتي الاضطرار والخوف من ضرر الغير، فلازم ذلك فساد العمل الواقع لجهة التقية لانه يفقد بعض الاجزاء او لانه يقترن ببعض الموانع، وان لم يتسع اطلاقها لحالتي الاضطرار والخوف من ضرر الغير يكون العمل الواقع لجهة التقية صحيحاً لا يجب اعادته في الوقت ولا قضاؤه في خارجه، ولو ارتفع العذر المسوغ للتقية قبل خروج الوقت في الواجبات المؤقتة وكان المكلف قد اوجد المأمور به تقية، كما لو اذن المشرع بالصلاة متكتفاً، او امره بالاتيان بالصلاة، او بغيرها من العبادات حسبما يراه المخالفون، ثم ارتفع العذر المسوغ للتقية قبل مضي الوقت فقد نص الشيخ الانصاري، بانه لا ينبغي الاشكال في كفاية العمل الواقع من المكلف على جهة التقية، واحتج لذلك بان الامر بالكلي كما يسقط بفرده الاختياري كذلك يسقط بفرده الاضطراري لو كانت ادلة الموانع ظاهرة في المانعية في حال الاختيار، فيكون المقام شبيهاً بالطهارة الترابية فيما لو صلى المكلف متيمماً، ثم ارتفع العذر قبل خروج الوقت حيث ان المستفاد من تشريع التيمم عند الخوف من استعمال الماء، او عدم وجوده: المستفاد من ذلك جعل فردين طوليين للطهارة هما الماء والتراب، فاذا تحقق موضوع الثاني، وصلى المكلف متيمماً بعد الاذن الشرعي بالصلاة يتعين سقوط الامر المتعلق بالعمل المأتي به في هذه الحالة، وهكذا الحال فيما لو كانت ادلة الاجزاء والشروط والموانع باطلاقها تشمل حالة الخوف من ضرر الغير، وادلة التقيد التي تفرض على المكلف الاتيان بالعمل الناقص، او المقترن بالمانع نتيجتها تقييد اطلاق تلك الادلة بغير موارد الخوف والاضطرار.
ثم انه لو كان زوال العذر محتملاً قبل خروج الوقت، فجواز المبادرة الى الاتيان بالعمل على وجه التقية مبني على ان ذوي الاعذار، هل لهم ان يبادروا الى الامتثال في الاجزاء الاولى من الوقت مع احتمال

{ 332 }


بقاء الوقت الذي يتسع للواجب بجميع اجزائه وشرائطه بعد زوال العذر، ام يجب عليهم الانتظار في مثل هذه الحالة ليتاح لهم اداء الواجب على الوجه الشرعي، والمعول في مثل ذلك على الادلة الخاصة التي تعرضت لحال التقية موضوعاً وحكماً.
والذي عليه اكثر الفقهاء جواز المبادرة الى الاتيان بالعمل تقية على الوجه المرغوب فيه عند المخالفين، ولو كان المكلف يحتمل اتساع الوقت لادائه على وجهه الشرعي بعد زوال الخوف الموجب للتقية، وليس ذلك ببعيد عن بعض نصوصها.
مثل قوله في رواية ابراهيم الاعجمي ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين.
وقول ابي جعفر الباقر (ع): التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد احله الله.
فان الظاهر من هذه المرويات جواز المبادرة الى الفعل عند حصول السبب المسوغ له، ولو احتمل زواله قبل خروج الوقت.
هذا بالاضافة الى الموارد التي اذن فيها الشارع بمتابعتهم من غير تقييد بحالة دون اخرى، كغسل الرجلين بدلاً عن مسحهما، والتكتف في الصلاة والائتمام بهم ونحو ذلك.
ويبدو من النصوص الفقهية ان الفقهاء بين من يرى جواز المبادرة الى العمل على وجه التقية وان كان له فسحة من الاتيان به على وجهه الشرعي في محل آخر او زمان آخر، ومن هؤلاء الشهيدان والمحقق الثاني في كتبه الثلاثة، الروض والبيان وجامع المقاصد.

{ 333 }


وبين من لا يكتفي بالعمل على وجه التقية الا اذا لم يتمكن من الاتيان به كاملاً في محل آخر او زمان آخر، ومن هؤلاء السيد محمد صاحب المدارك.
وبين من فصل بين الموارد المأذون بها بالخصوص، وبين غيرها مما لم يرد فيها نص بخصوصه، كالصلاة الى غير القبلة، والوضوء بالنبيذ، والاخلال بالموالاة في الوضوء ونحو ذلك من الموارد التي لم يتعلق بها اذن خاص.
والذي تؤيده بعض المرويات عن الائمة (ع) انه لا بد وان يكون المكلف غير متمكن من الاتيان بالواجب على وجهه في ذلك الجزء من الوقت بخصوصه.
فقد جاء في رواية احمد بن محمد بن ابي نصر، ان ابراهيم بن شيبة قال: كتبت الى ابي جعفر الثاني (ع) عن الصلاة خلف من يتولى علياً وهو يرى المسح على الخفين، وخلف من يحرم المسح على الخف وهو يمسح، فكتب (ع) ان جامعك واياهم موضع لا تجد بداً من الصلاة معهم فاذن لنفسك واقم فان سبقك الى القراءة فسبح.
وجاء في رواية ثانية عنه، لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامية(1) الا ان تخافوا على انفسكم ان تشهروا او يشار اليكم فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً.
هذا بالاضافة الى المرويات التي تنص على ان التقية في كل شيء

______________________________
(1) الكرامية هم اتباع محمد بن كرام، وكان من القائلين بالتجسيم والتشبيه، وجاء في كتابه (عذاب القبر) ان معبوده مماس للعرش والعرش مكان له، وكان من اهل البدع والضلال، كما نص على ذلك الاسفرايني، في التبصير، والشهرستاني في الملل والنحل.

{ 334 }


يضطر اليه الانسان، اذ بمقتضى تلك النصوص انه لا بد من الاضطرار حتى يسوغ للمكلف الاتيان بالعمل على جهة التقية.
ولو افترضنا ان المكلف يتمكن من تخليص نفسه ولو بالذهاب الى بيته لاداء فريضته، او بطريق آخر لا عسر فيه ولا حرج عليه في سلوكه لا يصدق الاضطرار المسوغ للامتثال على وجه التقية.
قال الشيخ مرتضى الانصاري: فمراعاة عدم المندوحة في الجزء الاول من الزمان الذي يوقع فيه الفعل اقوى مع انه احوط، نعم تأخير الفعل عن أول وقته لتحقق الامن والسلامة وارتفاع الخوف مما لا دليل عليه، بل الاخبار بين ظاهر وصريح بخلافه(1).
وقد تبين من جميع ما ذكرناه ان موارد التقية لا بد فيها من الخوف على النفس او المال من الغير القادر على الاضرار، سواء كان مسلماً او غيره، بل وحتى لو كان من المنتسبين الى التشيع، واذا كان المكلف متمكناً من التهرب من الضرر في الزمان الاول لا يصدق الاضطرار المسوغ للاتيان بالعمل الناقص او المخالف لمذهبه، وتؤكد اكثر النصوص انها أي التقية واسعة لا تختص بأمر دون آخر، فكل شيء يضطر اليه الانسان يتعين عليه مجاراة الغير فيه من غير فرق بين الاصول والفروع، وليس شيء ادل على ذلك من موقف المسلمين الاولين مع مشركي مكة الذين كانوا يعذبون على الاسلام ويظهرون الشرك بألسنتهم وقلوبهم عامرة بالايمان بالله ونبوة محمد (ص).
ويؤكد ذلك ما جاء عن امير المؤمنين (ع) في بعض وصاياه لاصحابه، قال: وأمرك ان تستعمل التقية في دينك، فان الله سبحانه قال:

______________________________
(1) رسالة التقيد للشيخ مرتضى الانصاري.

{ 335 }


لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة.
واضاف الى ذلك، وقد اذنت لكم بتفضيل اعدائنا ان الجأكم الخوف اليه، وفي اظهار البراءة، وفي ترك الصلاة المكتوبة ان خشيتم على حشاشتكم الآفات والعاهات، وتفضيلكم لاعدائنا عند الخوف لا ينفعهم ولا يضرنا، وان اظهار البراءة تقية لا يقدح فينا، ولا تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتتقي على نفسك وجهها الذي به قوامها ومالها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تمكنها، وتصون بذلك من عرف من اوليائنا واخواننا، فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك وتنقطع به من عمل في الدين، وصلاح اخوانك المؤمنين، واياك اياك ان تترك التقية التي امرتك بها، فانك شاحط بدمك ودم اخوانك، معرض لنفسك ونفوسهم الزوال، مذل لهم في ايدي اعداء الدين، وقد امرك الله باعزازهم، وانك ان خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك واخوانك اشد من ضرر الناصب لنا والكافر بنا.
وهذه الرواية تتعارض مع الرواية المروية عنه (ع)، والتي جاء فيها. انكم ستعرضون على سبي، فسبوني، ومن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه، فان برئ مني فلا دنيا له ولا آخرة.
ولكن الذي يوهن هذه الرواية، انها عرضت على الامام الصادق (ع) فانكرها وقال: ما اكثر ما يكذب الناس على علي (ع).
ونحن اذا لاحظنا الحوادث وملابساتها منذ فجر الخلافة الاسلامية، وتتبعنا تاريخ الشيعة وائمتهم والظروف القاسية التي مرت عليهم وما لاقوه من التعذيب والظلم والجور في جميع الادوار والمراحل التي مروا بها، لا نستطيع ان نفاضل بين عصر وعصر، ولا بين حاكم وحاكم، ففي

{ 336 }


الشطر الاول من العهد الاموي، لم يكن يعني معاوية واتباعه شيء غير مطاردة الشيعة والتنكيل بهم في مختلف انحاء البلاد واكراههم على سب علي والبراءة منه ومن ابنائه، فلم يسلم منهم الا من تستر بعقيدته واظهر مجاراتهم في القول والفعل، ونسج على منواله جميع الامويين وعمالهم نحوا من قرن من الزمن تقريباً، ولما جاء دور العباسيين، وهم الاقربون لعلي وآله (ع) ترقب الشيعة انها ساعة الخلاص من ذلك العهد الجائر وقبل ان تمتلئ رئتاهم من النفس المريح، واذا بالحكام الجدد الذين تستروا اولاً بمكافحة الظلم، وتباكوا على القتلى من بني عمومتهم، يمارسون اسلوب اسلافهم باقبح الصور، وبشكل لهم يهتد اليه سلفهم «الصالح من قبل» حتى قال القائل:
يا ليت جور بني مروان دام لنا***وليت عدل بني العباس في النار
وهكذا توالت عليهم النكبات من السلاجقة الى الايوبيين، الى الاتراك، ولم يتنفسوا من ظلم الحاكم الذي حكم باسم الدين والاسلام نحواً من ثلاثة عشر قرناً، الا بعد ان تقلص عهد الاتراك البغيض المملوء بالمخازي والمفاسد، وجاء عهد الانتداب، ومن ثم عهد الاستقلال، العهد الذي تبدل فيه نوع الحكم، فاحس الشيعة في جميع الاقطار وبخاصة في لبنان بوجودهم وتفتحت لهم نوافذ الحرية، ولكن رواسب تلك العهود البغيضة ظلت تسيطر على الملايين من المسلمين، وبقي الكتاب من خلالها ينظرون الى الشيعة نظرة الحاقد الحسود الذي لا يبصر الا من زاوية نفسه المعقدة المظلمة فكتبوا عنهم واتهموهم بشتى الاتهامات والصقوا بهم البدع جزافاً وبلا حساب، ولا سبب لذلك الا ان التشيع لا يقر الحكومة التي لا تقوم على اساس العدل واحقاق الحق، ولا يعترف باي سلطة لا تضمن حرية الفرد والجماعة، وتحمي الشعوب من الاستغلال والجشع ونشر الفوضى، وتحرص على كرامة الانسان وتهيئ له الحياة الحرة الكريمة مهما كان لونه ونوعه.

{ 337 }


صحيح ان ما قيل عن الشيعة، وما كتب عنهم ولا يزال المتقولون والكتاب يجترونه في كل عصر وزمان، هو من صنع تلك العصور المظلمة الجائرة، ولكن قد جاء الوقت المناسب لتجاهل تلك المزامير التي تغنى بها اسلافهم قروناً واجيالاً، ولان يملوها كما ملوا من كل قديم لا تفرضه الحياة في مختلف نواحيها، وان يدرسوا التاريخ ويحاكموه بوعي وانصاف وتجرد، ونحن على ثقة بانهم لو فعلوا ذلك سيتراجعون عن اكثر مدونات التاريخ واراجيف الحكام وشيوخ السوء. وسيعلمون ان الثقة التي اعتبروها من عيوب التشيع، يفرضها الواقع، ويحكم بها العقل في مثل تلك الظروف التي احاطت بالشيعة دون سواهم، وقد ساعدت على بقاء الاديان وانتشارها اولاً واخيراً، في حين هي ابعد ما تكون عن الباطنية والسرية والرياء، كما يزعم بعض المؤلفين من السنيين وغيرهم.
فالباطنية مذهب له اصوله وقواعده عند مبتدعيه وواضعيه يتنافى مع اصول الاسلام وقواعده، وقد كفر ائمة الشيعة المعتنقين لهذه الفكرة والمرائين، وعدوا الرياء نوعاً من الشرك كما جاء في مروية يزيد بن خليفة عن الامام الصادق(ع)(1).
ان التقية دعوة الى الخلود والسكينة، وليست شيئاً آخر وراء مجاراة الغير تهرباً من شره وضرره حتى يتهيأ الوقت المناسب للوقوف في وجه الطغيان والفساد مع العلم بان جميع الاديان والطوائف تقر مبدأ التقية، وتدفع المهم بالاهم وتقدم الفاسد على الافسد، وتأخذ بقاعدة دفع المفاسد اولى من جلب المصالح.
والسنة انفسهم يقرونها ويعملون بها لدفع الاضرار والمفاسد وجلب المصالح والمنافع، فقد جاء في الجزء الثالث من احياء العلوم للغزالي، (باب ما رخص فيه الكذب).

______________________________
(1) انظر ص 293، ج 2، من الكافي.

{ 338 }


جاء فيه، ان عصمة دم المسلم واجبة، فاذا كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب.
وقال الرازي: وهو يفسر قوله تعالى: ( الا ان تتقوا منهم تقاة) قال: روي عن الحسن انه قال: التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة، واضاف الى ذلك. ان هذا القول هو الاولى، لان دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان وانكر الشاطبي في الموافقات على الخوارج القائلين بان سورة يوسف ليست من القرآن، وان التقية لا تجوز في قول او فعل، واكد مشروعيتها في موارد الحاجة اليها.
وقال جلال الدين السيوطي في الاشباه والنظائر: يجوز أكل الميتة في المخمصة، واساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ولو عم الحرام قطراً، بحيث لا يوجد فيه حلال الا نادراً فانه يجوز استعمال ما يحتاج اليه.
وقال ابو بكر الجصاص: في تفسير قوله تعالى: «الا ان تتقوا منهم تقاة» أي ان تخافوا تلف النفس، او بعض الاعضاء، فتتقوهم باظهار الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وعلى ذلك الجمهور من اهل العلم، واضاف الى ذلك ان عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون الله» قال: لا يحل لمؤمن ان يتخذ كافراً ولياً في دينه، وقوله تعالى: «الا ان تتقوا منهم تقاة» هذه الآية تدل على جواز اظهار الكفر عند التقية.
وجاء في الجزء الرابع من السيرة الحلبية. ان رسول الله (ص) لما فتح خيبر، قال له حجاج بن علاط: يا رسول الله ان لي بمكة مالا وان لي اهلاً، وانا اريد ان آتيهم، فانا في حل ان انا نلت منك، وقلت شيئاً، فأذن له رسول الله ان يقول ما شاء.

{ 339 }


الى غير ذلك من النصوص الفقهية والتاريخية الكثيرة الواردة في كتب مشاهير اهل السنة، والتي يستفاد من خلالها بان التقية من الضرورت التي لا يمكن الاستغناء عنها والتنكر لها بحال(1).
والشيء الغريب ان بعض السنة مع وجود هذه النصوص والتصريحات في كتبهم يعدونها من عيوب الشيعة، وينعتونها بالرياء تارة والدجل والباطنية اخرى ونحو ذلك من النعوت التي ان دلت على شيء فانها تدل على انهم يحاولون ولو بالتمويه والتضليل والافتراء التشنيع على الشيعة واظهارهم على غير واقعهم ولو بهذه الاساليب المفضوحة.

______________________________
(1) انظر الشيعة والتشيع، ص 51، للشيخ محمد جواد مغنية، والموافقات للشاطبي، ص 180، ج 4، والاشباه والنظائر ص 76، والجزء الثاني من احكام القرآن للجصاص ص 10، والجزء الثالث من السيرة الحلبية ص 61.
 
    www.islamology.org