الفصل الاول : لمحات عن الكتابة والحديث ومراحل تدوينه

لا يخرج الباحث في احوال العرب وتاريخهم صفر اليدين من معرفة العرب للكتابة، ذلك لان الدراسات العلمية تؤكد ان العرب ولا سيما سكان الاطراف الشمالية للجزيرة قد تعلموا الكتابة واتقنوها قبل الاسلام بزمن بعيد، نتيجة لاتصالهم الوثيق بالفرس والرمان، وتدل المصادر التاريخية ان جماعات كثيرة عن عرب الحيرة قد اتقنوا اللغة الفارسية وكتابتها، وتولى بعضهم ادارة دواوين ملوك الفرس والترجمة لهم والاشراف على الكثير من شؤونهم، ومن هؤلاء عدي بن زيد وولده اللذان كانا من الصق العرب بقصور الفرس والامارات العربية بالحيرة وغيرها.
وجاء في فجر الاسلام لاحمد امين، ان لعرب الحيرة وامرائهم وتاريخهم اثراً كبيراً في الادب العربي والحياة العقلية للعرب عامة كما تدل على ذلك احاديث جذيمة الابرش واساطير الزباء، والخورنق والسدير وما جاء حول سنمار باني الخورنق، ويوما النعمان، يوم بؤسه ويوم نعيمه وغير ذلك من القصص والاساطير التي احتلت الصدارة في شعر العرب وآدابهم قبل ظهور الاسلام، وظلت زمناً طويلاً تحتل الصدارة في المدونات التاريخية والقصصية بعد ظهور الاسلام.

{ 16 }


وجاء في الاعلاق النفيسه (لابن رسته) ان عرب الحيرة علموا قريشاً الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الاسلام، ولا يعنينا تقييم هذه النصوص من الناحية العلمية والتاريخية بل اوردناها كشاهد على ان الامية لم تكن متفشية بين العرب بالشكل الذي يتصوره بعض الكتاب والمستشرقين و بخاصة عرب الحيرة وبادية الشام لانهم عاشوا زمناً طويلاً مع جيرانهم الفرس والرمان، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مروا بها مع تلك الامم المتحضرة ليس من البعيد عليهم ان يتعلموا الكتابة، وان يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمس حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرة الكريمة كما لا نستبعد ان يكون لعرب الحجاز ميزة على غيرهم من عرب الجزيرة من هذه النواحي ذلك لانهم جعلوا مكة المكرمة قاعدة لتجارتهم التي كانت تسيطر على الاسواق في الشام ومصر، حيث كان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والاحباش، لتصديرها على حسابهم الى اسواق الشام ومصر، وعلى تجارة المكيين كان يعتمد الرومان في اكثر الحاجيات وقد بالغ بعض المستشرقين فادعى انهم اتخذوا من مكة نفسها بيوتاً استخدموها للتجارة والتجسس على العرب، وكانت قبيلة قريش من اشهر القبائل العربية التي كانت تتعاطى التجارة، وجاء في الكشاف وغيره من كتب التفسير، ان القرشيين كانوا يرحلون في الشتاء الى اليمن، وفي الصيف الى الشام، والذي سهل لهم الاستيراد والتصدير، والاستيلاء على الاسواق، ان العرب كانوا يعظمون البيت ويحترمون جيرانه وخدامه وقد امتازت بذلك قريش عن غيرها من سائر العرب لانها تحصنت بجواره من غزو العرب وقطاع الطرق(1).
وليس بالبعيد عادة ان تزودها هذه الرحلات المتتالية بسبب اتصالها

______________________________
(1) انظر فجر الاسلام لاحمد امين ص 13 و 14 .

{ 17 }


المباشر بتلك الامم المتحضرة ببعض المنافع، بالاضافة الى الفوائد المادية التي كانت تدرها هذه الرحلات، ومن ايسر ما يمكن ان تجره على المكيين هذه المهنة هي تعلم الكتابة والقراءة، هذا بالاضافة الى ان يهود المدينة كانوا يحسنون الكتابة ويعلمونها الصبيان قبل هجرة الرسول (ص) اليها كما تؤكد ذلك بعض النصوص التاريخية.
ومن مجموع ذلك تبين ان الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيين كما يدعي البلاذري في (فتوح البلدان) حيث قال: «لقد ظهر الاسلام وبين القرشيين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير وفي الاوس والخزرج سكان المدينة أحد عشر رجلاً تعلموها من جيرانهم اليهود ».
واذا صح ان الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يجاوزون هذا العدد الضئيل فلا بد وان تكون في غيرهم معدومة او اقل من ذلك، وبعد ملاحظة الظروف التي احاطت بالمكيين وبخاصة القرشيين منهم الذين كانوا على اتصال دائم بالامم المتحضرة نستبعد كل البعد ان يكون هذا الاحصاء الذي ادعاه البلاذري وغيره صحيحاً وفي نفس الوقت لا نبالغ في تقديره، ولا ندعي انتشارها بينهم كما كانت بين جيرانهم الفرس والرومان، لان العلم والكتابة ينتشران حيث توجد الحضارة ويكثر العمران، والحجازيون يفقدون جميع هذه النواحي.
ومما يؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل ظهور الاسلام الآية من سورة الجمعة، (هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
وجاء في غيرها من الآيات ما يؤكد أن النبي نفسه كان امياً لا يحسن الكتابة ولا القراءة كما تدل على ذلك النصوص القرآنية والنبوية.

{ 18 }


قال تعالى: «الذين يتبعون الرسول الامي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة» وجاء عنه (ص) انه قال: انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الى غير ذلك من النصوص والحوادث التي تؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل الاسلام، ولا يتنافى ذلك مع ما ذكرناه اولاً من ان عرب الحيرة ومكة بصورة خاصة من بين عرب الجزيرة كانوا يقرؤون ويكتبون، فانا لم نقصد من ذلك ان الاغلبية منهم كانوا يحسنونها كغيرهم من الامم المتحضرة والذي اردناه انه قد كان بينهم عدد لا يستهان به يحسنون الكتابة والقرائة بحكم الظروف والملابسات التي كانت تحيط بهم ولا يتنافى ذلك مع جهل الاغلبية لها.
ومهما كان الحال فالتحديد الذي ذكره البلاذري لغير الاميين، والغلو الذي ذهب اليه بعض المستشرقين من مساواة العرب لغيرهم في هذه الناحية، هذان الرأيان لا تؤيدهما الدراسات العلمية ولا النصوص الاسلامية كما ذكرنا.
ومما لا شك فيه ان الكتابة قد بدأت تتنشر في مكة وما حولها بظهور الاسلام على نطاق اوسع مما كانت عليه اولا بسبب التحول الذي طرأ على العرب نتيجة لاعتناقهم الدين الجديد الذي يدعو الى العلم ويحث عليه.
وتؤكد المصادر التاريخية ان مساجد المدينة التسعة كانت محط انظار المسلمين، يتعلمون فيها القرآن وتعاليم الاسلام والكتابة وغير ذلك مما تدعو اليه الحاجة، والى جانب هذه المساجد انتشرت المكاتب لتعليم الصبيان ومحاربة الامية باشكالها، وعندما نلاحظ موقف النبي من الاسرى الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة بعد نجاحه في معركة بدر الكبرى واعفاءهم من الفدية التي فرضها على كل اسير حسب امكانياته

{ 19 }


مع العلم بانه كان هو و دولته الفتية الناشئة في امس الحاجة الى المال عندما نلاحظ ذلك ونتأكد بانه قد اعفاهم منها، وفرض على كل اسير منهم ان يعلم عشرة من الاميين في مقابلها، ندرك مدى اهتمامه في محاربة الجهل والامية حتى استطاع في خلال سنوات معدودات ان يهيّئ عدداً كبيراً يقرؤن ويكتبون، ويحسنون ادارة الاعمال وتصريف الامور، ومضت حركة التعليم تتسع بين المسلمين في انحاء الجزيرة، والرسول (ص) يغذيها بما تيسر لديه من الموارد المحدودة، ويحث عليها بمختلف الاساليب والمناسبات، وقد بلغ به الحرص على توجيه الناس نحو التعليم، ان جعل طلب العلم من الفرائض، وقال كلمته المشهورة، (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وقال ايضاً: (اطلبوا العلم ولو بالصين) والوصول الى الصين في عصره اعسر من الوصول الى القمر في عصرنا هذا، وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها لمحاربة الامية ان اصبح المتعلمون من المسلمين وابنائهم يعدون بالالوف، بعد ان كانوا لا يتجاوزون العشرات كما يظهر من احصاءات المؤلفين الذين كتبوا في هذه المواضيع.
ويؤيد ذلك ما جاء عن ابي الدرداء. انه قال لبعض جلسائه اعدد من يقرأ عندي القرآن فعدهم فبلغوا الفا وستماية.
وكان لكل عشرة مقرئ، (اي معلم) وابو الدرداء يشرف على الجميع(1).
ومن مجموع ذلك نستطيع ان نؤكد ان تأخير المسلمين عن تدوين الحديث والآثار الاسلامية لا يعود بالدرجة الاولى الى ندرة وسائل التدوين وتفشي الامية كما يدعي بعض المؤلفين من العرب والمستشرقين،

______________________________
(1) انظر السنة قبل التدوين، عن النهاية في طبقات القراء، والتهذيب لابن عساكر.

{ 20 }


ذلك لان وسائل التدوين لم تكن بتلك الندرة حتى قبل ظهور الاسلام كما ذكرنا، ولو تنازلنا عن جميع الشواهد والادلة التي ذكرناها وقلنا ان العرب قبل الاسلام على اختلاف مناطقهم لا يحسنون الكتابة، لو افترضنا ذلك بالنسبة للعرب قبل الاسلام، فلا يصح هذا الافتراض بعد ظهور الاسلام وبعد تلك الجهود التي بذلها الرسول الاعظم (ص) لمحاربة الجهل والامية، فلا بد لنا والحال هذه من تلمس الاسباب التي صرفت المسلمين عن تدوين احاديث الرسول خلال القرن الاول من الهجرة، ومن خلال المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع قديماً وحديثاً نجد ان اكثرها تعزو ذلك الى الرسول نفسه، اعتماداً على المرويات عنه، والى الخليفة الثاني الذي اشتهر بمعارضة فكرة التدوين، وتوعد الناس بالعقاب عليها، فرووا عن الرسول (ص) انه قال: لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وقد اخذ الخليفة الثاني بهذا النص حينما راجت فكرة التدوين بين المسلمين كما يدعي بعض المؤلفين وعلله بان التدوين قد يؤدي الى التباس القرآن بالحديث وانصراف المسلمين عن كتاب الله الى اقواله واحاديثه كما جرى ذلك بالنسبة الى الامم السابقة.
وفي مقابل الرواية التي تنص على ان الرسول نهاهم عن تدوين اقواله وافعاله رووا عنه انه رخص لعبد الله بن عمرو بن العاص ان يكتب عنه ما يشاء فجمع من احاديثه الصحيفة المسماة بالصادقة، وانه قال لرجل من الانصار: استعن على حفظك بيمينك، وقال لانس بن مالك: قيدوا العلم بالكتابة، الى غير ذلك من المرويات ونظراً لتعارض هذه الطائفة من المرويات عنه للروايات المانعة، رجح اكثر المحدثين بانه نهى عنه اولاً مخافة ان يختلط حديثه بالقرآن الكريم ولما تركز القرآن في نفوسهم واحتل منها المكان اللائق به، واصبحوا يميزونه عن غيره اباح لهم ان يكتبوا عنه ما يشاؤون، ونتيجة هذا الجمع بين هاتين الطائفتين من المرويات

{ 21 }


عنه (ص) فقد توفي والتدوين مباح للجميع، وامر عبد اللّه بن العاص ان يكتب عنه في حالتي الرضا والغضب، كما يدعون، انه دون صحيفته المسماة بالصادقة من اقواله وافعاله مباشرة(1) ومن البعيد ان تخفى هذه النصوص على الخليفة، واذا افترضنا بانه كان على علم بها، فلماذا منع من التدوين في حين انه لم يرد عن الخليفة الاول ما يشير الى انه نهى عن ذلك.
وجاء في بعض المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع انه منعهم عن تدوين الاحاديث حرصاً على كتاب الله، وانه احرق كتبا ً كانت لبعض الصحابة لهذه الغاية.
فقد روى عنه عروة بن الزبير، انه اراد ان يكتب السنن، فاستفتى اصحاب رسول الله (ص) فاشاروا عليه ان يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: اني كنت اريد ان اكتب السنن، واني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني لا اشوب كتاب الله بشيء.
وجاء عنه انه لما حدث ابي بن كعب عن بيت المقدس واخباره انتهره عمر بن الخطاب، وهم بضربه، فاستشهد ابي بجماعة من الانصار ولما شهدوا بانهم سمعوا الحديث من رسول الله (ص) تركه، فقال له ابي بن كعب: اتتهمني على حديث رسول الله، فقال يا ابا المنذر: والله ما اتهمتك، ولكني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً الى غير

______________________________
(1) لقد تحدثنا عن هذه الصحيفة المزعومة مفصلاً في كتابنا تاريخ الفقه الجعفري، واثبتنا بالارقام انها ليست من احاديث الرسول، بل هي من الكتب التي استولى عليها المسلمون في معركة اليرموك، وكان هو يحدث عن تلك الكتب وينسبها الى الرسول (ص) وقد جمع فيها طائفة من الاحاديث وادعى بانه اخذها من الرسول.

{ 22 }


ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين، وانه قد تفرد بهذا التصرف حرصاً على كتاب الله ، ولكن الرواية التي تنص على انه قد انتهر ابي بن كعب لما حدث عن بيت المقدس، وقوله فيها: اني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً، هذه الرواية تدل على انه كان حريصاً على ان لا ينتشر الحديث عن رسول الله (ص)، مع العلم بان حديث الرسول مكمل للتشريع، ومبين لمجملات القرآن ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل لكثير من النواحي الاخلاقية والاجتماعية والتربوية، ولو تقصينا الاسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السنة في طي الكتمان لم نجد سبباً يخوله هذا التصرف، ولا نستبعد انه كان يتخوف من اشتهار احاديث الرسول في فضل علي وابنائه (ع).
ويؤكد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الاسود عن ابيه، ان علقمة جاء بكتب من اليمن او مكة تحتوي على طائفة من الاحاديث في فضل اهل البيت (ع)، فاستأذنا على عبد الله بن مسعود فدخلنا عليه ودفعنا اليه الكتب، قال: فدعا الجارية ثم دعا بطشت فيه ماء، فقلنا له: يا ابا عبد الله انظر فيها فان فيها احاديث حساناً، فلم يلتفت، وجعل يمثها في الماء ويقول: نحن نقصّ عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن، القلوب اوعية فاشغلوها بالقرآن، وعبد الله بن مسعود كان منحرفاً عن علي (ع) ويساير المنحرفين عنه، كما تؤكد ذلك النصوص التاريخية.
ولو افترضنا ان الخليفة كان حسن النية في هذا الامر، وانه لم يمنع الا بدافع الحرص على كتاب الله، فقد كان من نتائجه، ان اتسع المجال للكذابين والمنحرفين عن المخطط الاسلامي، والمرتزقة ان يضعوا من الاحاديث ما توحيه اليهم الاهواء والمطامع، بالاضافة الى ما ضاع منها

{ 23 }


بسبب الحروب والغزوات، التي فتكت بالصحابة بعد وفاة الرسول «ص»..
على ان الذين يحاولون ان يعتذروا عنه، ويقرون المرويات التي تنص على انه خاف ان يختلط الحديث بالقرآن، هؤلاء يسيئون اليه من حيث لا يقصدون، لانه لم يكن قصير النظر ولا محدود التفكير ولا جاهلاً باساليب البيان وبلاغة القول، ويعلم جيداً ان القرآن قد استولى على النفوس وتحكم بمشاعرهم واحاسيسهم، وكان له الاثر البالغ في سير الدعوة وانتشارها، هذا بالاضافة الى وجود الفوارق الكثيرة بين الاسلوبين التي لا تخفى على احد منهم.
ومع التغاضي عن جميع ذلك، فقد كان بالامكان لو كانت النوايا طيبة التفرغ الى جمع الحديث وتدوينه بعد تدوين القرآن الكريم والتثبت من احصائه في مجموعة واحدة بواسطة لجنة مختارة من الامناء المعروفين بالوثاقة والاستقامة، ولو فعلوا ذلك لقطعوا الطريق على كل افاك اثيم، وعلى المرتزقة الذين شوهوا معالم السنة وطمسوا من اضوائها النيرة والصقوا فيها من الموضوعات التي جرت على المسلمين اسوأ انواع البلاء وفرقتهم شيعاً واحزاباً.
ومهما كانت الاسباب التي فرضت على الخليفة ان يقف من السنة هذا الموقف، فالنصوص التاريخية تؤكد بانه لم يكن موفقاً فيه ولم ينجح كل النجاح في هذا التدبير، فقد ظهرت بعض المدونات الاسلامية في فترات متعاقبة من عصر الصحابة وبعده للشيعة وغيرهم، ومن ذلك الجامعة التي الفها علي «ع» وقد تناول فيها جميع ابواب الفقه، واليها كان يرجع الائمة «ع» في احكامهم واقضيتهم في كثير من المناسبات، كما دون عبد الله بن العباس في الفقه والتفسير وغير ذلك من العلوم، وجاء

{ 24 }


في بعض المرويات انه ترك حمل بعير من مدوناته، وكان يحمل قسماً منها الى مجالسة وحلقات التدريس، وكتب سعيد بن جبير احد تلاميذه كل ما املاه عليه. ومجمل القول ان حركة التدوين بدأت تتسع في الشطر الاخير من عصر الصحابة ولكنها لم تنتشر بين المسلمين الا في اوائل القرن الثاني حينما امر عمر بن عبد العزيز ابا بكر محمد بن حزم بجمع الحديث وتدوينه، وجاء في المذكرة التي وجهها اليه. انظر ما كان من حديث رسول الله (ص) او سنة ماضية فاكتبه فاني خفت دروس العلم وضياعه، واكد عليه كما تنص بعض المرويات ان يدون ما روته عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية والقاسم بن محمد بن ابي بكر(1) فهب الناس الى التدوين واحسوا بخطر الركود الذي مر عليه في القرن الاول واصبح من الضرورات الملحة بنظر الجميع، لا سيما وقد ندب اليه عمر بن عبد العزيز المعروف بالاعتدال والحرص على الآثار الاسلامية ولكن التدوين الذي كان يومذاك لم يكن مرتباً على ابواب الفقه وفصوله ولم يقتصر الكتاب على موضوع واحد، بل كان المؤلف يحشد في كتابه من جميع المواضيع والاصناف، بما في ذلك التفسير واللغة والادب ونحو ذلك من المواضيع اما التدوين المرتب على الابواب الفقهية فلم يكن قبل اواخر النصف الاول من القرن الثاني، ويدل على ذلك ما اورده الحافظ الذهبي في حوادث ص 143 قال: وفي هذا العصر شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك من المواضيع، فصنف ابن جريح المتوفى 150 تصانيفه الكثيرة في مكة، وصنف ابن أبي عروبة المكنى بابي النظر العدوي، وفي خلال ذلك صنف ابو حنيفة في الفقه والرأي، كما صنف حماد بن سلمة وسفيان الثوري والاوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وغيرهم في فرات متعاقبة تتراوح بين سنة 150 و 175 عشرات الكتب

______________________________
(1) انظر تاريخ الفقه الجعفري ص 176 والاضواء ص 224 .

{ 25 }


في مختلف المواضيع واذا لاحظنا ما انتجته مدرسة الامامين الباقر والصادق (ع) في هذه الفترة من القرن الثاني تقريباً من المدونات التي بلغت ستة آلاف كما احصاها اكثر المؤلفين في هذا الموضوع من الشيعة واشرنا الى مصادرها في كتابنا ( المبادئ العامة في الفقه الجعفري) اذا لاحظنا ذلك ندرك اهمية هذا الدور من ناحية اتساع حركة التأليف وتدوين الآثار الاسلامية وغيرها من آثار الفرس واليونان في مختلف المواضيع، وقد احصى المؤلفون في احوال الرجال والتراجم عدداً كبيراً لجماعة من اصحاب الائمة كصفوان بن يحيى، وشعيب بن اعين الحداد، وهشام بن الحكم، واسماعيل بن موسى بن جعفر (ع) وعبد الله بن المغيرة البجلي الكوفي، وعبد الله بن سنان مولى بني هاشم، ومحمد بن عمير ويونس بن عبد الرحمن، واحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، والفضل بن شاذان النيسابوري الى غير ذلك ممن تترواح مؤلفاتهم بين العشرين والثلاثين كتاباً.
وجاء عن محمد بن مسعود العياشي انه انفق على تدوين العلم ثلاثمائمة الف دينار، وان داره كانت تعج بالناس، وهم بين ناسخ وقارئ ومقارن ولو كتب البقاء لمؤلفات الشيعة في القرنين الثاني والثالث، لكانت دور الكتب اغنى ما تكون بالآثار الشيعية، ولكن الظروف التي احاطت بهم، والحروب الدامية التي كانت في الغالب تستهدف دمائهم وآثارهم كل ذلك قد ساهم في تبديد تلك الثورة الغنية بالكنوز والنفائس، وليس ادل على ذلك من اقدام الحكام والغزاة، وبخاصة الايوبيين منهم على حرق المكتبات الشيعية مباشرة. كمكتبة الطوسي، والوزير (نصر سابور بن اردشير) وزير بهاء الدولة، ومكتبة الازهر التي اسسها الفاطميون في مصر وحشدوا فيها مئات الالوف من المجلدات في مختلف المواضيع وبقيت اكثر من قرنين من الزمن منهلاً كريماً لرواد العلم من

{ 26 }


مختلف الاقطار الى ان جاء عهد الايوبيين الذي استهدف الشيعة وآثارهم اكثر من أي شيء آخر ذلك العهد الذي مثل فيه صلاح الدين وابناؤه الجريمة باقبح صورها واشكالها الى غير ذلك من دور الكتب التي كانت اكثر محتوياتها من كتب الشيعة وآثارهم.
ومهما كان الحال فلم يطرأ على التدوين تطور قبل نهاية القرن الثاني، وبنهايته شرع فريق من العلماء بتطويره فافردوا احاديث الرسول عن آراء الصحابة وأقضيتهم، ووزعوا الاحاديث على ابواب الفقه وفصوله حسب المناسبات ومضى العلماء على ذلك، فألف احمد بن حنبل جامعه، واسحاق بن راهويه وغيرهما عشرات الكتب وظلت حركة التدوين تتسع الى ان دخلت طوراً جديداً، هو طور الاختيار والتنقيح، وكان اول من اتجه الى هذه الناحية من السنة محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله.
قال الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري، ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح وغيره والكثير منها يشمله التضعيف، حرك همته لجمع الحديث الصحيح، فألف كتابه المعروف بصحيح البخاري، كما الف كل من مسلم، وابو داود سليمان بن الاشعت السجستاني، والترمذي والنسائي، وابن ماجة، ومحمد بن يزيد كتبهم الستة المعروفة بين اعلام السنة بالصحاح خلال القرنين الثالث واوائل القرن الرابع، وكان لمحمد بن اسماعيل البخاري الفضل الاكبر في هذا الاتجاه من التأليف، لانه اول من حرك همته لتحري الاحاديث الصحيحة ودونها في صحيحه سنة 250 تقريباً، وآخرهم النسائي احمد بن شعيب المتوفى سنة 303 شهيداً في مكة كما في رواية الذهبي وغيره.
وجاء في سبب وفاته. انه خرج من مصر وافداً على دمشق فاجتمع

{ 27 }


عليه المحدثون والقراء وغيرهم، وفي بعض مجالسه سأله بعضهم، ايهما افضل علي ام معاوية؟ فقال على الفور: اما رضي معاوية ان يخرج رأساً برأس حتى يفضل، وجاء عنه انه قال: والله لا اعرف له فضيلة الا قول النبي (ص) له: (لا اشبع الله بطنك) فداسوه بارجلهم واخرجوه من الشام مضروراً، فتوجه نحو مكة المكرمة وتوفي بها متأثراً بما اصابه، وجاء في ترجمته انه قال: دخلت الشام، والمنحرف عن علي (ع) بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت بذلك ان يهديهم الله(1).
وفي هذا الدور الذي ظهر فيه اصحاب الصحاح ودونوا صحاحهم، نجد بين المؤلفين من الشيعة من هو اكثر انتاجاً واحسن تنظيماً من غيرهم، كما تؤكد ذلك كتب الرجال والحديث التي تعرضت لمؤلفات الشيعة في الفترة الواقعة بين عصر البخاري والنسائي، وبخاصة المؤلفات الفقهية الموزعة على ابواب الفقه وفصوله، واشتهر من بينهم القميون بتصلبهم وتشددهم على كل متهم بالانحراف عن العقيدة، كمحمد بن عيسى بن عبد الله الاشعري شيخ القميين في القرن الثالث على حد تعبير علماء الرجال ومحمد بن احمد بن ابي قولويه، ومحمد بن اسماعيل بن بشير البرمكي، ومحمد بن خالد الاشعري القمي، ومحمد بن علي بن محبوب احد الشيوخ الاجلاء في قم، وصاحب المؤلفات الكثيرة في مختلف المواضيع وقد احصى له النجاشي والمامقاني في تنقيح المقال نحواً من ثلاثين مؤلفاً وفي كتابه الجامع تعرض لجميع ابواب الفقه من الطهارة الى الديات والحدود، ومن هذه الطبقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار المعروف بالوثاقة وحسن السيرة وسلامة العقيدة، والمعاصر للامامين الهادي والعسكري (ع)، كما عاصر البخاري وغيره من اصحاب الصحاح، الى غير ذلك من العشرات الذين اتجهوا الى تصفية الحديث وتصنيفه على

______________________________
(1) انظر شذرات الذهب لابن العماد ج 2 ص 240

{ 28 }


ابواب الفقه وفصوله، وقد احصى النجاشي لبعضهم اكثر من تسعين كتاباً.
وجاء في الفهرست لابن النديم: ان الفضل بن شاذان النيسابوري ترك نحواً من 180 كتاباً من مؤلفاته في مختلف المواضيع، وبلغ الحال بالقميين وغيرهم انهم كانوا يخرجون من قم كل متهم بالغلو والانحراف عن التشيع السليم ويرفضون مروياتهم مهما كان نوعها. وبالتالي فقد اتجهوا الى التأليف في احوال الرواة، ووضعوا اصول علم الرجال والدراية حتى لا تختلط مرويات المنحرفين والمتهمين بمرويات الموثوقين من الشيعة المعتدلين في تشيعهم وعقائدهم، ومن هؤلاء علي بن الحسين بن علي بن فضال. فقد جاء في الفهرست للشيخ الطوسي. انه ممن يعتمد على قوله في الرجال، ويستند اليه في الجرح والتعديل، واكد هذه الحقيقة في منتهى المقال، واستنتج بعضهم انه من المؤلفين في الرجال.
ومنهم الفضل بن شاذان، فقد نص جماعة ان له كتباً في الرجال واحوال الرواة، ومنهم محمد بن احمد بن داود بن علي شيخ القميين في زمانه كما نص على ذلك النجاشي، والعلامة في الخلاصة.
وجاء في الفهرست، انه الف كتاباً في الممدوحين، والمذمومين في رجال الحديث.
ومنهم محمد بن الحسن ابو عبد الله المحاربي، قال النجاشي، والعلامة في الخلاصة. انه كان خبيراً باحوال الرواة والف في هذا الموضوع كتاباً عرض فيه احوالهم ومراحل حياتهم.
ومنهم نصر بن الصباح المكني بابى قاسم من اهالي بلخ فقد الف كتاباً في احوال الرواة والناقلين للحديث كما الف في العقائد وغيرها.

{ 29 }


ومنهم محمد بن خالد البرقي ومحمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي وغيرهم ممن نص اصحاب الفهارس على انهم قد الفوا في احوال الرجال ووضعوا اصول علم الدراية في القرن الثالث واوائل القرن الرابع، وقد اكد ذلك الشيخ الطوسي في العدة، وجاء فيها ان الطائفة ميزت الرجال الناقلين لهذه الاخبار فوثقوا الثقات منهم، وضعفوا الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد عليه، ومدحوا الممدوحين، وذموا المذمومين، وقالوا فلان متهم في حديثه، التي وصفوا وفلان كذاب، وفلان مخلط ومخالف في المذهب والاعتقاد الى غير ذلك من الطعون التي وصفوا بها الرواة والمحدثين، واضاف الى ذلك انهم صنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى ان واحداً منهم اذا انكر حديثاً نظر في اسناده وضعفه بروايته واصبحت هذه الطريقة عادة لهم لا تنخرم ولولا ان العمل بما يسلم من الطعون جائز، لا يكون فائدة لما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق(1) هؤلاء وغيرهم من المؤلفين في الحديث واحوال الرجال وشروط الرواية واقسامها الذين بذلوا كل ما لديهم من الامكانيات لتصفية الحديث من الموضوعات ومن المشتبهات هؤلاء وضعوا الاساس للمتأخرين، وكانوا الركيزة التي اعتمدها المحمدون الثلاثة، محمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن بابويه الصدوق، ومحمد بن الحسن الطوسي في اختيار مجاميعهم الاربعة(2) تلك المؤلفات التي اعتمد مؤلفوها على كتب القميين وغيرهم من اصحاب الائمة وتلاميذهم كالاصول الاربعة التي كانت بمجموعها محلاً لثقة الرواة والمحدثين، من حيث معرفتهم بمؤلفيها ووثوقهم بصحة ما فيها من المرويات، هذا بالاضافة

______________________________
(1) ص 53 من العدة.
(2) الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي.

{ 30 }


الى القرائن الاُخرى التي اعتمد عليها المحمدون الثلاثة بالنسبة لبعض المرويات، وان لم تكن من حيث اسانيدها مستوفية لشروط العمل بالرواية، ومن جملتها مطابقة مضمون الرواية للنص القرآني، او للسنة الصحيحة، او لما اجمعت الطائفة عليه، او لموافقته لحكم العقل، او لغير ذلك من القرائن التي تؤكد مضمون الخبر وان رواه من لا يصح الاعتماد على مروياته(1).
ومجمل القول ان المحدثين من الشيعة نشطوا في تصفية الحديث من الموضوعات ومن مرويات المنحرفين في عقائدهم والمندسين بين صفوف الشيعة ووضعوا النواة الاولى لعلمي الرجال والدراية والفوا فيهما، قبل ان يقوم البخاري ورفاقه من اصحاب الصحاح بمهمة تصفية الحديث وتصنيفه، واصبح علم الرجال والدراية من العلوم التي يتوقف عليها استنباط الاحكام من الادلة، لان الحديث هو المصدر الثاني للاحكام بعد كتاب الله، ولولاه لم يتم التشريع ولميبلغ تلك المرتبة العالية من الاحاطة والشمول التي تناولت جميع المواضيع ووضعت الحلول لجميع مشاكل الحياة على اختلاف تطورها ومراحلها.

______________________________
(1) العدة للشيخ الطوسي ص 53 .